‏آخر المستجداتلحظة تفكير

د المصطفى المريزق: المغرب بين لحظة الكان ورهان المستقبل.. ساعة الحقيقة

ما تعرّض له المغرب، تزامنًا مع احتضانه لكأس إفريقيا للأمم، من حملات تشكيك، ومناورات رمزية، ودسائس صادرة أحيانًا من “إخوة-أعداء”، لا يمكن فهمه خارج منطق الصراعات الرمزية والجيوبوليتيكية التي تحكم العلاقات بين الدول والمجتمعات. فالمسألة لا تتعلّق بالرياضة في حد ذاتها، بل بما تمثّله الرياضة اليوم كأداة للقوة الناعمة، ولإعادة ترتيب المكانة داخل الحقلين الإقليمي والدولي.

من منظور سوسيولوجي، يندرج هذا السلوك ضمن ما يسميه بيير بورديو الصراع على الرأسمال الرمزي: حين ينجح مجتمع في تحسين صورته، وتحديث بنياته، وفتح آفاق مستقبلية تتجاوز منطق “الانتصار الظرفي”، يصبح هدفًا لمحاولات التشويش والنزع الرمزي للشرعية.

المغرب اليوم لا يراكم فقط نتائج رياضية، بل يراكم مسارًا مجتمعيًا مركّبًا:

مجتمع منفتح على ثقافات العالم، متعدد الهوية، متصالح مع ذاته، يمارس العيش المشترك لا كشعار بل كخبرة تاريخية.

جغرافية متميزة جعلت منه عبر التاريخ فضاء عبور وتلاقح، لا عزلة وانغلاق.

تاريخ عريق وحضارة قديمة شكّلت رصيدًا ثقافيًا طويل النفس.

تجربة ديمقراطية ناشئة، غير مكتملة، لكنها تتحرك في اتجاه توسيع مجال الحقوق والحريات ضمن منطق التراكم لا القطيعة.

شباب منفتح، طموح، وطني، يبحث عن المعنى قبل الإنجاز.

نخب نقدية، رغم هشاشتها أحيانًا، تسعى إلى التحديث والحداثة بدل التبرير والتقديس.

قوى شبابية مناضلة، مواطنة، صامدة في الفضاءات الاجتماعية والرقمية.

مجتمع مدني متنوع، تقدمي في طيفه التحرري، يضغط، يقترح، ويُراكم.

إعلام يشق طريقه بصعوبة، بين الاستقلالية والضغط، لكنه في طور التشكل.

أوراش كبرى، وبنيات تحتية، ومشاريع استراتيجية تعانق المعايير العالمية.

غير أن هذا المسار، مهما بلغ من الإنجاز، يظل هشًّا بدون رافعة الثقافة والوعي والتكوين. فالتنمية، من منظور سوسيولوجي، ليست طرقًا وملاعب فقط، بل هي بالأساس تحويل في الذهنيات وأنماط التفكير والسلوك.

هنا بالضبط تكمن المفارقة:
الكان لم يكن فقط مناسبة للاحتفال، بل فرصة لإعادة التفكير في ذواتنا، في نواقصنا، وفي الأسئلة المؤجَّلة:

ماذا نربح من الإنجاز إذا لم ننتج مواطنًا واعيًا؟

ما قيمة الرياضة دون تربية؟

وما قيمة الوعي دون مسؤولية؟

وما معنى المسؤولية دون محاسبة ومساءلة؟

إننا في حاجة إلى جيل جديد:
جيل يناقش قبل أن يصفّق،
يحلل قبل أن يهلّل،
ينتقد دون عداء،
ويؤمن بأن الوطنية ليست اصطفافًا أعمى بل التزامًا أخلاقيًا.

نريد مواطنًا مغربيًا:

صادقًا مع ذاته،

مؤمنًا بقضايا الوطن العادلة: حقوق الإنسان، المساواة، الحرية، الديمقراطية،

مستعدًا للتضحية من أجل أن يعيش الخلف أفضل مما عاشه السلف.

في هذا السياق، يجب أن يُفهم العداء للمغرب—سواء من الخارج أو من بعض الأصوات في الداخل—كجزء من منظومة صراعات دولية وإقليمية تُسقط تناقضاتها على واقعنا وسياساتنا ومجتمعنا، لا كقدر محتوم ولا كتبرير للتراجع.

الكان عابر، والمغرب باقٍ.
وما يبقى فعلًا هو الاستثمار في الإنسان.

اقتراحات عملية:
إدماج التربية على المواطنة النقدية في المدرسة والجامعة، لا كمادة شكلية بل كممارسة يومية.

ربط الرياضة بالثقافة والتربية عبر برامج موازية تُنتج الوعي لا الاستهلاك.

تمكين الشباب من فضاءات النقاش العمومي بدل دفعهم نحو التفريغ العدمي أو الشعبوية.

دعم الإعلام التربوي والنقدي بدل الإعلام الانفعالي.

تأهيل المجتمع المدني ليكون فاعل اقتراح لا مجرد رد فعل.

إرساء ثقافة المحاسبة والمساءلة كشرط للثقة لا كتهديد للاستقرار.

تحية عالية للمخلصات والمخلصين للوطن، الذين يجب أن نكون إلى جانبهم، لا بالصمت، بل بالنقد المسؤول، بشرط أن يستمعوا إلينا، إلى نبض المجتمع، إلى قلقه وأسئلته.

نحن جميعًا نحب هذا الوطن.
حبّ لا يُباع ولا يُشترى، ولا يُزايد به.

نواصل بهدوء… نعم نستطيع.

*المصطفى المريزق
فاعل مدني
رئيس الجامعة الشعبية المغربية Université Populaire du Maroc UPM

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button