
كتب: محمد أمين سملالي ـ
لم تعد واقعة الاعتداء الأخيرة التي وثّقها فيديو متداول، ويظهر فيها سائق ينهال بعصا على رأس سائق آخر بضواحي القنيطرة، مجرد حادثة معزولة يمكن طيّها داخل خانة “انفعال فردي” أو “شجار عابر”. فمثل هذه المشاهد، بما تخلّفه من صدمة وخوف واستياء، تعيد طرح سؤال أعمق من الواقعة نفسها:
لماذا صار الفضاء العمومي، والطرقات على وجه الخصوص، مجالا مفتوحا لانفجارات الغضب والعنف؟
ولماذا بات الخلاف البسيط بين سائقين قابلا لأن ينقلب، في لحظات قليلة، إلى اعتداء جسدي قد يفضي إلى مأساة؟
الجواب لا يوجد في الحادثة وحدها، بل في ما تكشفه من تحولات اجتماعية ونفسية وثقافية. فالطريق لم تعد مجرد ممر للتنقل؛ إنها مرآة مكبرة لأعطاب المجتمع.
فيها يظهر مستوى احترام القانون، وحدود الصبر، وطبيعة العلاقة مع الآخر، وحجم التوتر الذي يحمله الأفراد معهم إلى المجال العام. ولهذا فإن العنف على الطرقات ليس شأنا مروريا فقط، بل هو، في عمقه، مسألة سوسيولوجية تتصل بطريقة عيشنا المشترك، وبمدى ترسخ قيم السلوك المدني في حياتنا اليومية.
من منظور سوسيولوجي، يمكن النظر إلى السيارة باعتبارها فضاءً صغيراً للسيادة الفردية. بمجرد أن يمسك السائق المقود، يشعر في كثير من الأحيان بأنه داخل “مملكته” الخاصة، وأن له أسبقية رمزية على الآخرين، لا على مستوى المرور فحسب، بل أيضا على مستوى الاعتبار والهيبة وفرض الحضور. ومن هنا، فإن أي تجاوز، أو تنبيه، أو استعمال للمنبه، أو حتى نظرة عابرة، قد يُقرأ لا كجزء من التفاعل العادي في الشارع، بل كإهانة شخصية أو اعتداء على الكرامة. وهكذا ينتقل الخلاف من مستوى السلوك إلى مستوى الذات، ومن مخالفة بسيطة إلى “معركة كرامة”.
هذه الحساسية المفرطة ليست منفصلة عن مناخ اجتماعي أوسع يتسم بارتفاع التوتر والضغط. فالفرد الذي يقود سيارته ليس كائنا معزولا عن شروط حياته اليومية: ضغط العمل، الهشاشة الاقتصادية، القلق، الاكتظاظ، الإحساس بالظلم، ضعف الثقة في المؤسسات، وتراكم الإحباطات الصغيرة. كل ذلك لا يختفي عند باب السيارة، بل يرافقه إلى الطريق. وعندما تتراكم المؤثرات في فضاء سريع، مكتظ، ومشحون بالتنافس، يصبح أي احتكاك بسيط شرارة ممكنة لانفجار أكبر.
لكن اختزال الظاهرة في الضغط الاجتماعي وحده لا يكفي. فالعنف المتكرر في الشارع يكشف أيضا هشاشة في التربية المدنية. ذلك أن السلوك المدني ليس مجرد معرفة بقانون السير، ولا مجرد احترام للإشارات والعلامات، بل هو قبل ذلك اعتراف عملي بوجود الآخر وحقه في المجال العام. السلوك المدني هو أن أؤمن، في العمق، بأن الطريق ليست لي وحدي، وأن الشارع ملك مشترك، وأن الاختلاف في السرعة أو الأسبقية أو التقدير لا يبرر الإهانة ولا العدوان. وحين يضعف هذا الوعي، يتحول المجال العمومي إلى ساحة تنازع لا إلى فضاء تعايش.
في هذا السياق، لا يبدو العنف على الطرقات سوى أحد تجليات تراجع ثقافة العيش المشترك. فحين تختل علاقة الفرد بالقانون، لا يعود هذا الأخير إطارا منظما للجميع، بل يتحول إلى شيء تفاوضي: يُحترم إن خدم المصلحة، ويُخرق إن تعارض معها. وحين تضعف الثقة المتبادلة بين المواطنين، يصبح الآخر مصدر تهديد لا شريكا في المجال العام. وحين تغيب التربية على ضبط النفس، والحوار، واحترام الاختلاف، يصبح الجسد هو اللغة البديلة، وتصبح العصا، أو القبضة، أو السبّ، وسائل للتعبير عن الذات في لحظة العجز عن التعبير المدني.
ثم إن تكرار هذه الوقائع يبعث برسالة مقلقة مفادها أن العنف بدأ يفقد طابعه الاستثنائي. والخطر في الأمر ليس فقط في عدد الحوادث، بل في تطبيع المخيال الاجتماعي معها: أن نصبح أمام مشاهد الضرب والمطاردة والسباب على الطرقات من دون أن نفزع بالقدر الكافي، أو أن نبررها ضمنيا بعبارات من قبيل “أكيد استفزه” أو “الناس أعصابها تعبات”. إن أخطر ما قد يقع للمجتمع ليس وجود العنف فقط، بل التعايش معه بوصفه أمرا عاديا أو مفهوما أو متوقعا.
من هنا، فإن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تكون أمنية أو زجرية فقط، رغم أهمية الردع وتطبيق القانون بحزم. فالمجتمع لا يُصلح بالعقوبة وحدها، بل أيضا بإعادة بناء المعنى الأخلاقي للفضاء العمومي. نحن في حاجة إلى تربية مدنية تبدأ من المدرسة، لكنها لا تنتهي فيها؛ تربية تجعل احترام الآخر قيمة يومية لا درسا نظريا. ونحن في حاجة أيضا إلى خطاب عمومي وإعلامي يعيد الاعتبار لفكرة المدنية، لا بوصفها ترفا أخلاقيا، بل شرطا ضروريا لحياة ممكنة داخل مجتمع حديث.
كما أن الأمر يقتضي مساءلة أنماط التنشئة الأسرية والاجتماعية التي ما تزال، في حالات كثيرة، تمجد الرد الفوري، والانتصار بالقوة، ورفض التراجع، واعتبار ضبط النفس نوعا من الضعف. ففي مثل هذا التصور، لا تُقاس الرجولة بالقدرة على التحكم في الانفعال، بل بالقدرة على فرض الهيبة. والنتيجة أن الشارع يمتلئ بذوات هشة من الداخل، لكنها مسلحة بالغضب من الخارج.
إن الطريق، في نهاية المطاف، ليست مجرد إسفلت وعلامات تشوير، بل امتحان يومي لمدى تمدّننا. فيها يظهر إن كنا نؤمن فعلا بالحق المشترك، وبحدود الحرية، وبقيمة الإنسان، أو إن كنا لا نزال نتصرف بمنطق الغلبة والاندفاع واحتقار الآخر. لذلك فالعنف بين السائقين ليس حادثا مروريا فحسب، بل عرضٌ لخلل أعمق في علاقتنا بالمدينة، بالقانون، وببعضنا البعض.
وإذا كانت الواقعة الأخيرة قد هزّت الرأي العام، فذلك لأنها لم تكشف فقط قسوة المعتدي، بل كشفت أيضا هشاشة المناخ المدني الذي نعيش داخله.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحا ليس فقط: كيف نعاقب المعتدي؟
بل أيضا: كيف نبني مجتمعا لا تصبح فيه العصا لغة محتملة لحل الخلاف في الطريق؟





