
تُعتبر الحروب والنزاعات المسلحة في العلاقات الدولية معياراً لتقييم فعالية وأداء القانون الدولي الإنساني، الذي يسعى دائماً إلى حماية المدنيين وضمان احترام حقوق الإنسان خلال فترات النزاع. في السياق الفلسطيني، وخصوصاً في قطاع غزة، تبرز تساؤلات أساسية حول فعالية هذا الإطار القانوني: هل أخفق القانون الدولي الإنساني في حماية الفلسطينيين من الانتهاكات الجسيمة؟ وهل عجز عن تحقيق أهدافه المتمثلة في حماية المدنيين، وتقييد استخدام القوة بجميع أشكالها، وضمان المساءلة عن الجرائم الدولية المرتكبة؟
أولًا: القانون الدولي الإنساني كإطار نظري:
يمثل القانون الدولي الإنساني، المعروف أيضًا بقانون النزاعات المسلحة أو قانون الحرب، نظامًا قانونيًا يرتكز على اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977، إلى جانب مجموعة من النظم والقواعد الدولية الأخرى. يسعى هذا القانون إلى الحد من آثار الحروب على المدنيين والأفراد الذين لا يشاركون في العمليات القتالية، ويقوم على عدد من المبادئ الأساسية، مثل التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وحماية الفرق الطبية العاملة في الإغاثة الإنسانية، والالتزام بالتناسب في استخدام القوة العسكرية، بالإضافة إلى حظر العقوبات الجماعية ضد الأشخاص غير المشاركين في النزاع.
ثانيًا: تطبيق القانون الدولي الإنساني في غزة
على الرغم من وضوح النصوص القانونية والمبادئ التي يحملها القانون الدولي الإنساني، إلا أن الواقع الميداني في غزة يعكس عجزًا شبه كامل عن تطبيق هذه القواعد. ويتجلى ذلك في عدة نقاط محورية:
1. استهداف المدنيين والمنشآت المدنية والبنية التحتية: تتكرر الانتهاكات التي تشمل قصف المناطق السكنية والمستشفيات والمدارس ودور العبادة، وهو ما يتعارض بوضوح مع مبدأ التمييز المنصوص عليه في المواد الأساسية للقانون الدولي الإنساني وفق اتفاقية جنيف الرابعة المواد (27 و47).
2. الحصار المفروض على غزة: يُعتبر الحصار المستمر منذ سنوات أحد أشكال العقوبات الجماعية المحظورة بموجب القانون الدولي، ويتناقض تماماً مع الأحكام التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني.
- غياب آليات تنفيذ دولية فعالة: أصبح المجتمع الدولي يكتفي غالبًا بإصدار بيانات الإدانة، فيما تغيب الإجراءات الرادعة أو المحاسبة الجدية لانتهاكات القانون الدولي الإنساني، مما يضعف من فاعلية تطبيق هذه المبادئ على أرض الواقع.
ثالثًا: أسباب إخفاق القانون الدولي الإنساني في قطاع غزة، وأهم هذه الأسباب:
1. غياب الإرادة السياسية الدولية: يتطلب توفير الحماية للمدنيين إرادة سياسية جادة وفعالة من الدول الكبرى، إلا أن هذا الشرط لم يتحقق في حالة غزة نتيجة لتوازنات القوى والمصالح السياسية التي تحكم الدول الراعية والمُكلَّفة بتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني.
2. قصور آليات المحاسبة الدولية: تعاني المؤسسات القضائية الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، من بطء في تفعيل الإجراءات القانونية، فضلاً عن تعرضها لضغوط سياسية قوية، لا سيما من الجهات الفاعلة الإسرائيلية والأمريكية. هذه الضغوط تضعف من فعالية تلك الآليات، وتحديداً في ظل الدعم الذي تقدمه بعض الحكومات الغربية للنزاعات المسلحة.
- ازدواجية المعايير: يتفاوت تطبيق القانون الدولي الإنساني بين النزاعات المختلفة، تبعا للجهات الفاعلة في كل نزاع. هذا التفاوت يُضعف شرعية القانون الدولي في نظر الشعوب المتضررة من النزاعات، كحال الشعب الفلسطيني في غزة.
- التحديات الميدانية لنزاع غزة: تختلف طبيعة النزاع في غزة عن باقي مناطق النزاعات الأخرى، حيث تتداخل المناطق السكنية مع مواقع المقاومة المسلحة، هذا التداخل غالباً ما يُستخدم لتبرير تجاوز مبادئ التناسب والتمييز التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني، مما يزيد من تعقيد الوضع الميداني ويُضعف فعالية تطبيق القوانين الدولية.
في الختام، تظهر تجربة غزة أن مشكلة القانون الدولي الإنساني لا تكمن في نصوصه، بل في ضعف الالتزام بتطبيقه وغياب المسؤولية الإنسانية، فالعوائق ليست في المبادئ ذاتها، بل في غياب الإرادة الدولية في تفعيلها وتطبيقها، وسيادة المصالح السياسية على القيم الإنسانية. ومن هنا، يمكن استنتاج أن القضية الفلسطينية، وبالأخص الوضع في غزة، كشفت جوانب قصور النظام الدولي في حماية حقوق الإنسان خلال النزاعات المسلحة والحروب. كما أبرزت الحاجة الماسة لإصلاح وتفعيل آليات المحاسبة الدولية بصورة عادلة وفعالة، بحيث سيبقى النفاق الدولي واضحا من خلال استمرار الخطابات التي تدعو إلى حماية المدنيين الفلسطينيين في غزة، دون ترجمة هذه الدعوات إلى أفعال ملموسة.
*جمال ايت لعضام
دكتور في العلاقات الدولية و القانون الدولي جامعة جلين تشانتونغ الصينية.