
حتى لا ننسى، إيران هي التي مولت وسلحت ووفرت الملاذات لتنظيم بي كا كا الإرهابي الكردي بهدف إضعاف تركيا وتمزيقها، وإيران هي التي مولت وسلحت ودعمت نظام بشار الأسد ضد شعبه وقتلت عشرات الآلاف من السوريين وهدمت مدنا بكاملها نصرة للطاغية الذي يعمل لصالحها، وإيران هي التي شاركت الأمريكيين في دعم وتقوية تنظيم “قسد” الكردي الانفصالي في سوريا وأمدته بالطائرات المسيرة والصواريخ ليكون خنجرا في خاصرة تركيا وسوريا معا، وإيران هي التي صنعت ومولت وسلحت الحوثي في اليمن ليكون شوكة في خاصرة السعودية يستنزفها ويقصف مدنها بالصواريخ الإيرانية، وإيران هي التي سلحت ودعمت الميلشيات الشيعية العراقية الموالية لها مما حول العراق إلى مستنقع من الفساد والفوضى وسيطرة الميليشيات على الدولة وأجهزتها.
إيران هي التي خاضت أكبر وأطول حرب مدمرة في الشرق كله ضد عراق صدام حسين، رغم أن صدام كان عدوا للأمريكان وللإسرائيليين وخطابه كان خطابا مقاوما بامتياز، ولم توقف الحرب بعد ثمان سنوات قتل فيها قرابة المليون إنسان إلا بعد أن خارت قواها وقال الخميني أنه قبل السلام كمن يتجرع السم، وإيران هي التي احتلت ثلاث جزر عربية إماراتية وتصر حتى اليوم على أنها أراض إيرانية، وإيران هي التي تحارب أي وصف “عربي” للخليج، وتصر ـ بعنصرية طافحة ـ على أنه “خليج فارسي” ، وإيران هي التي دعمت الأمريكان وشاركتهم في غزو العراق وأفتت بعد جواز مقاومة الاحتلال الأمريكي، وإيران هي التي دعمت واسهمت في الغزو الأمريكي لأفغانستان باعتراف رئيسها أحمدي نجادي، وإيران هي التي وفرت معسكرات وملاذات آمنة للعديد من التنظيمات الإرهابية التي أربكت وأرهقت معظم دول المنطقة، باستثناء إسرائيل، وإيران هي من صنعت ومولت وسلحت تنظيم حزب الله في لبنان واستخدمته لعمليات إرهابية في الكويت والسعودية واليمن وسوريا، وبعد أن أصبح غير مجد لمصالحها، وعبئا استراتيجيا عليها باعته، وتخلت عنه، وتركت إسرائيل تسحقه وتصفي قادته وتتخذ مقراته أهدافا لتدريب طياريها على الصيد، وإيران ساعدت حماس في غزة فترة من الزمن ليس لوجه الله وفلسطين، وإنما ليكون لها ورقة على طاولة المحاصصة الإقليمية عند الأمريكان، فلما جد الجد، وشعرت أنها ستدفع ثمنا، باعت حماس وباعت فلسطين، وظلت غزة تذبح من الوريد إلى الوريد، دون أن تغيث طفلا فيها، ولم تطلق رصاصة واحدة إلا بعد أن تعرضت عاصمتها هي لضربة إسرائيلية ساحقة.
حكاية إيران المقاومة محض أكذوبة، وأكبر خدعة استراتيجية مارستها إيران خلال النصف قرن الأخير، لتحقق أسوأ اختراق للعالم العربي، لصناعة بؤر طائفية، وعملاء، لقد استوعبت إيران أن العرب يعجبهم الشعارات والعنتريات، وأي شخص يريد تحقيق زعامة يعلي صوته بالمزايدات حول فلسطين والقدس والأقصى، حتى لو لم يفعل أي شيء، حتى لو كان سلوكه العملي يضعف أي عمل جاد لتحرير القدس والأقصى، استوعبت إيران الدرس الناصري، والقذافي، والأسدي العلوي في سوريا، فلعبت بالورقة الفلسطينية، واستثمرت فيها فتات المال، بينما انطلقت تنفق بسخاء عشرات المليارات من الدولارات على مشاريعها الحقيقية، مشاريع الاختراق والتوسع والهيمنة والتمدد الأمني والعسكري والطائفي في بلاد العرب والمسلمين، حتى سيطرت عمليا على أربع عواصم عربية كبيرة، بغداد، ودمشق، وبيروت، وصنعاء، وكانت في طريقها لعواصم أخرى لولا انكسارها الأخير، ودخول معادلات جديدة في المنطقة، على رأسها انتصار ثورة الشعب السوري لتقضي على الأحلام الإيرانية في الشام.
لعبت إيران بمهارة على العواطف العربية العاشقة لفلسطين وقضيتها، فأعلنت إنشاء وتأسيس “فيلق القدس” لتحرير فلسطين، ثم اكتشف العرب بعد أربعين سنة من تأسيس “فيلق القدس” أنه لم يطلق طلقة رصاص واحدة من أجل القدس، وأن كل معاركه كانت ضد العرب السنة في بغداد ودمشق وحلب وبيروت وصنعاء، وكل كتائبه وأسلحته كانت ـ حصريا ـ في مدن العرب المبتلاة بهم، وقتل قائده الشهير وهو يتنقل بين معاركه في دمشق حيث يناصر الطاغية بشار الأسد وبغداد حيث ينسق مع حفنة من الإرهابيين الطائفيين يقودون ميليشيات مسلحة، وليس على حدود فلسطين.
لقد كانت فلسطين والقدس هي “الطعم” الذي استخدمه “الصياد” الإيراني بمهارة، لصيد عربي ثمين، والحمد لله أنه آن الأوان أن يكشف الغطاء عن “الصياد”، وأن يدفع ثمن جرائمه في حق العرب والمسلمين على مدار نصف قرن.
ويؤسفني الاعتراف، بأن إيران نجحت على مدار العقود الماضية، في إجراء عملية غسيل دماغ، لقطاعات غير قليلة من المثقفين العرب، ليس الناصريين وحدهم الذين يعشقون ملالي إيران وذيولهم في لبنان والعراق واليمن، بل حتى قطاع من الإسلاميين أيضا، جرت لهم عملية غسيل الدماغ بنجاح، وسيحتاج الأمر إلى جهد كبير لرفع تلك الأكاذيب عن عقولهم ووجدانهم، ليروا الصورة على حقيقتها المجردة.
*كاتب مصري





