“الهاكا” تضع خارطة الطريق الإعلامية لانتخابات 2026 وتشدّد الرقابة على الذكاء الاصطناعي والأخبار الزائفة

كش بريس/التحرير ـ

في خطوة تروم تعزيز نزاهة المسار الانتخابي وتحصين الفضاء الإعلامي من مختلف أشكال التأثير والتضليل، اعتمد المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري التابع للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) قراراً تنظيمياً جديداً يؤطر حضور الفاعلين السياسيين في وسائل الإعلام السمعية البصرية خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، واضعاً بذلك إطاراً مرجعياً يوازن بين حرية التعبير ومتطلبات الإنصاف والتعددية والشفافية.

وأوضحت الهيئة أن القرار المعياري الجديد يحدد القواعد المنظمة لولوج الأحزاب السياسية والمترشحين إلى خدمات الإذاعة والتلفزة خلال الفترة الانتخابية الخاصة باستحقاقات سنة 2026، والتي تمتد على مدى 39 يوماً، موزعة بين مرحلة تمهيدية تسبق الحملة الرسمية ومرحلة الحملة الانتخابية القانونية التي تنطلق في العاشر من شتنبر وتنتهي في الثاني والعشرين منه.

ويهدف هذا الإطار التنظيمي إلى ضمان شروط المنافسة الديمقراطية السليمة داخل الفضاء الإعلامي، من خلال توفير تغطية متوازنة ومتعددة المصادر تتيح للمواطنين الاطلاع على البرامج والمواقف السياسية في ظروف تكفل حرية الاختيار وتدعم اتخاذ القرار الانتخابي على أساس معطيات دقيقة وموثوقة.

وتضمن القرار مجموعة من الضوابط التحريرية والمهنية التي تلزم المؤسسات الإعلامية بالفصل الواضح بين المضامين الانتخابية والبرامج ذات الطابع الترفيهي أو الثقافي أو الفني، بما يحول دون توظيف هذه الفضاءات لأغراض دعائية أو انتخابية غير معلنة. كما شدد على منع أي شكل من أشكال الترويج السياسي المقنّع، مع إلزام الصحافيين ومنشطي البرامج الذين يترشحون للانتخابات أو يعلنون دعمهم العلني لمرشحين أو أحزاب سياسية بالتوقف عن الظهور الإعلامي خلال الفترة الانتخابية.

وفي سياق تعزيز الشفافية، ألزم القرار مختلف المتدخلين في البرامج الانتخابية، من خبراء وأكاديميين ومؤثرين، بالكشف عن أي وضعيات محتملة لتضارب المصالح، تجنباً لأي تأثير غير مباشر على الرأي العام أو توجيه خفي للنقاش العمومي.

كما أولى النص أهمية خاصة لمواجهة ظاهرة التضليل الإعلامي، حيث حمّل متعهدي الاتصال السمعي البصري مسؤولية المساهمة في مكافحة الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة التي قد تؤثر في سلامة العملية الانتخابية أو تمس بثقة المواطنين في المؤسسات الديمقراطية. وفي الإطار ذاته، جدد التأكيد على منع نشر أو بث استطلاعات الرأي الانتخابية خلال الفترة القانونية المحددة، وذلك حفاظاً على حياد الفضاء العمومي وحماية الناخبين من التأثيرات المحتملة لهذه المؤشرات.

ومن أبرز المستجدات التي حملها القرار إدراج مقتضيات خاصة بتنظيم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المحتويات الإعلامية ذات الصلة بالانتخابات. فقد نص بشكل صريح على منع بث أو تداول أي مضامين انتخابية مزيفة أو مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي إذا كان من شأنها تضليل الجمهور أو التأثير على نزاهة النقاش الديمقراطي. كما ألزم المؤسسات الإعلامية بالإشارة الواضحة والدائمة إلى أي محتوى تم إنتاجه أو تعديله باستخدام هذه التقنيات لأغراض تفسيرية أو تعليمية.

وفي بعده المجتمعي، شدد القرار على ضرورة احترام التعدد اللغوي والثقافي والمجالي الذي يميز المملكة، داعياً وسائل الإعلام إلى ضمان تمثيلية متوازنة لمختلف المكونات الاجتماعية والترابية. كما حث الأحزاب السياسية على تعزيز حضور النساء في البرامج والنقاشات الانتخابية، بما ينسجم مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في التعبير السياسي.

ولم يغفل القرار متطلبات الإدماج الشامل، إذ ألزم متعهدي الإذاعة والتلفزة بتوفير شروط ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة إلى البرامج الانتخابية عبر اعتماد آليات تقنية ملائمة، من قبيل لغة الإشارة والترجمة المكتوبة والوصف السمعي عند الحاجة، فضلاً عن تشجيع مشاركة الشباب ومغاربة العالم باعتبارهم مكونات أساسية في المشهد الانتخابي الوطني.

ولتأمين حسن تنزيل هذه المقتضيات، أعلنت الهيئة عن إحداث “لجنة يقظة ومواكبة” تتولى تتبع سير التغطية الإعلامية والتفاعل المستمر مع المؤسسات السمعية البصرية طيلة الفترة الانتخابية، إلى جانب تنظيم لقاءات تنسيقية وتكوينية مع المسؤولين التحريريين لضمان توحيد الفهم والتطبيق السليم للقواعد الجديدة.

ويعكس هذا القرار توجهاً متنامياً نحو تحديث آليات تقنين الإعلام الانتخابي في مواجهة التحولات الرقمية المتسارعة، خاصة مع تصاعد تأثير المنصات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي على تشكيل الرأي العام. كما يؤكد حرص الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري على جعل الإعلام شريكاً أساسياً في صون النزاهة الانتخابية، وترسيخ شروط التعددية والإنصاف والحياد، بما يعزز ثقة المواطنين في العملية الديمقراطية ويكرس حقهم في الوصول إلى معلومة انتخابية دقيقة وموثوقة.

Exit mobile version