
كش بريس/التحرير ـ في إطار تطوير آليات العدالة الجنائية وتعزيز المقاربات البديلة لحل النزاعات، وجهت رئاسة النيابة العامة دعوة إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية من أجل توسيع تفعيل مسطرة الصلح، باعتبارها أحد المداخل العملية لترسيخ العدالة التصالحية وتخفيف الضغط عن المحاكم الزجرية. ويأتي هذا التوجه في سياق تنزيل المقتضيات الجديدة التي حملها القانون رقم 03.23 المعدل والمتمم لقانون المسطرة الجنائية.
وأفادت دورية صادرة عن رئاسة النيابة العامة، وموجهة إلى مسؤولي النيابات العامة، بأن التعديلات التي طالت المادتين 41 و41-1 من قانون المسطرة الجنائية منحت صلاحيات أوسع للنيابة العامة في مجال اقتراح الصلح بين الأطراف. إذ أصبح بإمكان وكيل الملك المبادرة إلى اقتراح الصلح تلقائيا والعمل على تيسير تحقيقه، أو منح مهلة للأطراف للتوصل إلى اتفاق، مع إمكانية اللجوء إلى آلية الوساطة عبر تعيين وسيط أو أكثر، سواء باختيار الأطراف أو باقتراح من النيابة العامة.
كما تسمح المقتضيات الجديدة بإسناد مهمة الوساطة لمحامي الطرفين، أو الاستعانة بخدمات مكاتب المساعدة الاجتماعية بالمحاكم، بما يعزز فرص نجاح التسوية الودية للنزاعات. ويتم توثيق هذا الاتفاق من خلال تحرير محضر يثبت بنود الصلح، مع متابعة تنفيذ الالتزامات المتفق عليها بين الأطراف.
وسجلت الدورية أن نطاق الجرائم المشمولة بمسطرة الصلح لم يعد يقتصر على الجنح الضبطية، بل امتد ليشمل مجموعة من الجنح التأديبية المحددة حصرا في المادة 41-1 من قانون المسطرة الجنائية، من بينها جرائم الضرب والجرح والسرقة والنصب وخيانة الأمانة، وهي من القضايا التي تشكل نسبة مهمة من الملفات المعروضة على النيابات العامة.
ويهدف هذا التوسع إلى تشجيع التسوية الودية بين الضحية ومرتكب الفعل الجرمي، بما يتيح إمكانية إنهاء النزاع دون اللجوء إلى المتابعة القضائية متى تم احترام الضوابط القانونية المنظمة لمسطرة الصلح.
كما شملت التعديلات الجديدة إمكانية اعتماد هذه المسطرة في القضايا التي يكون فيها طفل في نزاع مع القانون، شريطة مراعاة المصلحة الفضلى للطفل والسعي إلى تحقيق الصلح بينه أو بين وليه القانوني والمتضرر، بما يسمح بتفادي المتابعة القضائية والحفاظ على إدماجه داخل محيطه الأسري والاجتماعي.
وأبرزت رئاسة النيابة العامة أن تفعيل مسطرة الصلح عرف تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد المستفيدين منها من 8219 شخصا سنة 2023 إلى 15862 سنة 2024، ليصل إلى 21963 مستفيدا خلال سنة 2025، مسجلا زيادة بنسبة 38 في المائة.
كما انعكس هذا المنحى التصاعدي على حجم الغرامات التصالحية المحصلة، والتي بلغت ما مجموعه 13.29 مليون درهم تم إيداعها مباشرة بصناديق الأداء بالمحاكم، دون الحاجة إلى سلوك مساطر التنفيذ الزجري.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، سجلت الدورية أن بعض النيابات العامة ما تزال تحقق نسبا محدودة في تفعيل مسطرة الصلح مقارنة بعدد القضايا المعروضة عليها، داعية إلى مضاعفة الجهود والاستفادة من التسهيلات التي أقرها القانون الجديد.
ومن بين هذه التسهيلات تمكين وكيل الملك من اقتراح أداء غرامة تصالحية لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونا للجريمة المرتكبة، إضافة إلى إلغاء مسطرة المصادقة على الصلح، حيث يصبح الاتفاق نافذا بمجرد تحرير محضر من طرف وكيل الملك أو أحد نوابه وتنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
وفي ختام الدورية، أكدت رئاسة النيابة العامة أن مسطرة الصلح تمثل ركيزة أساسية في تنفيذ السياسة الجنائية الحديثة، لما توفره من حماية لحقوق الضحايا وتعزيز لنجاعة العدالة عبر تقليص عدد القضايا المعروضة على المحاكم. كما دعت مسؤولي النيابات العامة إلى إعطاء الأولوية لتفعيل هذه الآلية، وتشجيع الوساطة بين الأطراف، وتتبع تنفيذ التزامات الصلح داخل الآجال المحددة، مع موافاة الرئاسة بالمعطيات الإحصائية المتعلقة بتطبيقها، باعتبارها أحد المؤشرات المعتمدة في تقييم أداء النيابات العامة.





