
إعلان الرئيس الأمريكي ترامب عن تأسيس ما يُسمى «مجلس السلام»، بمشاركة عدد من الدول من بينها المملكة المغربية، هذا يفتح نقاشاً عميقاً يتجاوز الحدث الدبلوماسي في الوقت نفسه ، ليطال جوهر النظام الدولي الذي بُني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالمسألة لا تتعلق فقط بتأسيس هيئة دولية جديدة، بل بطرح غير مباشر سؤال محوري – جديد: هل لا تزال الأمم المتحدة صالحة لإدارة السلم والأمن الدوليين، أم أن العالم دخل مرحلة البحث عن بدائل؟
من هذا المنطق يصبح مجلس السلام مشروعاً سياسياً بامتياز، يعكس تحولات في الرؤية الأمريكية لدور المؤسسات الدولية، ويكشف في الوقت نفسه عن أزمة بنيوية تعيشها منظومة الأمم المتحدة.
أولاً: مجلس السلام… قراءة في الفكرة لا في الهيكل
من الناحية القانونية الدولية والمؤسساتية، لا يمكن اعتبار مجلس السلام بديلاً مباشراً للأمم المتحدة. فالأخيرة تستند إلى ميثاق دولي، وشرعية قانونية، وعضوية شبه شاملة، بينما يظل مجلس السلام إطاراً انتقائياً، محدود العضوية في البداية ، وتقوم شرعيته خصوصاً على الإرادة السياسية للدول المنخرطة فيه، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
غير أن الاهتمام على هذا الجانب الشكلي قد يُغفل جوهر المسألة. فالقيمة الحقيقية لمجلس السلام لا تكمن في بنيته التنظيمية و الإدارية ، بل في الرسالة السياسية التي يحملها: التشكيك الصريح في قدرة الأمم المتحدة على أداء وظيفتها التاريخية، وتقديم معطى بديل يقوم على الفعالية بدل الإجماع، وعلى التحالف بدل الشمولية.
بمعنى أخرى، نحن أمام تحول في قراءة إدارة السلام الدولي، وليس مجرد إضافة مؤسسية جديدة.
ثانياً: لماذا ترى الإدارة الأمريكية الترامبية أن الأمم المتحدة فشلت؟
تنطلق رؤية واشنطن من قناعة راسخة مفادها أن الأمم المتحدة:
• أصبحت رهينة لتوازنات الفيتو داخل مجلس الأمن.
• عاجزة عن فرض قراراتها الاستراتيجية في النزاعات الدولية الكبرى .
• تحولت إلى ساحة للصراع السياسي أكثر من كونها آلية للحل.
اذن؛ هذا التقييم لا يقتصر على الخطاب الشعبوي، بل يجد مداه لدى عدد من الباحثين في العلاقات الدولية الذين يرون أن المنظمة الأممية لم تتطور بما يكفي لمواكبة التطورات العالمية والإقليمية:
• طبيعة النزاعات الجديدة (حروب غير تقليدية، فاعلون غير دول).
• تحوّل موازين القوة عالمياً.
• تراجع الالتزام الجماعي بالقانون الدولي.
في هذا الصدد ، يأتي مجلس السلام كـ أداة أمريكية لتجاوز ما تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية شللاً مؤسسياً مزمناً.
ثالثاً: مجلس السلام… بديل أم مسار موازٍ؟
التحليل الواقعي في العلاقات الدولية، يفرض التمييز بين ثلاث مستويات:
1 المستوى القانوني:
لا يمكن لمجلس السلام أن يحل محل الأمم المتحدة من حيث الشرعية القانونية الدولية.
2 المستوى العملي :
المجلس يسعى إلى ملء فراغ حقيقي في إدارة الصراعات ، خاصة تلك التي فشلت الأمم المتحدة في حسمها أو احتوائها.
3 المستوى الرمزي والتعبيري :
وهنا تكمن الخطورة الأكبر، إذ يمثل المجلس تشكيكاً مباشراً في احتكار الأمم المتحدة لشرعية “صناعة السلام”.
بالتالي، لا نحن أمام بديل كامل، ولا أمام مجرد هيئة مكملة، بل أمام نظام موازٍ قد يتحول مع الوقت إلى منافس فعلي إذا توسعت صلاحياته وعضويته.
رابعاً: البعد الأمريكي… إعادة تعريف القيادة الدولية
إنشاء مجلس السلام يتناسب بشكل كبير مع رؤية ترامب الأوسع للعلاقات الدولية، والتي تقوم على الاعتبارات الأساسية:
• تقليص الاعتماد على المنظمات متعددة الأطراف.
• تعزيز دور التحالفات المتعددة .
• إعادة مركزية القرار في يد القوى العظمى.
من هذا المنطلق ، فإن المجلس ليس مشروع سلام بقدر ما هو أداة ووسيلة لإعادة تشكيل النفوذ الأمريكي وتحالفاتها، في عالم لم تعد فيه واشنطن راغبة في تحمل كلفة نظام عالمي لا تتحكم في تداعياته.
وهنا يمكن القول إن مجلس السلام يعكس تحوّلاً من “الشرعية الدولية” إلى “الشرعية الواقعية”، حيث تُقاس جدوى المؤسسات بقدرتها على فرض النتائج، لا بمدى توافقها مع القواعد القائمة.
خامساً: المغرب ومجلس السلام… تموقع محسوب
انضمام المملكة المغربية إلى مجلس السلام لا ينبغي قراءته وتحليله كقطيعة مع الأمم المتحدة، بل كجزء من دبلوماسية التنويع الاستراتيجي التي تنتهجها الرباط مع شركائها الدوليين.
فالمغرب:
• يحتفظ بعلاقات مؤسسية قوية مع المنظمة الأممية.
• يشارك في بعثات حفظ السلام.
• لكنه في الوقت ذاته يسعى إلى تعزيز حضوره في المبادرات الدولية الجديدة.
المشاركة في مجلس السلام تمنح المغرب:
• موقعاً متقدماً في نقاشات الأمن والاستقرار.
• فرصة للتأثير في مقاربات الدولية جديدة لإدارة النزاعات.
• وتعكس صورته كفاعل مسؤول لا يراهن على إطار واحد فقط.
سادساً: هل انتهى زمن الأمم المتحدة؟
التكهن بانتهاء مهمة الأمم المتحدة قد يكون متسرعاً، لكنه ليس خالياً من الدلالة. فالاهم هو القول إن:
الأمم المتحدة تعيش أزمة شرعية وفعالية، لا أزمة وجود.
هي لا تزال قائمة، لكنها لم تعد قادرة وحدها على إدارة عالم يتسم بالتعددية القطبية، وتصاعد النزاعات و الأزمات المعقدة وتراجع الإيمان بالعمل الجماعي التشاركي. وعليه ؛ فمجلس السلام ليس إعلان وفاة لها، بل مشهد واضح لنكبات التآكل التي أصابت النظام الدولي الكلاسيكي .
وختاماً، مجلس السلام الذي أطلقته إدارة ترامب لا يشكل حتى الآن بديلاً رسمياً للأمم المتحدة، لكنه يمثل مؤشراً خطيراً على نهاية مرحلة وبداية أخرى. مرحلة تُدار فيها السلم والأمن عبر تحالفات انتقائية، ومبادرات تقودها القوى الكبرى، لا عبر مؤسسات جامعة. ويبقى السؤال المطروح :
هل سيقود هذا التحول إلى سلام أكثر فعالية، أم إلى عالم أقل شرعية وأكثر هشاشة؟ الإجابة لن تُحسم في البيانات، بل في نتائج هذا النموذج الجديد على أرض الواقع
جمال ايت لعضام
دكتور في العلاقات الدولية و القانون الدولي
بجامعة جلين ، تشانتشونغ الصينية .
مركز الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية





