
في العام 2022، صدر لنا كتاب بعنوان “تحرير الشرق.. نحو إمبراطورية شرقية ثقافية”. يتبنى الكتاب مشروعا للشرق يجسده ثقافيا ككيان حضاري واحد، ووعيا جامعا يحدد له هوية شاملة أطلق عليها الكتاب تسمية الهوية “الواعية”، ويلفت الإنتباه إلى الدور الحاسم للجيوستراتيجيا التي تصنع مصالح عليا مشتركة لشعوب المنطقة، ومصير مشترك.
وجه الكتاب دعوة لمثقفي الشرق لتبني هكذا مشروع. فحالة اللا يقين وفقدان التوازن والعشوائية والتشرذم التي سادت دول المنطقة منذ سايكس بيكو، والتي وصلت في الآونة الأخيرة للنخب وحتى الشعوب، باتت تهدد الوجود الفعلي حتى لذلك “الحد الأدنى” الذي تبقى من المشترك قيما ورؤى ومشاعر، بل وضعت حتى اولئك الذين صنعتهم تلك المرحلة، واعتاشوا على نتائجها لعقود طويلة، على شفا التلاشي والإندثار.
كان الكتاب واضحا في إلحاحه على النخب، خاصة الثقافية، لضرورة التعامل مع تلك الدعوة بالقدر الذي تستحقه من الاهتمام. وحاول تبيان عدم “طوباويتها” ومدى إمكانيتها وواقعيتها كونها تتحدث عن حالة “ذهنية” أكثر منها واقع سياسي، بالتركيز على أن الحديث يتم عن “توحيد” الوعي والرؤى بوحدة المصير، ولا يتطرق للدولة القائمة، وإلغاء الحدود بين العقول وليس بين الكيانات.
توج الكتاب دعوته تلك، بتحذير واضح أثبتت الأحداث اللاحقة أيضا مدى دقته، فقال بالحرف أنه إذا لم تقم شعوب الشرق ونخبه بالعمل على صياغة شرقها حسب رؤاها ومصالحها، فإن إسرائيل ستعمل _ وهي تحاول الآن _ على صياغته بطريقتها وعلى مقاسها.
من أهم ما كشفته الحرب الدائرة الآن على إيران، مدى هشاشة الدولة “القطرية” خاصة العربية منها، وتضارب المصالح بين دول المنطقة وأنظمتها، وارتهان قراراتها لقوى خارجية، وحالة فرقة وتفكك مصطنع منذ سايكس بيكو إلى الآن. لقد تبين بوضوح أن ما تعاني منه المنطقة في تاريخها المعاصر، لم يقتصر على الهزيمة العسكرية، بل سبقتها (وربما لحقت بها) هزيمة حضارية وثقافية، أنتجت حالة من الضعف والتبعية الثقافية، جعلت دول المنطقة وكثير من نخبها لا تفكر إلا كتابع، أول ما يتبادر إلى ذهنها هو الاصطفاف خلف واحدة من الدول الكبرى (غالبا الولايات المتحدة ومعها إسرائيل)، وإذا ما وصلت لقمة “الاعتداد” بالنفس، تفكر في تحسين شروط الاصطفاف قياسا، وربما على حساب، الدولة الجارة و”والشقيقة” التي اصطفت هي أيضا مع نفس الجهة. حالة الاصطفاف في المنطقة أصبحت حالة تلقائية، وهي تعبر بوضوح عن دونية متوطنة، وأي دولة أو جهة “تتمرد” على ذلك سيتم ضربها أمريكيا وإسرائيليا، وربما محليا أيضا.
ان التأمل في هذه الحالة التي يعاني منها الشرق، والتي يبدي فيها إصرارا عجيبا على التشبث بالوضع الحالي في علاقته بالجانب الصهيوني (الأمريكي _ الإسرائيلي، يُبرز سؤالا هاما حول ما إذا كانت دول المنطقة ونخبها تتعامل مع الحالة على أنها مؤقتة، وبالتالي عليها الانتظار حتى تنقضي، أو أنها قدر ينبغي الخضوع له إلى النهاية، ولن يكون بالإمكان تغيير ذلك، وأية محاولة من أجل التغيير هو الجنون بعينه، فأقنعت نفسها أن الموجود الحالة النموذجية.
حتى نفهم العلاقة بين الغرب الصهيوني (الأمريكي _ الإسرائيلي) وبين الشرق الإسلامي، ينبغي معرفة ماذا يعني هذا الشرق لذلك الغرب؟، وماذا يريد منه.
لا شك أن العامل الاقتصادي من أهم ما يجعل الغرب يتشبث بهيمنته على المنطقة. فهناك نفط وغاز وثروات وصفقات أسلحة وغير ذلك. وهناك ما يعطي للدولار قيمته كعملة عالمية أولى نتيجة ربطه بالنفط أو ربط النفط به. وهناك الابتزاز المالي المباشر وهو الأسهل والأجدى والأظرف والأنظف، إذ تكفي جولة “للرئيس” للحصول على تريليونات الدولارات.
والشرق للغرب موقع استراتيجي لا يطل منه على بقية العالم فقط، بل يشكل منطقة تحكم استراتيجي، أمني وعسكري واقتصادي، ولذلك يحتوي على هذا العدد الكبير من القواعد العسكرية، وهذا العدد الأكبر من “القواعد” الفكرية والثقافية والاقتصادية. وهو مكان ملائم لاختبار الأسلحة الجديدة بدون تكلفة، ودون عواقب، ومكب للنفايات الضارة دون مقابل.
كما أن الشرق للغرب مكان نموذجي لتحقيق “الإنجازات” السهلة وغير المكلفة، وتسويقها كقوة خارقة استثنائية، فأمريكا (وإسرائيل) لا تعتمد على القوة فقط، بل على استعراضها والتلويح بها بين الحين والآخر، والتذكير بها كلما استدعى الأمر كرادع للآخرين. هي توجه قوتها للضعيف حتى يستخلص القوي العبر.
المنطقة بالنسبة لذلك الغرب، بها كل ما يجب أن يتوفر في محمية طبيعية، ثروات وهدوء وشمس وتاريخ، وكل ما يطلبه “السائح” الذي يريد أن يجمع بين الشعور أنه سائح وأنه في البيت في نفس الوقت. لذلك تضرب أمريكا وإسرائيل، كل من يحاول فرض شيء من السيادة “المحلية” على تلك المحمية، وكل من تظهر لديه نزعة الاستقلال والتنمية الذاتية.
لذلك يراد لهذه المنطقة أن تكون ملحقة دائما ومهيمن عليها وضعيفة، وسهلة الابتزاز، يأخذون منها ما يريدون ولا يشعرونها بأدنى احترام. يمنعونها من امتلاك أي من عناصر القوة، رغم أن تلك العناصر موجودة في أرضها وفي موقعها وفي تاريخها وفي ثقافتها. يصرون على أن تبقى مهلهلة من الداخل، فيُنموا فيها عوامل تفكيكها؛ هويات فرعية، وطوائف وملل، ومن لا يرضى بذلك فإسرائيل موجودة لمعاقبته، وكذلك أمريكا نفسها إذا تطلب الأمر.
لكن تبين من هذه الحرب على إيران، أن كل ما يحصل عليه الغرب الصهيوني من هذه المنطقة، على أمل حصول دولها على شيء من الحماية والاستقرار، ليس أكثر من وهم. بل ظهر أن المعادلة التي يبدو أن أنظمة المنطقة تؤمن بها بخصوص العلاقة مع الغرب، والتي تتلخص بأن مزيدا من تقديم “الولاء” والقيام “بالمهمة” تعني المزيد من الاستقرار، غير صحيحة. فالولاء في النهاية جلب المزيد من العداء والدمار وانعدام الأمن.
هذه المعادلة تشير إلى الحقيقة المقابلة التي تقول بوجوب أن يسعى الشرق، لأن يكون حرا سيدا مستقلا، إذ ثبت أنه لا فائدة البتة من نهج القبول بالتبعية والاصطفاف الذي تم فرضه في فترة، وتم اختياره في فترة أخرى، أو لم يتم التفكير بتغييره على الأقل، أو الخلاص منه بشكل جدي، إلا ما ندر.
من البديهي أن يسعى كل اقليم أو كيان كي يكون حرا وسيدا، لكن ذلك بالنسبة “للشرق” أكثر إلحاحا بحكم أنه لم يعاني فقط من هيمنة وعلاقات غير متكافئة لفترة طويلة، ثبت ليس فقط أنه لم يستفد منها بل جلبت له الكثير من المعاناة، إنما أفقدته جوهره ومعناه وهويته نتيجة تلك العلاقات، وهو هدف معلن للقوى الإمبريالية الصهيونية لتفكيك أكثر، ولإعادة هيكلةٍ تضع المزيد من العوائق أمام استعادته لذاته.
هناك إذاً أهمية استثنائية، لأن يكون الشرق كيانا مجسدا ثقافيا ومحررا وعيا كخطوة أولى على الأقل، ليس فقط من أجل التأسيس لتحرير شعوبه واستقلاله وسيادته مستقبلا، ولكن لأن الشرق المجسّد والمستقل والسيادي، والذي لديه كل هذه المقدرات، إضافة إلى موقعه الجيوستراتيجي الفريد، سيعمل بمثابة الشرق “الضامن” لوجود نظام دولي أكثر معقولية، يحفظ التوازن العالمي، ويشكل منطقة فاصلة بين القوى الكبرى المرشحة لصراعات كبرى دائمة، ويرسي حدودا واضحة بين تلك القوى، ويكبح أسس المشروع الإمبريالي الصهيوني الحالي وأي مشروع قد يصبح كذلك في المستقبل.
تتوفر في هذا “الشرق” الحر والسيد كل الأسباب ليكون حياديا ومسؤولا وصمام أمان للسلم العالمي، ولعلاقات دولية سليمة وصحية، لكن حالة الضعف التي عانى منها وما زال، جعلته مدمنا على التبعية والاصطفاف مع الجانب اللا أخلاقي من التاريخ، مع أنه أولى ضحاياه.
في هذه الحالة التي ينبغي أن يكونها الشرق، سيصبح من السهل إيجاد علاقات سليمة مع الآخرين، دون تبعية وهيمنة واصطفاف غير مفهوم، وستعود الأمور إلى منطقها في الحكم على الأعداء والأصدقاء، وسيصبح ما تقوم به كثير من دوله الآن ، من جعل “عدو” مفترض وربما متخَيل، أكثر خطورة من عدو موصوف وفعلي ونشط يستمر عدوانه منذ قرن من الزمان، خارج دائرة المعقول.
هذا “الشرق” المتصوّر”، سيكون بمقدوره أكثر من غيره، وسيطا حقيقيا كونه المعني فعلا بالسلم العالمي الذي يفرضه موقعه الاستراتيجي واقتصاده الكبير، وربما أيضا لأسباب عديدة تاريخية وثقافية، وسيكون أكثر من غيره قادرا على إيجاد تعاون حقيقي ومتكافيء بين الجميع.
مشروع الشرق الذي نتحدث عنه، يضع الأسس لتجسيد “الأمة” وعياً في البداية، وتقاربا مبنيا على ذلك الوعي، تشكل فلسطين جوهره التحرري والأخلاقي والجيوستراتيجي. لا شرق من دون فلسطين، وثبت في هذه الحرب أن لا استقرار في المنطقة وربما في العالم من دونها. فالصراع الذي يجري في المنطقة، ليس فقط صراعا بين دول على مصالح ونفوذ، إنما أساسا على تعريف الشرق نفسه، تابعا وساحة نفوذ أم كيانا مستقلا. إنه ليس صراع جغرافيا فقط بل أزمة هوية بالأساس.





