كش بريس/التحرير ـ
مع اقتراب الذكرى الثالثة لزلزال الحوز، تعود قضية الأسر التي تقول إنها لم تستفد من برامج الدعم وإعادة الإعمار إلى واجهة النقاش، بعدما أعلنت التنسيقية الوطنية لضحايا زلزال الحوز عزمها استئناف احتجاجاتها أمام البرلمان، مؤكدة أن مئات الأسر ما تزال تعيش أوضاعاً اجتماعية وإنسانية صعبة، وأن ملفاتها ظلت معلقة رغم استنفادها، بحسب التنسيقية، مختلف المسارات الإدارية والقانونية والترافعية.
وقالت التنسيقية، في بيان، إن استمرار وضع هذه الأسر بعد سنوات من الكارثة يمثل «إقصاء وحرماناً من الحق المشروع في التعويض وإعادة إعمار المنازل»، معتبرة أن استمرار المعاناة لا ينسجم مع مبادئ العدالة والإنصاف التي يفترض أن تحكم تدبير تداعيات كارثة بهذا الحجم.
وتطالب التنسيقية بتعميم الاستفادة من التعويضات والدعم على جميع الأسر المتضررة، وتسوية الملفات التي لا تزال عالقة، وتمكين أصحابها من إعادة بناء مساكنهم، فضلاً عن فتح تحقيق شفاف ومستقل في ما تعتبره اختلالات وخروقات محتملة في تدبير ملف الزلزال، وترتيب المسؤوليات وربطها بالمحاسبة.

لماذا لم تُحسم جميع الملفات بعد؟
استمرار وجود ملفات عالقة بعد نحو ثلاث سنوات لا يعني، وفق المعطيات الرسمية، توقف برنامج إعادة الإعمار ككل. فقد أعلنت وكالة تنمية الأطلس الكبير، في يونيو 2026، أن عدد المساكن المنجزة بلغ 54 ألفاً و425 مسكناً، بينما تجاوز عدد الأسر المستفيدة من الدعم الاستعجالي 63 ألف أسرة. كما تتواصل مشاريع إعادة الإعمار والتأهيل في المناطق المتضررة.
وكانت الحكومة قد أعلنت، في حصيلة سابقة، استفادة عشرات الآلاف من الأسر من الدعم المباشر، فيما استكملت 33 ألفاً و636 أسرة بناء وتأهيل مساكنها المتضررة كلياً أو جزئياً، بينما كانت أشغال البناء قد تجاوزت نسبة 50 في المائة في أكثر من 14 ألف مسكن. كما جرى اعتماد حلول ميدانية خاصة في المناطق ذات التضاريس الوعرة، شملت آلاف المساكن في عدد من الدواوير.
وتكشف هذه الأرقام أن الإشكال الحالي لا يرتبط بالضرورة بتوقف البرنامج الوطني لإعادة الإعمار، وإنما، في جانب منه، بـالحالات التي لم تحسم وضعيتها داخل منظومة الاستفادة.
وتتداخل في مثل هذه الملفات عوامل متعددة: إثبات ملكية المسكن أو العقار، تحديد مكان الإقامة الفعلية للأسرة، مطابقة المعطيات الإدارية مع الواقع الميداني، تقييم درجة الضرر الذي لحق بالبناية، والتحقق من استيفاء شروط الاستفادة من الدعم. وتزداد عملية التحقق تعقيداً في المناطق الجبلية المتناثرة، حيث تتباعد الدواوير وتختلف أوضاع الملكية والسكن والهجرة والعمل بين القرية والمدينة.
وهنا تظهر إحدى نقاط الخلاف الأساسية بين المتضررين والإدارة: الأسرة التي ترى أنها متضررة فعلياً وتنتمي إلى منطقة منكوبة تنظر إلى الدعم باعتباره حقاً مرتبطاً بالضرر الذي أصاب مسكنها، بينما تنظر الإدارة إلى الاستفادة من خلال شروط ووثائق ومعايير تقنية وإدارية يتعين استيفاؤها قبل صرف المال العام.

«الإقصاء» أم تطبيق معايير الاستحقاق؟
هذا التباين في تعريف الاستحقاق يمثل أحد الأسباب التي تجعل بعض الملفات تستمر لسنوات.
فالتنسيقية تعتبر أن وجود أسر داخل المناطق المنكوبة، أو اضطرار بعض أفرادها إلى العمل في المدن لإعالة أسرهم القروية، لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لحرمانها من الدعم. ولهذا تعتزم عرض شهادات لأسر تقول إنها أقصيت رغم إقامتها في القرى المتضررة، إضافة إلى حالات لمواطنين يعملون في المدن بينما تظل أسرهم ومساكنهم في العالم القروي.
وتعتبر التنسيقية أن هذه الحالات تعكس واقعاً اجتماعياً أوسع، يتمثل في الهجرة المؤقتة أو الدائمة لأبناء القرى بحثاً عن العمل، مؤكدة أن مغادرة الفرد القرية للعمل لا تعني بالضرورة فقدان أسرته حقها في الاستفادة من برامج التعويض وإعادة الإعمار.
في المقابل، فإن تدبير برنامج بهذا الحجم يفرض على الإدارة التحقق من هوية المستفيدين، ووضعية المساكن، وحقيقة الأضرار، ومنع ازدواجية الاستفادة أو صرف المال العام لفائدة غير المستحقين. وهذه المعادلة بين سرعة الإنصاف ودقة التحقق هي التي تجعل بعض الحالات أكثر تعقيداً من غيرها.
عامل التضاريس يفسر جزءاً من التأخير
وتطرح الطبيعة الجغرافية للمناطق المتضررة عاملاً إضافياً في تفسير تفاوت وتيرة إعادة الإعمار.
فإعادة بناء منزل في قرية جبلية معزولة ليست بالضرورة عملية مماثلة لبناء منزل في منطقة يسهل الوصول إليها؛ إذ تواجه الأوراش صعوبات مرتبطة بالمسالك، ونقل مواد البناء، ووعورة التضاريس، وتحديد مواقع البناء الآمنة، فضلاً عن ضرورة تكييف مشاريع إعادة الإعمار مع خصوصيات المناطق الجبلية.
ولهذا أقرت السلطات حلولاً ميدانية خاصة في عدد من الدواوير التي تطرح صعوبات تقنية وجغرافية، وهو ما يؤكد أن جزءاً من التأخير كان مرتبطاً أيضاً بطبيعة المجال المتضرر وليس فقط بالمساطر الإدارية.
لكن هذه التبريرات لا تجيب، بالنسبة إلى التنسيقية، عن السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا عن الأسر التي تقول إن ملفها لم يحسم أصلاً، سواء بالقبول أو الرفض المعلل؟

لماذا تستمر الاحتجاجات؟
الاحتجاجات المتكررة تعكس، في جوهرها، أزمة ثقة أكثر مما تعكس مجرد خلاف حول قيمة التعويضات.
فالمتضرر الذي يقول إنه فقد مسكنه ولا يعرف لماذا لم يستفد، أو الذي تقدم بطلبه ثم ظل ينتظر دون جواب حاسم، لا يرى في مرور الوقت حلاً للمشكلة، وإنما يرى فيه امتداداً لمعاناته.
ولهذا عادت التنسيقية إلى الشارع أكثر من مرة. ففي يوليوز 2026، احتج متضررون أمام البرلمان مطالبين بتسوية الملفات العالقة وتمكين الأسر التي تقول إنها لم تستفد من برامج الدعم من حقوقها. كما سبق أن شهد الملف احتجاجات متكررة، بما فيها وقفات أمام البرلمان خلال السنوات الماضية.
وتقول التنسيقية إن الاحتجاج أصبح وسيلة للضغط بعد استنفاد المراسلات والمساطر الإدارية والترافعية، وإنها تريد نقل الملف من دائرة الوعود الفردية إلى معالجة مؤسساتية شاملة.
أما بالنسبة إلى السلطات، فإن استمرار الاحتجاج لا يعني بالضرورة فشل البرنامج برمته؛ فالأرقام الرسمية تشير إلى تقدم كبير في عمليات البناء وصرف الدعم، فيما تظل الحالات غير المحسومة بحاجة إلى دراسة فردية وفق المعايير المعتمدة. وقد أشارت تقارير سابقة إلى وجود تفاوت بين المناطق في سرعة إعادة البناء، بينما أكدت السلطات تقدم البرنامج بشكل كبير.
ماذا يريد كل طرف؟
يمكن اختزال جوهر الخلاف الحالي في ثلاث نقاط رئيسية:
التنسيقية والمتضررون يريدون أولاً الاعتراف بأن كل أسرة متضررة فعلياً يجب أن تحصل على حقها، وثانياً معرفة أسباب رفض أو تعليق الملفات بصورة واضحة وقابلة للطعن، وثالثاً فتح تحقيق مستقل في الحالات التي يعتبرونها إقصاءً غير مبرر.
أما الإدارة فتواجه مسؤولية حماية المال العام وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه وفق شروط موحدة، والتحقق من الوثائق والملكية ودرجة الضرر، مع معالجة الحالات الخاصة التي تتطلب خبرات أو معاينات ميدانية إضافية.
وبين الطرفين توجد منطقة رمادية هي التي تنتج الاحتجاج: ملفات لا ترى الأسر أنها حسمت لصالحها، ولا تعتبر الإدارة أنها تستوفي تلقائياً شروط الاستفادة.
بين أرقام الإنجاز وإحساس المتضررين بالإنصاف
ويكشف ملف الحوز عن مفارقة لافتة: يمكن لبرنامج إعادة إعمار أن يحقق تقدماً كبيراً بالأرقام، وفي الوقت نفسه تظل أسر قليلة أو مئات الأسر، بحسب تقديرات التنسيقية، في وضع اجتماعي شديد الصعوبة.
فنجاح البرنامج في بناء عشرات الآلاف من المساكن لا يلغي ضرورة معالجة آخر ملف عالق، لأن معيار الإنصاف في نظر الأسرة المتضررة لا يقاس بعدد المساكن المنجزة، وإنما بمصير مسكنها هي.
ومن هنا تأتي حساسية المرحلة المقبلة، خصوصاً مع اقتراب الذكرى الثالثة للزلزال والاستحقاقات السياسية المقبلة. فالتنسيقية نفسها تؤكد أنها لا تريد تحويل الملف إلى مادة للمزايدات السياسية أو الاستغلال الانتخابي، وإنما تطالب، وفق بلاغها، بالتعامل معه باعتباره قضية إنسانية وحقوقية ومسؤولية وطنية.
وتدعو التنسيقية إلى تنفيذ مضامين بلاغ الديوان الملكي الصادر في 14 شتنبر 2023، وفتح تحقيق مستقل في الاختلالات التي تقول إنها شابت تدبير الملف، فيما يظل التحدي أمام المؤسسات هو إغلاق الملفات المتبقية بطريقة شفافة، بحيث يعرف كل متضرر لماذا استفاد، ولماذا لم يستفد، وما هي سبل الاعتراض والطعن المتاحة أمامه.
ذلك أن نهاية مرحلة إعادة الإعمار لا تحددها فقط نسبة المساكن المنجزة أو حجم الأموال المصروفة، وإنما أيضاً قدرة الدولة على إنهاء المنطقة الرمادية التي يعيش فيها أصحاب الملفات المعلقة، وتحويل الإحصاءات العامة إلى إنصاف فردي ملموس.


الداخلية تحذر من دعوات للعبور الجماعي نحو سبتة ومليلية وتعلن توقيف مشتبه في تحريضهم
“سبتيات” يكتبها ل(كش بريس) د المصطفى عيشان ( 8 و 9)
شبكة المقاولات الصغرى تحذر من تهديد يطال الكتبيين بسبب توزيع كتب «مدارس الريادة»