الفضاء الرقمي في قفص الاتهام خلال الدورة 23 لمحكمة النساء الرمزية

كش بريس/ كتبت لالة مالكة العلوي ـ الجمعة 15 ماي 2026, مساء مشبع بأسئلة العصر وقلق التحولات الرقمية، الساعة الثانية والنصف،احتضن خلاله المركب الاجتماعي لوزارة العدل بمراكش، أشغال “محكمة النساء الرمزية” في دورتها 23, تحت شعار: “جميعًا من أجل فضاء رقمي آمن يضمن الحماية والكرامة للنساء”، وفي مشهدٍ إنسانيٍّ نابضٍ بالوعي والمسؤولية، نظم اتحاد العمل النسائي، محاكمة النساء الرمزية في دورتها 23، ليحوّل الفضاء إلى منصةٍ للبوح، ومنصةٍ للمساءلة، ومنصةٍ لإعادة الاعتبار لنساءٍ أنهكتهنّ شراسة العالم الافتراضي، حين يتحول من وسيلة للتواصل إلى ساحةٍ للتشهير والابتزاز والقهر النفسي.


منذ اللحظات الأولى لاستقبال المشاركات والمشاركين الذين حجّوا من جميع مدن المغرب إلى المركب الاجتماعي لوزارة العدل بمراكش، من مختلف الأعمار والخلفيات، كان واضحًا أن الأمر لا يتعلق بنشاطٍ عابر، بل بمحاكمةٍ أخلاقية ومجتمعية لواقعٍ رقميٍّ صار أكثر توحشًا من أن يُواجَه بالصمت. وجوهٌ متحفزة، عيونٌ مشدودة نحو منصة المحكمة، وأصواتٌ تتقاطع بين الغضب والخوف والأمل، وكأن الجميع جاء ليشهد لحظة انتصار الحقيقة على العنف الخفي الذي يتسلل عبر الشاشات.
افتُتحت الجلسة وسط صمتٍ ثقيل، قبل أن تتلو رئيسة الاتحاد الأستاذة عائشة ألحيان “قرار الإحالة”، بصوتٍ حازمٍ يختلط فيه الأسى بالإصرار، مقدمةً تشخيصًا دقيقًا لواقع الفضاء الرقمي، ذلك العالم الذي كان يُفترض أن يكون فضاءً للمعرفة والانفتاح، فإذا به يتحول في كثير من الأحيان إلى غابةٍ إلكترونية تُستباح فيها كرامة النساء، وتُمارس ضدهن أشكالٌ متعددة من الاستغلال والابتزاز والتشهير والتنكيل النفسي والاجتماعي.
وتضمن قرار الإحالة توصيفًا بليغًا لـ”المتهم” الذي لا وجه له، ولا عنوان ثابتًا، لكنه يتسلل إلى البيوت والهواتف والحسابات الشخصية كالشبح.. متربصًا بكل ثغرة، ومقتاتًا على هشاشة الضحايا، إنه “الفضاء الرقمي المنفلت”، بكل ما يحمله من حسابات مزيفة، وصفحات تشهير، وشبكات ابتزاز، وخوارزميات تمنح الانتشار أحيانًا للمحتوى المؤذي أكثر مما تمنحه للحقيقة.


وعقب ذلك، تقدمت هيئة الحكم التي تشكلت من الأستاذات والأساتذة عائشة الخماس، فريدة بناني، أحمد أبادرين، فوزية ياسين، عبد القادر القطيب، أنس سعدون، زينب التيجابي، برئاسة الأستاذة بشرى العاصمي. لتعلن على
افتتاح جلسات الاستماع، مقدّمة المتهم بوصفه “المتسلل والملصص والمتعقب لكل فجوة”، قبل أن تمنح الكلمة للضحايا، فكانت الشهادات أقسى من أن تُختزل في كلمات.

تقدمت شابة في مقتبل العمر بخطواتٍ مترددة، تحاول أن تخفي ارتجاف صوتها. روت كيف تحولت صورها الشخصية نشرتها على أحد مواقع التواصل إلى مادة للتلاعب والابتزاز، قبل أن تُنشر في صفحات مشبوهة مرفقةً بعباراتٍ مسيئة، لتجد نفسها في مواجهة سيلٍ من التنمر والاتهامات الجارحة، الأمر الذي دفعها إلى الانقطاع عن الدراسة خوفًا من نظرات المجتمع.
ثم وقفت امرأة، تحمل في عينيها تعب سنواتٍ من المقاومة، لتحكي كيف استغل شخصٌ كانت تثق به محادثاتٍ خاصة وصورًا شخصية حصل عليها خلال فترة زواجهما، وبدأ يساومها بها بعد الانفصال، مهددًا بنشرها إن لم تستجب لمطالبه المالية. أو تراجعها عن حقوقها، قالت بصوتٍ متهدج: “لم يكن الابتزاز يسرق مالي فقط، بل كان يسرق نومي وثقتي بنفسي وإحساسي بالأمان”.
وهكذا توالت الشهادات، بين من تعرضت للاستدراج، حيث انتحل شخصٌ هوية فتاةٍ، قبل أن يكسب ثقتها تدريجيًا، ثم يطلب منها صورًا ومعلومات شخصية استُعملت لاحقًا لابتزازها وتهديدها بنشرها بين زملائها وأفراد عائلتها. كانت كلماتها تختنق بالبكاء وهي تقول: “لم أكن أعرف أن ضغطة زر قد تفتح باب الجحيم”.


ولم تخلُ الجلسة من شهادات لنساء عاملات وموظفات ومناضلات حتى، بل ومنهن من وجهت صرختها، من داخل السجن بعد الحكم عليها بتهمة الفساد، شهادات لنساء تعرضن لحملات تشهير ممنهجة، بعد رفضهن الخضوع للابتزاز أو الصمت عن التحرش الإلكتروني، حيث تحولت حساباتهن إلى أهدافٍ للسب والقذف ونشر الإشاعات، في محاولاتٍ واضحة لإسكات أصواتهن وتحطيم حضورهن الرقمي والمهني.
وبعد الاستماع إلى الشهادات، وُجّهت الدفة نحو هيئة الخبراء، التي شكلت لحظةً معرفية عميقة داخل أشغال المحكمة.
فقد أوضحت الطبيبة النفسية نادية بادنيني، أن العنف الرقمي ليس عنفًا افتراضيًا كما يُعتقد، بل هو عنفٌ حقيقي يترك آثارًا نفسية خطيرة، من القلق المزمن وفقدان الثقة بالنفس إلى الاكتئاب والعزلة الاجتماعية، وقد يقود أحيانًا إلى التفكير في إيذاء الذات. وأكدت أن الجريمة الإلكترونية لا تنتهي عند حذف المنشور المسيء، لأن الندوب النفسية تبقى عالقة في ذاكرة الضحايا طويلًا.
من جهتها، تحدثت الدكتورة الخبيرة في مجال التكنولوجيات والذكاء الاصطناعي فاطمة رومات، عن الوجه المظلم للتطور الرقمي، مشيرةً إلى أن بعض التقنيات الحديثة، مثل التزييف العميق والذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت تُستخدم بشكل خطير في صناعة صور ومقاطع مزيفة تستهدف النساء، ما يفرض ضرورة وضع تشريعات مواكبة، وتعزيز التربية الرقمية والوعي المجتمعي بأساليب الاحتيال والتضليل.
أما خبير الأمن السيبراني، الدكتور يوسف بن الطالب، فقد دق ناقوس الخطر بشأن هشاشة الحماية الرقمية لدى عدد كبير من المستخدمين، موضحًا أن الكثير من عمليات الابتزاز تبدأ من كلمات مرور ضعيفة، أو روابط مشبوهة، أو مشاركة مفرطة للمعطيات الشخصية. كما شدد على أهمية التبليغ الفوري عن الجرائم الإلكترونية، وتعزيز آليات الحماية القانونية والتقنية للضحايا.

وفي لحظةٍ بدت أقرب إلى محاكمات الضمير الإنساني، تقدمت هيئة الدفاع بمرافعاتها، هيىة الدفاع التي شكلتها الأستاذات: جميلة السيوري، زاهية عمومو، نهلة عراش والأستاذ رفيق اللاجي، حيث أكدت خبرة الدفاع في مرافعاتها أن التكنولوجيا في ذاتها ليست متهمة، بل إن الخطر يكمن في سوء الاستخدام وغياب الوعي والتقنين الصارم. ودعت إلى بناء فضاء رقمي يقوم على الأخلاق والمسؤولية، ويؤمن بأن حرية التعبير لا تعني أبدًا انتهاك خصوصية الآخرين أو المساس بكرامتهم.
كما طالبت هيئة الدفاع بإدماج التربية الرقمية داخل المؤسسات التعليمية، وتشديد العقوبات على جرائم التشهير والابتزاز الإلكتروني، وفتح مراكز إنصات ومواكبة نفسية وقانونية للنساء والفتيات ضحايا العنف الرقمي، حتى لا تبقى الضحية وحيدة في مواجهة جلاديها المختبئين خلف الشاشات.
وفي ختام الجلسة، وبعد مداولاتٍ رمزية حملت الكثير من الرسائل الإنسانية، أعلنت هيئة الحكم قرارها النهائي، الذي أدان كل أشكال العنف الرقمي والابتزاز والتشهير والاستغلال الإلكتروني الممارس ضد النساء، داعيةً إلى تعبئة جماعية من أجل بناء فضاء رقمي أكثر أمنًا وعدالة وإنسانية.
كما أكدت المحكمة الرمزية أن حماية النساء في العالم الرقمي ليست ترفًا حقوقيًا، بل ضرورة مجتمعية وأخلاقية، لأن كرامة النساء معيارٌ حقيقي لمدى تحضر المجتمعات.
واختُتمت أشغال “محكمة النساء الرمزية” وسط تصفيقاتٍ مؤثرة، لم تكن مجرد تحيةٍ لتنظيمٍ ناجح، بل كانت إعلانًا جماعيًا بأن زمن الصمت قد ولّى، وأن النساء أصبحن أكثر قدرة على تحويل الألم إلى قوة، والخوف إلى صوت، والمعاناة إلى قضية رأي عام، دفاعًا عن حقهن في فضاءٍ رقميٍّ آمن، لا يُستباح فيه الحلم ولا تُغتال فيه الكرامة.

Exit mobile version