كش بريس/التحرير ـ في لحظات الأزمات التنظيمية، لا تنفجر الصراعات داخل الأحزاب السياسية بسبب الخلاف حول الأشخاص فقط، بل بسبب التباين العميق حول معنى المشروع السياسي ذاته، وحدود الوفاء للمرجعيات الفكرية المؤسسة. فحين يشعر جزء من المناضلين بأن التنظيم انزاح عن هويته الأصلية، تتحول المعركة من مجرد تدبير للخلافات الداخلية إلى مواجهة حول الشرعية والذاكرة والاتجاه المستقبلي للحزب. ومن هذا المنظور، تعكس التوترات التي يعيشها اليسار المغربي اليوم أزمة أعمق تتعلق بتراجع الأفق السياسي وارتباك العلاقة بين النضال الديمقراطي ومنطق التدبير الانتخابي.
وفي هذا السياق، أعلنت التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدد تمردها العلني على القيادة الحالية للحزب الاشتراكي الموحد، متهمة إياها بتحويل التنظيم إلى ما وصفته بـ”دكان انتخابي” بعيد عن المشروع السياسي والفكري الذي تأسس عليه الحزب كامتداد لليسار الديمقراطي التحرري.
وجاء هذا الموقف عقب اجتماع عقدته التنسيقية يوم 16 ماي 2026 خصص لتقييم الأوضاع السياسية والتنظيمية داخل الحزب، والتي اعتبرتها مطبوعة بحالة من الجمود التنظيمي والانسداد الديمقراطي وغياب الأفق السياسي.
وأكدت التنسيقية، في بيان صادر عنها، أن القرارات السياسية والتنظيمية الصادرة عن المكتب السياسي الحالي تفتقد للشرعية الديمقراطية، معتبرة أنها تصدر عن مؤسسات لا تستوفي النصاب القانوني، وهو ما يشكل، بحسب تعبيرها، انحرافا عن التوجهات العامة للمناضلين، خاصة في ما يتعلق بخيار إعادة بناء الحزب على أسس اليسار الجديد.
وانتقد البيان ما وصفه بـ”النزعة الانتهازية والانتخابوية” التي باتت تتحكم في قيادة الحزب، معتبرا أنها ساهمت في إضعاف ارتباط التنظيم بقواعده الاجتماعية والمدنية، وأفرغته تدريجيا من أدواره النضالية والتأطيرية.
كما حملت التنسيقية المكتب السياسي مسؤولية ما اعتبرته حالة التراجع والهشاشة التي يعيشها الحزب، داعية المبعدين والمجمدين والمطرودين، إلى جانب الأصوات الصامتة داخل التنظيم، إلى التكتل من أجل “تصحيح المسار” واستعادة القرار الحزبي ممن وصفتهم بـ”القراصنة الجدد”.
وكشفت الوثيقة ذاتها عن توجه التيار نحو إطلاق سلسلة من المبادرات السياسية والتنظيمية والإعلامية الرامية إلى الإسهام في إعادة بناء اليسار المغربي، عبر الانفتاح على مختلف التيارات والقوى الديمقراطية واليسارية داخل المشهد السياسي.
وفي الجانب المرتبط بالأوضاع الاجتماعية والسياسية الوطنية، عبرت التنسيقية عن تضامنها مع حزب النهج الديمقراطي العمالي ومناضليه، كما أعلنت دعمها للطلبة المطرودين من جامعة ابن طفيل، منددة بمنع السلطات بمدينة العيون لمسيرة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي كانت مقررة يوم 17 ماي 2026 للمطالبة بالعيش الكريم.
ودعت التنسيقية كذلك إلى إصدار عفو عام بمناسبة عيد الأضحى يشمل المعتقلين السياسيين ومعتقلي حرية الرأي والتعبير، بمن فيهم معتقلو حراك الريف وشباب “جيل زد 212”، مطالبة بتوسيع هامش الحريات العامة والفردية، ورفع التضييق عن الصحافيين والمدونين، وتحرير المجال الإعلامي.
كما جددت الهيئة تضامنها مع الأسر المتضررة من التهجير القسري وهدم المنازل، معتبرة أن ما يجري يعكس “حربا عقارية” تستهدف الفئات الشعبية، إلى جانب إعلان دعمها لتنسيقية “أكال” المدافعة عن الحق في الأرض والثروة، وكذا تنسيقيات الوديان الثلاثة بكل من وادي نون والساقية الحمراء ووادي الذهب.
وفي العمق، لا تبدو هذه الأزمة مجرد خلاف تنظيمي عابر داخل حزب يساري، بل تعكس مأزقًا أوسع يعيشه اليسار المغربي بين سؤال الهوية النضالية وإكراهات الفعل السياسي المعاصر. فكلما اتسعت المسافة بين الخطاب والممارسة، وبين الذاكرة النضالية ومنطق التدبير الانتخابي، عاد سؤال الشرعية ليطفو من جديد، ليس فقط داخل الأحزاب، بل داخل المجال السياسي برمته.

“ميبل” و“زايو” و“كلاتش”.. وجوه مونديال أمريكا الشمالية
الداخلية تطلق مراجعة اللوائح الانتخابية استعدادا لتشريعيات 2026
مجلس النواب: قانون 87.21.. خطوة لتعزيز الوقاية من المخاطر البنكية