
ـ 70% للصحافيين و30% للمقاولات…
كش بريس/التحرير ـ في خطوة أثارت نقاشا واسعا حول حدود الدعم العمومي للصحافة، أعلن محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، خلال ندوة صحفية عقدها بالرباط، عن إطلاق مبادرة جديدة تتيح للصحافيين والمقاولات الإعلامية الاستفادة من غلاف مالي مخصص لحقوق المؤلف، في ما قُدم باعتباره تحولا نحو تثمين الإنتاج الإبداعي داخل الحقل الصحفي.
الوزير أوضح أن قيمة الغلاف المالي تصل إلى ثلاثة مليارات سنتيم، سيتم توزيعها على مدى سنتين، مع اشتراط أن يكون المقال موضوع الاستفادة متضمنا “عنصرا إبداعيا” وذا طابع تحليلي أو تفسيري، لا مجرد مادة إخبارية. هذا الشرط، وإن بدا في ظاهره سعيا لرفع جودة المحتوى، يفتح عمليا بابا لتأويلات واسعة حول من يحدد معيار “الإبداع”، وكيف سيتم التمييز بين الخبر والتحليل في سياق مهني تتداخل فيه الأجناس الصحفية وتتقاطع.
ووفق الصيغة المعلنة، ستُخصص 30 في المائة من القيمة الإجمالية للمقاولات الإعلامية، مقابل 70 في المائة للصحافيين كأفراد. توزيع النسب بهذه الطريقة يعكس محاولة للتوفيق بين الاعتراف بالصحافي كمؤلف مستقل، والحفاظ على موقع المؤسسة باعتبارها حاضنة الإنتاج. غير أن هذا التوازن الرقمي لا يحسم الإشكال الجوهري: هل نحن أمام دعم مباشر للصحافي بوصفه فاعلا إبداعيا، أم أمام آلية جديدة لإعادة ضخ المال العمومي في بنية إعلامية تعاني اختلالات عميقة في نموذجها الاقتصادي؟
من جهتها، أكدت دلال محمد العلوي، مديرة المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، أن الصحافي يتمتع بحقين: معنوي يثبت صفته كمبدع للمقال، ومادي مرتبط بعائدات الاستنساخ التصويري التي يعتمدها المكتب. وأوضحت أن هذه الآلية تهدف إلى توفير موارد مالية لتعويض المؤلفين وأصحاب الحقوق المجاورة عن نسخ مصنفاتهم، بما يشمل الصحافيين والمؤسسات الصحفية إلى جانب مؤلفي الكتب العلمية والبيداغوجية وغيرهم.
غير أن إدماج المقال الصحفي ضمن منظومة عائدات الاستنساخ يطرح سؤالا عمليا حول حجم النسخ الفعلي للمضامين الصحفية في زمن التحول الرقمي، حيث لم يعد الاستنساخ الورقي هو القناة الرئيسية لإعادة تداول المحتوى، بل المنصات الرقمية ومحركات البحث وشبكات التواصل. وهو ما يجعل الرهان الحقيقي مرتبطا بكيفية تحصيل الحقوق من الفضاء الرقمي أكثر من الاقتصار على آليات تقليدية.
وأعلنت المسؤولة ذاتها أن المكتب سيشتغل خلال أربعة أشهر على إعداد بوابة إلكترونية خاصة لانخراط الصحافيين والمؤسسات وفق شروط ومعايير سيُعلن عنها لاحقا، على أن يتم صرف الحقوق مرة واحدة في السنة لكل صحافي. غير أن غموض المعايير إلى حين صدورها يترك المجال مفتوحا للتخوف من تعقيدات إدارية أو انتقائية غير معلنة، خصوصا في قطاع حساس يتقاطع فيه المهني بالسياسي.
وفي قراءة أكاديمية للمبادرة، اعتبر مهدي عامري، أستاذ الإعلام والتواصل، أن تمكين الصحافيين من عائدات حقوق المؤلف يتجاوز البعد المالي ليطرح سؤال الاعتراف الرمزي بموقع الصحافي داخل الاقتصاد الثقافي. فالمحتوى الصحفي، في سياق الرقمنة، لم يعد مجرد منتوج مرتبط بعقد شغل، بل موردا استراتيجيا يعاد استثماره عبر قنوات متعددة تولد قيمة مضافة مستمرة.
وأضاف أن إعادة التفكير في تموقع الصحافي كمؤلف ينسجم مع التحولات العالمية التي أعادت الاعتبار للملكية الفكرية، غير أن خصوصية العمل داخل غرف التحرير، حيث يتداخل الجهد الفردي والجماعي، تفرض هندسة قانونية دقيقة تفصل بين الأجر مقابل العمل اليومي، والحقوق الناتجة عن إعادة استغلال المحتوى لاحقا، مع ضرورة إرساء آليات مستقلة تضمن الشفافية وتمنع أي توظيف سياسي أو زبوني محتمل.
وفي المحصلة، تبدو المبادرة، رغم خطابها الداعم للإبداع، محاطة بأسئلة أكثر من الأجوبة: هل ستشكل فعلا مدخلا لإعادة الاعتبار للصحافي كمؤلف وشريك في القيمة الرقمية؟ أم أنها ستتحول إلى آلية بيروقراطية جديدة تُعيد توزيع موارد محدودة دون معالجة الاختلالات البنيوية لنموذج تمويل الصحافة؟ إن الرهان الحقيقي لا يكمن في ضخ ثلاثة مليارات سنتيم، بل في بناء منظومة حقوق واضحة، شفافة، ومستقلة، تحمي الصحافي من الهشاشة دون أن تحوله إلى مستفيد موسمي من دعم قد يفقد معناه إذا غابت عنه قواعد الحكامة الصارمة والمساءلة الفعلية.



