العدالة المائية في المغرب مهددة.. دراسة تكشف فجوات في التوزيع والرقابة والمعطيات

كش بريس/التحرير ـ

كشف موجز سياسات حديث للمعهد المغربي لتحليل السياسات عن مجموعة من الاختلالات التي ما تزال تطبع تدبير الموارد المائية بالمغرب، في مقدمتها محدودية قدرة التخطيط التقليدي على التعامل مع اللايقين المناخي، والتفاوت الحاد في توزيع المياه بين المجالات الترابية، وضعف إنفاذ التشريعات، إلى جانب محدودية إتاحة المعطيات التي يحتاجها الباحثون والمجتمع المدني لممارسة الرقابة والتقييم.

وجاءت هذه الخلاصات ضمن موجز بعنوان «العدالة المائية في المغرب: نحو حكامة ترابية منصفة ومستدامة»، أعده الباحث ياسر بن القائد ونشره المعهد في 17 غشت 2026، مستنداً إلى بحث تحليلي ومخرجات ورشة تشاركية نظمها المعهد بمدينة مراكش خلال أبريل الماضي، بمشاركة باحثين وفاعلين مدنيين ومهتمين بقضايا الماء.

مغرب مائي بتفاوتات حادة.. نصف الموارد متمركز في الشمال

توقفت الدراسة عند التفاوتات الهيدرولوجية والمجالية الكبيرة التي تجعل تدبير المياه وفق مقاربة موحدة أمراً محدود الفعالية، مشيرة إلى أن أكثر من نصف الموارد المائية تتمركز في الأحواض الشمالية، التي لا تغطي سوى نحو 7 في المائة من مساحة البلاد.

وترى الورقة أن هذه المعطيات تكشف محدودية النظر إلى المجال الوطني باعتباره وحدة مائية متجانسة، في وقت تختلف فيه مستويات الضغط على الموارد من حوض إلى آخر، بينما تواجه بعض المناطق ندرة شديدة، تستفيد مناطق أخرى من مستويات نسبية أفضل من الموارد.

ودعت الدراسة إلى الانتقال نحو حكامة مائية ترابية مرنة تراعي خصوصية كل حوض، واعتماد ما وصفته بـ«التمييز الإيجابي» لفائدة المجالات الأكثر هشاشة والأشد تعرضاً للإجهاد المائي.

كما أوصت بتعزيز الموقع الفعلي لوكالات الأحواض المائية في صناعة القرار المائي على المستوى الترابي، وتقوية التنسيق بينها وبين الجماعات الترابية والمصالح اللاممركزة والفاعلين المحليين.

وكالات الأحواض.. اختصاصات واسعة وإمكانات محدودة

وسجل الموجز استمرار ما سماه «الفجوة التمويلية والتقنية» التي تعاني منها وكالات الأحواض المائية، معتبراً أنها تحد من قدرتها على تنفيذ مختلف الاختصاصات الرقابية والتدبيرية التي منحها لها القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء.

ويكرس القانون، الصادر سنة 2016، مبادئ التدبير المندمج واللامركزي والتشاركي للموارد المائية، ويمنح وكالات الأحواض صلاحيات واسعة تشمل التخطيط وتتبع الموارد ومراقبة استعمالاتها ومنح التراخيص، فضلاً عن حماية الملك العمومي المائي.

لكن تنزيل هذه الاختصاصات يواجه، وفق الدراسة، عوائق مرتبطة أساساً بالموارد البشرية والمالية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك محدودية عدد أعوان شرطة المياه مقارنة باتساع المجالات المطلوب مراقبتها، الأمر الذي يجعل التصدي لبعض المخالفات، خصوصاً حفر الآبار والاستغلال غير المرخص للمياه، أكثر صعوبة.

الجفاف لم يعد الخطر الوحيد

وتضع الدراسة ما وصفته بـ**«جمود التخطيط المائي أمام اللايقين المناخي»** ضمن أبرز التحديات المطروحة، معتبرة أن التحولات المناخية الأخيرة أظهرت أن الجفاف المتكرر لم يعد وحده مصدر الخطر.

فالفيضانات والأحداث المناخية القصوى أصبحت بدورها جزءاً من المعادلة المائية الجديدة، وهو ما يفرض، بحسب الموجز، الانتقال من خطط تقوم على افتراضات هيدرولوجية مستقرة نسبياً إلى منظومة قادرة على التكيف السريع مع المتغيرات.

وتشير الدراسة إلى أن المخطط الوطني للماء والمخططات التوجيهية للتهيئة المندمجة للموارد المائية تعتمد آفاقاً زمنية طويلة وآليات مراجعة متباعدة نسبياً، الأمر الذي قد يحد من قدرتها على مواكبة التحولات السريعة في التساقطات ودرجات الحرارة وحجم الموارد السطحية والجوفية.

وفي المقابل، تدعو الورقة إلى اعتماد «التدبير التكيفي»، القائم على تحيين المعطيات باستمرار ومراجعة المخططات دورياً وفق تطور المؤشرات المناخية والهيدرولوجية.

كما تقترح تفعيل أنظمة الإنذار المبكر وإحداث آليات تسمح بإعادة ترتيب أولويات توزيع المياه عند تغير المؤشرات، بما ينقل تدبير الموارد من منطق التدخل بعد وقوع الأزمة إلى حكامة استباقية قادرة على مواجهة الجفاف والفيضانات والتقلبات المناخية.

الماء بلا بيانات.. عائق أمام الرقابة والمساءلة

ولم تغفل الدراسة الجانب المعلوماتي، إذ اعتبرت أن نقص البيانات المفتوحة حول الموارد المائية يمثل أحد العوائق الأساسية أمام تطوير الحكامة والرقابة.

وأشارت إلى أن جزءاً مهماً من المعطيات المائية لا يزال ينشر بشكل مجمع أو بوتيرة غير منتظمة، بينما تظل بيانات أخرى، خصوصاً على المستوى الترابي، غير متاحة بصيغ قابلة للتحميل وإعادة الاستخدام وفق مبادئ البيانات المفتوحة.

وترى الورقة أن هذا الوضع يحرم الباحثين والمجتمع المدني والفاعلين المحليين من أدوات ضرورية لتتبع تطور الموارد واستنزاف الفرشات المائية وقياس آثار السياسات العمومية، كما يضعف الرقابة المبنية على الأدلة والمعطيات.

ودعت إلى تحديث المنصات المعلوماتية، خصوصاً التابعة لوكالات الأحواض المائية، ونشر بيانات محينة ومفصلة جغرافياً وقابلة للتحميل وإعادة الاستخدام، بما يعزز الشفافية ويرفع جودة تقييم السياسات والبرامج المائية.

من أزمة الماء إلى سؤال العدالة

وفي محور العدالة المائية، نبه الموجز إلى استمرار تفاوتات مجالية واجتماعية في الاستفادة من الموارد، سواء بين المناطق أو بين أنماط الاستغلال الزراعي.

وسلط الضوء على الفوارق بين الفلاحة التصديرية كثيفة الاستهلاك للمياه والفلاحة الصغيرة، إلى جانب التفاوت في قدرة المواطنين على الولوج المستدام إلى الموارد المائية.

وترى الدراسة أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقوم على تعبئة العرض وحدها عبر بناء السدود وتحلية مياه البحر وتحويل المياه بين الأحواض، وإنما ينبغي أن تواكبها سياسات أكثر صرامة في تدبير الطلب، وترشيد الاستخدامات، وإعادة النظر في أنماط توزيع الموارد.

وتوصي الورقة بإدماج البعدين الاجتماعي والمجالي في القرارات المتعلقة بتخصيص المياه، وإعطاء الأولوية للمناطق والفئات الأكثر هشاشة، بما يضمن الولوج الفعلي والمستدام إلى الماء باعتباره حقاً أساسياً.

البنية التحتية وحدها لا تكفي

وتأتي هذه الخلاصات في سياق يواصل فيه المغرب تنفيذ مشاريع كبرى لتعزيز الأمن المائي، تشمل بناء السدود ومحطات تحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، في مواجهة تداعيات سنوات الجفاف المتتالية والتغير المناخي والارتفاع المستمر في الطلب على المياه.

غير أن الموجز يطرح مقاربة أوسع للأزمة، مفادها أن الأمن المائي لا يصنعه الاستثمار في البنية التحتية وحدها، وإنما يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء قواعد الحكامة، وتقوية المؤسسات الترابية، وتوفير البيانات، وتعزيز الرقابة، وجعل التخطيط أكثر قدرة على التكيف مع التحولات المناخية والاجتماعية والاقتصادية.

وبذلك، تنقل الدراسة النقاش حول الماء من سؤال «كم نملك من الموارد؟» إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بـ**«كيف نوزعها، ومن يقرر بشأنها، ومن يراقب استعمالها، ومن يتحمل كلفة ندرتها؟»**؛ وهي أسئلة تجعل العدالة المائية جزءاً مركزياً من مستقبل الأمن المائي بالمغرب.

Exit mobile version