
أثارت الحرب الإسرائيلية _ الأمريكية الأخيرة على إيران، الكثير من الأسئلة التي تتطلب التوقف عندها من جديد، وإمعان النظر فيها. من بين تلك الأسئلة الهامة، موضوع القواعد الأجنبية في دول المنطقة، “ضرورتها” ودورها وإشكالاتها السياسية والقانونية، وما يترتب، أو قد يترتب على وجودها من “مخاطر” على الدولة “المضيفة” وربما على الإقليم.
لقد تطور “معنى” القاعدة العسكرية الأجنبية في التاريخ المعاصر، وتغير مفهومها في العلاقات الدولية، وفي علم الاجتماع السياسي. ففي حقبة الاستعمار التقليدي كانت القاعدة العسكرية مظهرا من مظاهر الاحتلال وفقدان السيادة، تنشأ نتيجة ضغط عسكري رغم إرادة الدولة التي توجد بها، أو نتيجة اتفاقيات غير متكافئة بين طرفين. وكانت عادة ما تُواجه بالرفض وبالمقاومة من قبل شعوب الدول التي تُفرض القواعد عليها، وشَكّل التخلص من تلك القواعد، أحد أهم مظاهر الاستقلال ومؤشراته لدى الدول الخاضعة للاستعمار.
انقلب المشهد بعد الدخول في مرحلة الاستعمار الجديد، وفترة الحرب الباردة، ووصل ذروة تحوله بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وترسخ هيمنة القطب الواحد الأمريكي الغربي. أصبح وجود القاعدة العسكرية الأجنبية مطلبا تسعى له بعض الدول بملء إرادتها (وإن كان بضغط مستتر في بعض الأحيان)، وبدل أن تكون مظهرا من مظاهر فقدان السيادة، تم اعتبارها وسيلة للحفاظ عليها و على “الاستقلال”، أصبحت بعض هذه الدول “تفاخر” أن لديها قواعد أجنبية أكثر من غيرها، وتعتبر أن ذلك دليل ليس فقط على أهميتها، بل على الحظوة التي تتمتع بها عند صاحب القاعدة، وامتياز خص ذلك بها دون غيرها، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
ضِمن انقلاب هذا المشهد، نجد أنه بعد أن كانت الدول والشعوب تسعى للتخلص من القواعد الأجنبية فيها من أجل استقلالها، أخذت الدول المالكة للقواعد في بعض الأحيان، تهدد بالخروج ورفع الحماية وترك الدولة “لمصيرها”. هذا ما فعله ترامب مع إحدى الدول عندما اعتبر أنها لن تبقى أسبوعين في حال تركتها أمريكا.
بدأت بعض الدول تنظر إلى القاعدة العسكرية الأجنبية لديها من زاوية مختلفة. فاعتبرتها عاملا لتعزيز أمنها وردع أعدائها، ومصدرا لحمايتها من الجيران “الطامعين” وفي الصراعات الإقليمية، وضمانا لاستقرار نظامها السياسي، وحِفظه من الانقلابات والثورات الداخلية (إلا إذا أرادت الدولة صاحبة القاعدة غير ذلك)، وتعزيزا لمكانتها الدولية “كحليف” لدولة عظمى، وجزء من شبكة علاقات تحظى بدعم سياسي وعسكري، واعترافا بأهميتها الإقليمية والدولية كمقدمة للقيام بوظيفة يتم إسنادها لها، مما يشير إلى رضا “الحليف” الأكبر، وهو الغاية القصوى.
وجدت دول أخرى في القواعد العسكرية الأجنبية فيها مصدرا للنهوض باقتصادها، فهي تجلب الاستثمارات، وتقيم البنى التحتية، وتخلق الوظائف. هذا ينطبق على بعض الدول الفقيرة مثل جيبوتي على سبيل المثال، لكن الأمر غير ذلك بالنسبة لدول الخليج (العربي) التي تقوم بتمويل تلك القواعد كليا أو جزئيا.
تلك هي “الفوائد” التي تجنيها الدول المضيفة للقواعد الأجنبية. أما بالنسبة للدول صاحبة تلك القواعد، وهي بالأساس الولايات المتحدة وآخرين، فهي مفيدة لأغراض لوجستية للقوات وحلفائها، وكذلك لحماية الدولة الحليفة التي توجد فيها القاعدة، ولحماية الدول الحليفة القريبة في الإقليم (إسرائيل على رأسها في حالة العالم العربي)، وحماية مصادر الطاقة بل التحكم بها (يقول ترامب أن الولايات المتحدة لا تحتاج لمصادر الطاقة من الخارج، لكنها تسعى إلى الحفاظ على عملية توزيعها للآخرين).
كل الدول العربية، باستثناء أربع أو خمس منها، توجد بها قواعد أجنبية. بعضها فيها أكثر من قاعدة لنفس الدولة، وكذلك قواعد لدول أخرى. الدول التي لديها قواعد في المنطقة العربية، إضافة إلى الولايات المتحدة، هي بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وعلى الأغلب ألمانيا وهولندا، وكذلك الصين وروسيا وتركيا. بالطبع كل الدول الخليجية العربية بها قواعد أجنبية، حتى عمان التي تحاول أن تقوم بدور يغلب عليه الطابع “الموضوعي” المحايد، لديها مع الولايات المتحدة اتفاقيات أمنية، لتقديم بعض التسهيلات للقوات الأمريكية في المنطقة.
استمرت الأمور بخصوص القواعد الأجنبية على رتابتها، ودون إثارة أية مشاكل ولا حتى تساؤلات، وكأنها شيء طبيعي لا خلاف عليه بالنسبة لدول المنطقة، خاصة العربية منها، وبدون رد فعل حتى من قبل الشعوب إلا ما ندر، حتى جاءت الحرب الإسرائيلية الأمريكية الأخيرة على إيران، واستخدام أمريكا لقواعدها في بعض البلدان الخليجية وغيرها، لضرب إيران وللتصدي لردها على إسرائيل، فانتقل فهم تلك القواعد من الحالة النظرية التي قبل بها، أو سكت عنها أكثرية ذوي العلاقة، إلى الجانب العملي التجريبي، حيث أثيرت العديد من الأسئلة المتعلقة بالموضوع.
في هذه الحرب التي شنتها إسرائيل وأمريكا على إيران، كان الموقف المعلن (على الأقل) لمعظم الدول التي لها قواعد أمريكية في المنطقة ضد نشوب هذه الحرب، وأظن أن كثيرا منها كان صادقا في ذلك، إذ أنها تدرك مدى خطورة تلك الحرب على أمنها واستقرارها، بل وربما وجودها.
لذلك يفترض المنطق وأصول المعاهدات في هذه الحالة، التنسيق السياسي بين الدولة صاحبة القاعدة وبين الدولة المضيفة، لتجنيب الأخيرة ما يترتب على نشوب تلك الحرب جراء مشاركة القاعدة التي على أراضيها فيها. لكن ذلك على ما يبدو لم يحصل في الحالة التي نحن بصددها، بل تشير بعض المصادر إلى “تشجيع” من بعض تلك الدول للولايات المتحدة لخوض تلك الحرب.
وجدت تلك الدول التي توجد القواعد الأمريكية على أراضيها نفسها في خضم مشكلة لم تكن تريدها (بالنسبة لتلك التي أرادت للحرب أن لا تحدث)، وباتت تلك الدول (بعضها أو بعض المؤسسات فيها) هدفا للقصف الإيراني المضاد، ولم ينفعها تنصلها من “المشاركة” ومحاولتها النأي بالنفس عن الأحداث، إذ ليس من المنطق بل من السذاجة، أن تتصور دولة ما مشاركة قاعدة على أراضيها في حرب بهذا الحجم، وتتنصل من المسؤولية (الكلية أو الجزئية لا يهم في هذه الحالة) عما يجري. فالدولة المضيفة للقاعدة تشبه حاملة الطائرات، التي تريد أن تدعي أنها غير مسؤولة عن القصف الذي تقوم به الطائرات الموجودة على متنها.
الأهم في ذلك، أن تلك الحرب أسقطت الذريعة الأساسية التي من أجلها “قبلت” تلك الدول وجود القواعد فيها، وهي الحماية من الأعداء. فالذي كان يعتقد أن وجود القاعدة هو درع لحماية دولته، اكتشف أنه لم يكن بالضرورة على صواب. بل ما حصل هو أن القاعدة أصبحت مصدرا لعدم الأمان وللتهديد لها، إذ أصبحت الدولة المضيفة هدفا لنيران دولة كانت تعتبر إلى وقت قريب دولة صديقة، وحولها صاحب القاعدة إلى معادية في لحظة، ودون الأخذ بالاعتبار موقف الدولة المضيفة ومصالحها، وحتى دون التشاور معها، ليس غالبا من باب “الثقة” بين “الأصدقاء” كما يمكن أن يعتقد، بل من زاوية استعلائية عنصرية، إذ أن الولايات المتحدة، وفي عهد ترامب أكثر من غيره، تملي رغبتها فقط، ولا ترى حاجة للتشاور مع أحد باستثناء إسرائيل بالطبع.
تبين بعد هذه الحرب، أن القاعدة الأجنبية لم توجد بالضرورة لخدمة مصالح دولتها وتقديم المنفعة للدولة المضيفة. فالذي حدث أن القاعدة تسببت في جلب الضرر للمضيف بشكل مباشر. لقد رأت “الدولة” بأم عينها أن القاعدة التي احتضنتها، هي من تسبب في وضعها في مخاطر كانت في غنى عنها من الأساس، وأنها أضافت إلى أعدائها أعداء أصحاب القاعدة، وهم في حالة أمريكا ترامب يتكاثرون بتسارع كبير، وفرضت عليها صديقا “جديدا” (إسرائيل)، مخاطر صداقته ليست أقل من مخاطر عداوته، إن لم تكن أكثر.
في النهاية لا بد من التأكيد، أن القاعدة العسكرية الأجنبية في دولة “ضعيفة”، لا يمكن أن تكون إلا دليل سيادة منقوصة، فالدول ذات السيادة الحقة، لا تقبل قواعد أجنبية على أراضيها، بل حتى لا تقبل قواعد في مجال أمنها القومي. ومن المهم هنا أن تدرك الدولة المضيفة، أن لا ضمانات البتة، على أن هذه القواعد سوف تخدم مصالح مضيفها في كل الحالات، بل غالبا ما ستكون عبئا ومصدرا لاستجلاب المشاكل.



