بافتا تفضح “بي بي سي”.. وثائقي غزة يتحول إلى محاكمة أخلاقية للإعلام البريطاني

كش بريس/التحرير ـ لم يعد الصراع الدائر حول غزة مقتصرا على الجغرافيا المدمرة أو أعداد الضحايا المتزايدة، بل امتد ليطال المجال الرمزي للإعلام والصورة والرواية. فالمعركة اليوم لا تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، وإنما أيضا عبر التحكم في ما يمكن أن يُرى ويُروى ويُقال. ومن هذه الزاوية تحديدا، اكتسب فوز الفيلم الوثائقي “غزة: أطباء تحت القصف” بجائزة أفضل برنامج للشؤون الجارية في جوائز جوائز بافتا التلفزيونية دلالة تتجاوز البعد الفني، ليصبح لحظة سياسية وأخلاقية تكشف ارتباك المؤسسات الإعلامية الغربية أمام الرواية الفلسطينية حين تقترب من فضح البنية العارية للعنف الإسرائيلي.

المفارقة التي فجّرت الجدل لا تكمن في تتويج الفيلم فحسب، بل في أن العمل نفسه كان قد أُقصي سابقا من شاشة بي بي سي، رغم أنها موّلت إنتاجه، قبل أن تتولى القناة الرابعة البريطانية بثه لاحقا. هنا تظهر أزمة الإعلام الغربي في أكثر صورها تناقضا: مؤسسة تدّعي الدفاع عن حرية التعبير والحق في الوصول إلى الحقيقة، لكنها تتراجع حين تصبح الحقيقة مزعجة للحسابات السياسية ومحرجة للسردية المهيمنة.

لقد حاولت “بي بي سي” تبرير قرارها بمفهوم “الحياد”، وهو المفهوم الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى أداة ملتبسة تُستخدم أحيانا لتجريد الضحية من حقها في السرد. فالحياد، حين يتعلق الأمر بجرائم الحرب أو استهداف المستشفيات أو قتل المدنيين، لا يعود قيمة مهنية خالصة، بل قد يتحول إلى صيغة باردة لإخفاء الاختلال الأخلاقي. ومن هنا بدا القرار أقرب إلى ممارسة رقابية ناعمة، لا تمنع الفيلم بشكل مباشر، لكنها تضعه خارج فضاء التداول الجماهيري تحت ذريعة “التوازن”.

ولعل أخطر ما كشفه الجدل هو هشاشة الخطاب الإعلامي الغربي عندما يواجه مادة توثيقية تنطلق من داخل التجربة الفلسطينية نفسها، لا من التعليقات البعيدة أو التحليلات المجردة. فالفيلم لم يبنِ سرديته على الشعارات، بل على صور خام وشهادات ميدانية وأصوات أطباء ومسعفين يعيشون تحت القصف. لذلك بدا مزعجا؛ لأنه نقل الفلسطيني من موقع “موضوع الخبر” إلى موقع “منتج المعنى”، وهو تحول يربك كثيرا من المؤسسات التي اعتادت تقديم غزة باعتبارها مجرد ملف أمني أو ساحة اشتباك متوازن بين طرفين متكافئين.

كما أن استحضار استهداف القطاع الصحي في غزة لم يكن تفصيلا تقنيا داخل الوثائقي، بل قلبا للسردية الإسرائيلية التي دأبت على تبرير قصف المستشفيات بادعاءات أمنية غالبا ما تُطرح دون أدلة حاسمة. وهنا تحديدا اصطدم الفيلم بالبنية التقليدية للخطاب الإعلامي السائد، الذي يمنح الرواية الإسرائيلية هامشا واسعا من الشرعية المسبقة، بينما يطالب الفلسطيني دائما بإثبات إضافي لمعاناته وموته وحقه في الكلام.

ولم يكن خطاب صناع الفيلم خلال حفل التتويج مجرد لحظة انفعالية، بل بدا أشبه بمحاكمة علنية لمؤسسة إعلامية كبرى أمام الرأي العام الثقافي البريطاني. فالسخرية التي أطلقها المنتج التنفيذي بن دي بير لم تكن مجرد نكتة عابرة، بل إشارة كثيفة إلى التناقض الأخلاقي الذي وقعت فيه “بي بي سي”: كيف يمكن لمؤسسة أن ترفض عرض فيلم باسم الحياد، ثم تبث لاحقا حفلا يحتفي بالفيلم نفسه بعد فوزه؟

إن ما حدث يكشف أن معركة الرواية حول غزة دخلت مرحلة جديدة، لم تعد فيها السيطرة الإعلامية الغربية مطلقة كما كانت في السابق. فوسائط البث البديلة، والمنصات الرقمية، والوثائقيات المستقلة، باتت تفرض تدريجيا سرديات موازية تكسر احتكار الصورة والخبر. كما أن تزايد الانتقادات الموجهة للإعلام البريطاني والغربي عموما يعكس تحولا بطيئا في وعي الجمهور، الذي بدأ يطرح أسئلة محرجة حول الانتقائية والمعايير المزدوجة في تغطية المأساة الفلسطينية.

وفي النهاية، لم يتحول فيلم “غزة: أطباء تحت القصف” إلى حدث إعلامي بسبب قيمته الفنية فقط، بل لأنه أعاد فتح السؤال الأكثر حساسية داخل الإعلام الغربي المعاصر: من يملك الحق في رواية الألم؟ وهل يصبح نقل معاناة الفلسطيني خرقا للحياد، بينما يُنظر إلى تبريرات القوة العسكرية باعتبارها خطابا موضوعيا؟ إنها أسئلة تتجاوز هذا الفيلم وحده، لتضع المؤسسات الإعلامية الكبرى أمام امتحان أخلاقي عميق يتعلق بعلاقتها بالحقيقة، وبالسلطة، وبالإنسان في زمن الحرب.

Exit mobile version