‏آخر المستجداتلحظة تفكير

جمال سلطان: الخلاف الفكري والديني حول سيد قطب

أزعم أنني ممن قرأوا سيد قطب ـ رحمه الله ـ في مراحل عطائه الفكري والأدبي المختلفة، منذ كان شابا يافعا في الثلاثينات من القرن العشرين يميل إلى الليبرالية، ويتحزب لعباس محمود العقاد، ومرورا بكتاباته الأدبية في الرسالة وغيرها كمشروع ناقد أدبي كبير ومؤثر في الحياة الثقافية في مصر والعالم العربي، ثم كتاباته الإسلامية المبكرة، مثل التصوير الفني، والعدالة الاجتماعية في الإسلام، ثم كتاباته الحماسية عن انقلاب ضباط يوليو ومباركة حركتهم، وانتهاء بكتاباته الإسلامية الأخيرة التي تبلورت في كتابيه “في ظلال القرآن” و”معالم في الطريق”، حيث شاع فيهما استخدام مصطلحات الجاهلية وكفر المجتمعات والردة والحاكمية وما شابهها مما وقع فيه وحوله الالتباس.

والحقيقة أن سيد قطب في رحلته الفكرية والأدبية والدينية الثرية، ليس شخصا واحدا في دور ثقافي وديني وسياسي واحد، بل أربعة أشخاص أو قل أربعة أدوار، كل منها يختلف اختلافا بينا عن الدور الآخر، وهذا قد يكون طبيعيا في التطور الفكري للشخصيات الفكرية الفاعلة والمتفاعلة بسخاء مع واقعها وزمانها، ونادرا ما تجد مفكرا لم يتطور فكره مع تطور العمر والخبرات، لكنها أحيانا تكون اختلافات شديدة الحدة، وهذا يعود إلى طبيعة الشخصية نفسها، وتكوينها النفسي والوجداني، الذي يدفعها إلى الإيمان المطلق بما يعتقده من فكرة أو يتخذه من موقف إيمانا جارفا صادقا وعميقا وبلا حدود، وهذا ما جرى مع سيد قطب في مراحله المختلفة، فهو عندما كان في مرحلته الليبرالية كاتبا شابا كان شديد الاندفاع في الدفاع عن الحريات الشخصية حتى لو كانت تكسر قيم المجتمع والأخلاقيات الراسخة فيه وبدا كأنه كاتب غربي النزعة، وله مقالات شهيرة في ذلك، وكذلك في مرحلته الأخيرة كان شديد الاندفاع في تقييمه السلبي للمجتمع المصري والإنساني بشكل عام وموقفه من الدين، حتى ملك عليه ذلك خياله، وهو المرهف الحس، العنيد في التزامه بما يؤمن به من أفكار.

كذلك في مواقفه السياسية، كان شديد الاندفاع، والحماسة لما يؤمن به، على النحو الذي برز بوضوح شديد مع انقلاب الضباط على الملك في يوليو 1952، فقد كان من أشد المتحمسين له، وكثير من أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا تلاميذه ومريديه، لدرجة أنه كان الشخص المدني الوحيد الذي يحضر اجتماعات مجلس قيادة الثورة، وعرضوا عليه وزارة التربية والتعليم فاعتذر، ودافع عن تلك الحركة دفاعا كبيرا وحماسيا، وهاجم خصومها بعنف، لكنه بعد عامين فقط انقلب موقفه منهم تماما، وتحول إلى خصم لهم وعدو لمشروعهم، وتصدى لهم بنفس الحماسة التي دافع بها عنهم، وكل ما كتبه بعد ذلك من أفكار عن جاهلية المجتمع والحاكمية يستحيل أن نبعدها عن أجواء صدامه مع حركة الضباط وتناميها عاما بعد عام، وخيبة أمله فيهم بعد ذلك، ناهيك عما أصابه منهم من سجن وتعذيب وتنكيل به وبشقيقه وشقيقته وإخوانه وأصدقائه.

المشكلة الأساسية في تحولات سيد قطب ـ حسب ما رأيت ـ تكمن في أنه بطبيعة شخصيته وثقافته والمحيط الذي نشأ فيه، هو أديب من الطراز الأول، مرهف الحس، ربما كان مشروع شاعر كبير أو روائي كبير أو ناقد أدبي كبير، وهو بالفعل له أعمال في كل تلك المجالات تكشف عن موهبة فذة، وقدرات أسلوبية مذهلة، وغاية في الروعة، وحتى كتابات المبكرة، رغم قرب عهده بالالتزام الديني، كانت تحمل إبداعا ربما غير مسبوق، ومن ذلك كتابه “التصوير الفني في القرآن”، وهي تأملات لم يسبق إليها قطب، في زاوية النظر هذه لألفاظ القرآن الكريم وتشبيهاته وصوره الفنية التي قدمها.

ولو بقي سيد قطب في فضاء الأدب، كما فعل أبناء جيله : العقاد ونجيب محفوظ وطه حسين والزيات وتوفيق الحكيم ويحيى حقي وغيرهم، وتحاشى الصدام مع الحكم الجديد وغطرسة العسكر، لربما سجله التاريخ الثقافي في مصر كأحد رموز مصر الأدبية الكبيرة وقواها الناعمة، وحظي بالعديد من جوائز الدولة، لكن صدامه السياسي مع عبد الناصر ومجموعة الضباط الشبان، صغار الخبرة والمترعين طيشا وعجرفة، انتهى به إلى السجن ثم قتلوه إعداما في العام 1966.

الأزمة في كتابات سيد قطب الدينية أتت من غياب أو ضعف التأسيس العلمي والشرعي عنده، فهو كان أديبا بالأساس، حصاد عمره وتكوينه كان في كتب الأدب والثقافة والفلسفة، وقليل من التاريخ والدين، ومن هنا أتى الخلل في بعض ما كتبه ونشره، وبدا ذلك شديد الوضوح في كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” وهو من كتاباته المبكرة، فقد اندفع فيه لرسم بعض شخصيات الجيل الأول من أصحاب النبي بصورة شديدة القسوة والتجني، مدفوعا بعاطفته ومشاعره وميله إلى العدل وروح المقاومة والثورة على الظلم التي تملك عليه جوانبه، لكنه لم يكن ـ فيما قدمه ـ يتأسس على علم صحيح بالتاريخ، ولا بالسنة، ولا بعلم التحقيق، الذي يجعله يميز بين الصحيح والمزيف من الروايات، ومن يقرأ ردود المحقق الكبير العلامة محمود محمد شاكر عليه، يدرك ذلك بوضوح، لذلك لم يعقب قطب أبدا على مقالات شاكر التي انتقده فيها ، بل شرحه تشريحا فيها، وبدا مع الوقت أنه اقتنع بأنه أخطأ في هذا الكتاب، وهذا من نبله وصفاء نفسه وصدقه مع الحق والدين، فحذف منه الكثير في الطبعات اللاحقة ، ثم أوصى بعدم طبعه بعد ذلك، على النحو الذي نقله عنه شقيقه الأستاذ محمد قطب.

في كتابه “في ظلال القرآن” تجد نفسك أمام حالة شعورية أخاذة ومذهلة في صفائها، ورقة أسلوبها، وعمق تأملاتها في الحياة والتاريخ والدين، فهو أديب متمكن، ولم أر في جيله من يملك سلاسة أسلوبه وجماله وسحره، ربما يقترب منه طه حسين، لكن قطب متميز فعلا في أسلوبه الأدبي الذي يحرك مشاعرك وعواطفك ويأخذك في بحار من التأملات والتسامي الروحي، فأنت معه لا تقرأ سطورا وإنما يعيش وجدانك حالة روحية، وإن من البيان لسحرا، لذلك يستحيل أن يقرأ سيد قطب أحد ولا يتأثر به، ولا يترك فيه بصمة لا تمحى، وهذا هو العام الأكثر في كتابه “الظلال”.

المشكلة في بعض ـ وأقول بعض ـ الظلال ـ وكتاب المعالم تقريبا مأخوذ منه ـ أتت من غياب التأسيس العلمي في توصيفه لواقع يحتاج “ضبطه” إلى أسس علمية وفقهية وأصولية راسخة للحكم عليه، وليس لخطاب أدبي عاطفي مرهف، وخاصة ما يتعلق بالعقيدة وأصول الدين، فهنا غلبته عواطفه الجياشة، وما كانت تعانيه البلاد والعباد وقتها من قهر وإذلال وفساد واستعلاء للباطل على يد عصابة فاسدة مجرمة من العسكر، وما يتم فرضه على المجتمع من قيم وافدة بقصد قطعه عن قيمه الإسلامية الأصيلة، كل ذلك كان يضغط على ضمير سيد ـ رحمه الله ـ فاندفع فيه بأسلوبه الأدبي الأخاذ، وصاغه في ما كتبه عن جاهلية المجتمع، وعن ردة المجتمعات، وعن الحكم بما أنزل الله وفكرة الحاكمية، ولأنه لم يكن يملك العمق العلمي الديني في تلك المسائل الشائكة، وقع الالتباس في جمله وعباراته، التي تحتمل معاني متعددة بحكم أسلوبها الأدبي المرسل حمال الأوجه، وهو يختلف عن أساليب العلم والعلماء في دقة مصطلحاتها ووضوح أحكامها، وبعض عباراته يمكن أن يفهم منها نزعته إلى أن المجتمعات الحالية خرجت من الإسلام، وأنها تستدعي جهدا جديدا من فئة مؤمنة تعيدها إلى دينها.

ولو كان سيد قطب، وهو يكتب الظلال، في بيئة ليبرالية وفضاء حر وحوارات صاخبة وجدل ونقد ومراجعات، كالذي كان في مصر في الفترة الملكية، لوجد من يقوِّم له كلامه، ويراجعه، ولأمكن له أن يعيد النظر في كثير منه، كما حدث في مراجعته لما أورده بكتاب “العدالة الاجتماعية”، ولكنه كان يعيش عصرا مظلما، قمعيا، لا يتحمل اختلاف الآراء، إضافة لذلك فإنه عصر فرضت عليه فيه العزلة القهرية داخل السجن، ولم يخرج منها إلإ لحبل المشنقة، بعد عام واحد فقط قضاه خارج السجن، لذلك كانت كتابته للظلال من نبت العزلة، والحصار، والقطيعة مع العالم الخارجي، فلم تخضع لمراجعة علمية رصينة، أو حوار ونقاش أدبي وتحقيق علمي، كما كان يجري قديما، وأنا على يقين من أنه لو امتد به العمر، وعاش ما عاشته البلاد من تحول الأحوال، لكان سيد قد راجع بعض ما كتبه في الظلال، وأعاد ضبطه والتخفيف من عباراته أو حتى حذفها بالكلية، يرحمه الله.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button