المفكر عبد الحسين شعبان يفكك الماركسية بين جمود العقيدة وتحولات المنهج في كتاب جديد عن دار النهار

كش بريس/التحرير ـ

يصدر عن دار النهار في بيروت كتاب جديد للمفكر والأكاديمي العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان، بعنوان «الماركسية والتمركس والماركسلوجيا»، يفتح من خلاله نقاشاً نقدياً حول مسارات الفكر الماركسي وتحولاته، وما اعتراه من انغلاق أيديولوجي وجمود عقائدي، فضلاً عن مظاهر التراجع عن منطلقاته النظرية والانحراف عن مقاصده التحررية والإنسانية.

ويعيد الكتاب مساءلة العلاقة بين ماركس والماركسية، واضعاً التمييز بين المنهج النقدي الذي أسس له ماركس وبين التقاليد الفكرية والسياسية التي تشكلت باسمه، وتحولت في بعض تجاربها إلى منظومات مغلقة تستند إلى يقينيات جاهزة، عوض إبقاء الفكر مفتوحاً على التحليل والتجدد ومراجعة الذات. ومن هذا المنظور، يتناول شعبان ما يسميه «التمركس» و«الماركسلوجيا»، في محاولة لتفكيك المسافة بين الفكر في أصوله النقدية وبين القراءات التي حولته إلى عقيدة جامدة أو موضوع للتقديس النظري.

ولا ينطلق المؤلف من رفض شامل للماركسية، وإنما من مساءلة نقدية تميز بين صلاحية المنهج وإمكاناته التفسيرية من جهة، وبين محدودية بعض التعاليم والأحكام التي ارتبطت بسياقات تاريخية واجتماعية لم تعد قائمة بالصورة نفسها، من جهة أخرى. ويؤكد، في هذا السياق، أهمية الإفادة من المنهج الماركسي في قراءة الواقع، مع الانفتاح على المناهج الحديثة ومكتسبات العلوم الاجتماعية والإنسانية، بما يسمح بتجاوز الاختزال والتفسير الأحادي للظواهر.

كما يتوقف الكتاب عند بعض الأطروحات التي يرى الكاتب أن الزمن تجاوزها، إلى جانب ما يصفه بشطحات في تجربة ماركس الفكرية، واضعاً إياها ضمن ضرورة إعادة قراءة التراث الماركسي بعيداً عن الانتقائية والتسليم المطلق. فالمعرفة، وفق هذا المنظور، لا تستمد حيويتها من حصانة مؤسسيها من النقد، وإنما من قدرتها على مراجعة أدواتها واختبار فرضياتها في ضوء التحولات التاريخية.

الماركسية العربية وسؤال الخصوصية الاجتماعية

ويمتد النقد الذي يقدمه شعبان إلى التطبيقات السياسية والفكرية للماركسية، وما أخفقت فيه بعض تجاربها من استيعاب البعد الإنساني للتحرر والتغيير، حين طغت الاعتبارات التنظيمية والأيديولوجية على أسئلة الحرية والعدالة وكرامة الإنسان.

ويخصص المؤلف حيزاً لمراجعة تجربة الماركسية العربية خلال العقود الستة الماضية، وما رافقها من تعامل مع النصوص والمقولات الماركسية باعتبارها مرجعيات مكتملة أو أيقونات فكرية لا تقبل المساءلة. ويرتبط هذا النقد، في جوهره، بالدعوة إلى استنباط الأحكام والمواقف انطلاقاً من الخصوصيات الاجتماعية والتاريخية للمجتمعات العربية، بدلاً من استنساخ النماذج النظرية أو إخضاع الواقع المحلي لقوالب أيديولوجية مسبقة.

ويطرح هذا التوجه سؤالاً مركزياً يتعلق بقدرة الفكر النقدي على التحرر من سلطته الموروثة، واستعادة وظيفته في فهم المجتمع وتناقضاته، وفي إنتاج معرفة تستجيب للتحولات الفعلية، لا للانتساب الرمزي إلى مدرسة فكرية بعينها. ومن ثم، يندرج الكتاب ضمن مشروع مراجعة فكرية تسعى إلى الفصل بين الماركسية بوصفها منهجاً للتحليل والنقد، وبين أشكال التمذهب التي أفضت إلى تحويلها إلى منظومة مغلقة.

«أزمة المثقف العربي» في ندوة بمعرض بيروت الدولي للكتاب

وتسبق توقيع الكتاب في معرض بيروت الدولي للكتاب ندوة فكرية يشارك فيها الدكتور عبد الحسين شعبان، تحت عنوان «أزمة المثقف العربي»، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، من الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة مساءً إلى السابعة وخمس وأربعين دقيقة مساءً.

وتدير الندوة الشاعرة لوركا سبيتي، بمشاركة الدكتورة منى رسلان والقاضي زياد شبيب. ومن المنتظر أن تتيح هذه الندوة مساحة لمناقشة موقع المثقف العربي في التحولات السياسية والثقافية الراهنة، وحدود استقلاليته، وأدواره في إنتاج المعرفة ومساءلة الواقع، في ظل التحديات التي تواجه الفكر النقدي والمجال العام.

«هسهسات الضوء».. قراءة في ذاكرة الثقافة العراقية

وبالمناسبة نفسها، يوقع شعبان كتابه «هسهسات الضوء – في أنطولوجيا الثقافة العراقية»، الصادر عن دار النهار سنة 2026، والذي احتُفي بصدوره في السفارة العراقية في بيروت خلال الشهر الماضي.

ويقدم الكتاب قراءة في سِيَر ومسارات أربعين مثقفاً عراقياً، مستحضراً إسهاماتهم الإبداعية والفكرية والبصمات التي تركوها في الثقافة العراقية. ولا يقتصر العمل على تتبع المنجزات الفردية، وإنما يستحضر، من خلال هذه التجارب، ملامح من الأنثروبولوجيا الاجتماعية والسوسيولوجيا الثقافية للمجتمع العراقي، وما تختزنه سير المثقفين من تحولات الوعي والهوية والذاكرة والإنتاج المعرفي.

ويجمع الكتابان، على اختلاف موضوعيهما، بين مساءلة الفكر واستعادة الذاكرة الثقافية؛ ففي الأول ينشغل شعبان بنقد المقولات الأيديولوجية واختبار قدرتها على مواكبة الواقع، بينما يتجه في الثاني إلى توثيق تجارب مثقفين أسهموا في تشكيل المشهد الثقافي العراقي. وبين النقد والتوثيق، تتجلى عناية الكاتب بفتح المجال أمام قراءة متجددة للأفكار والتجارب، بعيداً عن التقديس من جهة، والنسيان والإقصاء من جهة أخرى.

↑
Exit mobile version