
في مطلع شهر الفضيلة والغفران، حين تتطهّر الأزمنة من غبارها، ويستعيد القلب إيقاعه العميق، بلغني كتابٌ كأنما جاء من صمت الرفوف القديمة لا من صخب المطابع الحديثة: «مصطلحات الكتاب العربي المخطوط: معجم كوديكولوجي» في جزأيه الأول والثاني، ثمرة جهد الباحثين القديرين أحمد شوقي بنبين ومصطفى الطوبي.
صدر العمل عن الخزانة الحسنية، وطُبع في مطبعة أبي رقراق بـالرباط، في طبعته السادسة، موزعاً على 776 صفحة، كأنها مدارج في سلم الصعود إلى ذاكرة المخطوط. وليس هذا المعجم مجرد تجميع للمصطلحات، بل هو استعادة لروح الكتاب العربي في مادته الحية، في جلده وورقه، في خطه وزخرفته، في حواشيه وسكوتاته.
يضمّ العمل نحو 3050 مصطلحاً مشروحاً بالعربية، مع مقابلات دقيقة بالفرنسية والإنجليزية، في مسعى علمي يروم تثبيت المعنى حيث يتفلّت، وضبط المفهوم حيث يلتبس. إنه دفاع هادئ عن حق العربية في أن تكون لغةً للعلم لا موضوعاً له، وأن تواكب الحقول المعرفية الحديثة دون أن تفقد جذورها. فالكوديكولوجيا هنا ليست علماً تقنياً فحسب، بل هي تأمل في الجسد المادي للنص، في كيفية ولادته وتشكّله وانتقاله عبر العصور.
وقد أنجز المؤلفان عملهما وفق مقاربة استقرائية، تنقّب في طبقات الذاكرة الاصطلاحية، لتستعيد مفردات ثقافة المخطوط من بين أنقاض الإهمال وسطوة اللغات المهيمنة. فالمخطوط، في نظرهما، ليس أثراً ساكناً، بل كائنٌ ثقافي نابض، تفاعلت في فضائه العلوم، وتشكلت بين دفتيه خرائط الفكر، وتراكمت في هوامشه آثار القرّاء والنسّاخ والواقفين.
يمتد المعجم على الحقول كافة: من الوراقة بمفهومها الرحب، إلى الخط والتسفير، ومن التذهيب والنمنمة إلى إخراج الصفحة وترتيبها، مروراً بمصطلحات الترميم والصيانة وخوارج النص والتحبيسات والهبات. كأن المؤلفين يعيدان بناء المشغل السري الذي وُلد فيه الكتاب العربي، قطعةً قطعة، وأداةً أداة.
وجاءت الطبعة السادسة لتضيف ما يزيد على 700 مصطلح جديد مقارنة بطبعة 2018، مع مراجعة دقيقة للمقابلات الأجنبية، ومنح أولوية خاصة للإنجليزية بحكم حضورها الأكاديمي العالمي، دون التفريط في الدقة المفهومية. كما استعان العمل بالمصطلحات اللاتينية الشائعة في المجال، مثل Stemma codicum وUnicum، حين يكون تداولها أوسع من مقابلاتها، مكتفياً بالعربية حيث يتعذر نقل الدلالة نقلاً أميناً.
ولا يغفل المعجم عن الفوارق بين التجربة العربية الإسلامية ونظيرتها الغربية في علم المخطوط؛ إذ يرى المؤلفان أن المادة الكوديكولوجية في العالم العربي أكثر امتداداً وثراءً، بفعل عمقها الزمني وغنى لغتها وتنوع بيئاتها الجغرافية والثقافية. هنا يتبدّى المخطوط بوصفه شاهداً على حضارة كاملة، لا مجرد وعاء نصي.
إن هذه الطبعة ليست مجرد تحديث تقني، بل هي إعلان وفاء لرسالة معرفية طويلة النفس؛ رسالة تؤمن بأن صيانة التراث ليست عملاً أرشيفياً بارداً، بل فعل مقاومة للنسيان، وتثبيتٌ لحق اللغة في أن تبقى حاملةً للعلم كما كانت حاملةً للوحي والفكر. وما هذه الأبحاث المتتابعة إلا دليل على مثابرة لا تنطفئ، وعلى قلبين ينبضان بحب المعرفة، يواصلان حمل الأمانة دفاعاً عن لغةٍ صنعت حضارة، وعن مخطوطٍ ما زال، رغم صمته، يتكلم.
م غ





