
ـ (قراءة في حركية الجسد في فن الإيكيدو) للأستاذ: نور الدين حنيف أبو شامة ـ
أولاً: سياق الكتاب
ثانياً: دروس الجسد (نحو إعادة الاعتبار للجسد)
سياقان أساسيان لا بد من استحضارهما في دراسة هذا الكتاب:
أولهما: السياق الخاص المحيل على المؤلف نور الدين حنيف أبو شامة، المثقف المتعدد؛ فهو الشاعر المتمكن من صناعة الشعر فصيحه وزجله، وهو التشكيلي الذي يبدع اللوحة الفكرية، ولا يرسم الخطوط أو ينبهر بالألوان، وهو الروائي الذي سيفاجئ الكثيرين بصدور روايته الأولى المتميزة موضوعاً وبناءً ولغةً.
يعكس هذا التعدد طبيعة المؤلف المنفتحة والمتسامية عن التصنيفات الضيقة أو الحسابات المسمومة؛ لأنه لا يميز بين الأنواع والأصناف التي يعيد بناءها وفق ما أسميه “الإبداع المركب”، مثلما لا يميز بين الناس والمبدعين فيصنفهم على أساس قيمة ما يبدعون، وليس بناءً على طباعهم وتوجهاتهم… علينا، إذن، أن نسجل هذا التعدد المركب، وهذا الانفتاح المؤمن بالتعايش بين الأجناس والأنواع، وتجنب تصنيف المبدعين بناءً على الهوى والمزاج، وما يرتبط بهما من منافسة وغيرة وحسد… أقول ذلك استناداً إلى علاقة صداقة شخصية تمتد إلى ما يقارب الأربعين سنة، ومواكبة مستمرة لانشغالاته وكتاباته وإبداعاته الشعرية والتشكيلية والحكائية، ومواقفه المعلنة والمضمرة، وبوحه الخاص؛ تلك المواقف التي نتداولها معاً في لحظات الصداقة النبيلة والأخوة الصافية.
أما السياق العام الذي نضع فيه الكتاب فيرتبط بالالتفات الإيجابي، ثقافياً، لقيمة الجسد ودوره في بناء المعارف والأفكار والتصورات والمواقف والأحاسيس والعلاقات، وهو الاهتمام الذي تعكسه كتابات فلسفية واجتماعية، نذكر من أهمها كتاب “الفلسفة في الجسد” لجورج لايكوف ومارك جونسون، وهو الكتاب الذي ناقش فلسفات كثيرة لم تمنح الجسد قيمته التي يستحق، مما يعني أن الاهتمام به في الثقافات الإنسانية كان وما زال محدوداً؛ لذلك يقولان: (وكأننا أفَقْنَا أخيراً وتنبهنا إلى أن أجسادنا هي ما يصلنا بعالمنا وبالآخرين، ص 9). وفي الحقيقة فإن جملتهما هذه تصدق على كتاب حنيف؛ لأنه يجعلنا ننتبه إلى أن أجسادنا هي ما يصلنا بالعالم وبالآخرين… إذ يعلم المتابعون أن التصورات التي سادت في هذا المجال قامت على منطق الثنائية الحادة للعالم، والتي أساسها: المادة والروح، مع اعتبار الجسد موطن الرذيلة والمدنس والشرور (اللذة)، وأن الروح هي صاحبة الطهارة والنقاء والصفاء، وأن الجسد لا يمتلك قصديته الخاصة ونبله الممكن. ورغم أن بعض الاتجاهات اجتهدت في تقديم تصور إيجابي للجسد وفق ما نجده في حديث سبينوزا في كتابه “الأخلاق” بقوله: (من كان جسمه يملك عدداً كبيراً من الاستعدادات، كان الجزء الأعظم من نفسه أزلياً)، فإن الإطار العام الذي بقي متحكماً هو ذاك الذي لا يبوئ الجسد مكانة التميز والصفاء والطهارة؛ إذ هو مجرد وعاء للروح أو النفس، لذلك ما إن تغادره هذه الروح فإنه ينتهي ويتلاشى ويتبخر.
كتاب حنيف يجيبنا عن أسئلة فلسفية عميقة حتى وهو يتكلم فيه بتواضع العارفين فيصفه بتأملات ذاتية لا تستحضر العمق الفلسفي. تتحدد هذه الأسئلة التي يجيب عنها الكتاب في: هل يمكن لآلية فيزيائية هي الجسد أن تفكر؟ وهل يمكن أن تُسند إليها وظائف غير فيزيائية مثل العاطفة والتواصل والحوار؟ وهل يمتلك الجسم قصديته الخاصة؟
يدعونا كتاب “تأملات في الجسد (قراءة في حركية الجسد في فن الأيكيدو)” إلى الانتباه لمعجمه، حيث إن كاتبه لا يصف الأيكيدو بالرياضة فقط، بل يسميه فناً، وهي تسمية تتجاوز حرفية المعجم لتحمل إيحاءات متعددة تذكرنا بما تحدث عنه تولستوي في كتابه: “ما الفن؟”. وبهذه الصفة يصبح هذا الجسد آليتنا للتفاعل مع العالم وامتلاكه. ورغم أن هذه النتيجة توجد في تصورات أخرى، وفي ثقافتنا العامة، فإن قيمة الكتاب تبرز في كونه بيَّن لنا كيف أن هذا التملك للعالم بواسطة الجسد لا يتم بالقوة، بل بالتفاعل مع الآخر والتعايش معه والتسامح مع وضعه، وهو ما يعني التغيير الكلي لوظائف هذا الجسد.
وظائف اختزلها في ستة دروس هي:
الدرس الأول: رسالة الكتاب إلى قارئين مختلفين
تبدو قيمة هذا الكاتب في مخاطبة قارئين اثنين: هما الشخص الممارس لرياضة (فن) الأيكيدو؛ لأنه سيجد فيه الخلفيات الاجتماعية والنفسية والروحية لممارسته التي تتجاوز كونه مجرد رياضة لتقوية الجسد والتحكم في مفاصله إلى كونه تجربة عميقة يتفاعل فيها الجسد والروح، لذلك فإنه: (مجموعة من التقنيات الخاصة بالدفاع وتعتمد على قوة الشريك كي تمارس حضورها كنقيض للفعل الراضي العنيف، ص 72)، وإنها رياضة تربية على التفاعل مع الآخر، لذلك فهي: (غير تنافسية بالمفهوم المرتبط بالمغالبة والغلبة، ص 81)، وإنها رياضة: (مبنية على تبادل الخبرات عبر الدخول السلمي في سديم التفاعل المنسجم، ص 83). ها هنا يمكن لهذا القارئ الانتباه إلى التغيير الذي يطول مفاهيم المنافسة الرياضية من قبيل: الصراع والمواجهة والانتصار والهزيمة… والخصوم… أي إن الحقل الدلالي للرياضة يستبدل مفاهيم بأخرى، ومعه يستبدل أحكام قيمة بقيم إيجابية.
سيفهم الممارس لهذه الرياضة دلالات الحركات وأبعادها، ورمزية اللباس ووظيفته؛ مما يجعلها رياضة (فناً) مؤسسة على التربية على ما يسمى في الأدبيات المعرفية “الأخلاق الآسيوية” التي تحدث عنها أمارتيا سن في كتابه “الهوية والعنف”، وهي الأخلاق المؤسسة على الجدية والانضباط والتسامح والتعايش والقبول بالآخر. وهذا الفهم مهم للممارس لأنه يسمح له باستيعاب قيمة ما يقوم به، والخروج من قوقعة الممارس إلى دروس التمثل.
القارئ الثاني الذي يمكنه الاستفادة من هذا الكتاب هو القارئ غير الممارس الذي يرى في الأيكيدو مجرد رياضة شأنها شأن باقي الأنواع… سيفهم هذا القارئ أن لهذه الرياضة تصوراً خاصاً للأجساد، وأن لها فهماً خاصاً للحركات واللباس، وتصوراً لدور الآخر ووظيفته، فكيف يتحقق ذلك؟… هذا ما يقدمه الدرس الثاني.
الدرس الثاني: أبعاد الجسد
يقدم الكتاب للقارئ التصور المؤطر لمعنى الجسد في هذه الرياضة، وهو التصور الوافد من الشرق الآسيوي والذي يقدم مساحات شاسعة للتصالح بين الجسد والروح، بما يعنيه ذلك من تجاوز منطق الثنائيات والهوية المغلقة التي يقود الأخذ بها إلى الصراع والمواجهة. وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى أن الخلفية الفلسفية لهذا التصور تتأسس على المنطق الآسيوي أو المنطق المتدرج المتجاوز للثنائيات الضدية؛ لأنه يؤمن بأن شبكة العلاقات مؤسسة على التضاد والتناقض وشبه التضاد والتضمن، ويأخذ بالتضمن وشبه التضاد حيث يصبح التفاعل بديلاً عن التناقض، وبالتالي عن الصراع والمواجهة لتحل محلهما مفاهيم الشراكة والشريك والتفاعل، ويصبح معها التعايش بين الأضداد والنقائض ممكناً، وتصبح ثقافة التسامح موجهة للسلوكات والمواقف.
الجسد وفق هذه الرياضة مرادف لمفهوم اليقظة على نحو ما يقدمه الكاتب بمثال (الكاتانا)، وهو سيف مستقيم في رأسه تقوس بنسبة قليلة جداً وبحد مَضاء واحد، وبطول سبعين سنتيمتراً… وعند مواجهة الشريك يُختزل الجسد في حاسة البصر التي ينبغي أن تبقى متيقظة وموجهة إلى الشريك دون تنقيص من قيمته أو التراخي في التعامل معه، ودون رغبة في هزيمته المطلقة المرادفة للموت؛ لأن (فن الأيكيدو لا يكرس ثقافة العنف والإقصاء، ص 31). ومعنى ذلك أن هناك تغييراً في وظيفة الجسد الرياضي التي تنحو في الرياضات الأخرى إلى النصر وهزيمة الأغيار وتعنيفهم، حيث إن الشريك هنا محفز، وليس عدواً ينبغي قهره وهزمه شر هزيمة… وهو ما يعني أيضاً أن فلسفة هذه الرياضة قد حولت الجسد من ماديته الصرفة إلى آلية إنسانية.
إضافة إلى ذلك، يسمح لنا هذا الفهم للجسد بتعديل بعض تمثلاتنا عن وظائفه، ولعل المثال الدال هنا هو حديث الكتاب عن رقص الجسد؛ ذلك المفهوم الذي يرى فيه الكثيرون فعلاً غير إيجابي، بينما هو أساس إيقاعات الأيكيدو لأنها أساس التحكم في الجسد: (هي سلسلة من الحركات المبنية بإيقاعات خاصة تمهد للممارس فكرة التحكم في الجسد انطلاقاً من تمريره على اللف والدوران في افتراض مواجهة الآخر الموصوف بالخصم في رياضات أخرى، والذي تسميه فلسفة الأيكيدو بالمشارك أو الشريك، ص 41). وفي هذا التوصيف ما يدعو إلى التفكير في وظيفة هذه الحركات في الفكر الصوفي وغيابها لدى الفئات الأخرى.
الدرس الثالث: الجسد والآخر
لا يتم توظيف الجسد لقهر الآخرين والتغلب عليهم وطرحهم أرضاً؛ فـ (الآخر شريك في بناء منظومة التواصل السلمي عبر حركات وتقنيات ومسكات تبدو في أول وهلة ولغير ناظر متفحص أنها من بنات العنف، لكن الرؤية الشاملة لفسيفساء العلاقة بين الممارس والشريك تفيد نقيض ذلك تماماً، ص 46). فما الذي يقود إليه هذا الفهم لوجود الآخر في حياتنا؟
إنه يقودنا إلى الإيمان بأن الجسد أداة الاشتغال داخل الفضاء المشترك، وإلى التسامح الذي يمتص أشكال العنف في لغة جسدية انسيابية يؤطرها تنفس عميق ويوجهها إلى غايات نبيلة. ومعنى التسامح هنا ليس ما يفهمه عامة الناس، بل إنه الانسجام في الاختلاف والقبول بالآخر المختلف عنا جسداً واعتقاداً. وهنا قوة هذا الفهم العميق لمعنى الجسد ويقظته.
الدرس الرابع: سيميائية العلامات والإشارات
يقدم لنا الكتاب مادة مهمة وتحليلاً عميقاً للمواد التي يتعامل معها الجسد، حيث لا يبقى اللباس مجرد خرقة نستره بها، وليس لوناً نميزه به… ها هنا تتغير وظيفة السيف المصاحب للجسد؛ إنه ليس آلة حربية للمواجهة، بل إن له وللباس رموزاً ودلالات.
يحدثنا الكتاب عن “الهاكاما”؛ أي السروال الذي يرتديه ممارس الأيكيدو، والذي يخرج عن دائرة العلاقة العادية مع الجسد فيُعامل معاملة احترام وتبجيل في طريقة طيه وارتدائه، بل إنه يصبح في شكله حاملاً للقيم الإيجابية التي يُشحذ بها الممارس الذي يتعامل معه باعتباره طقساً روحياً سواء في الركوع أو في التركيز المرافق لطيه المرتبط بسبع فضائل هي: الكرم، والعدالة، واللباقة، والحكمة، والصدق، والوفاء، والتفاني.
الأمر نفسه ينطبق على قراءة حركة سقوط الجسد؛ لأنها حركة مبنية بطريقة توازنية وانسيابية عارفة بتحولات الجسد ومفاصله كي تحافظ على سلامته برشاقة نزوله أرضاً دون تعثر أو إيلام، فيصبح سقوط الجسد مهارة، وهو ما يقدم درساً بليغاً عبرت عنه الفلسفة الإيجابية بالقول: ينبغي تحويل الأزمات إلى ديناميات وفرص.
هذه القراءة السيميائية للجسد وما يرتبط به نجدها كذلك في حديث الكاتب عن “الكاتانا”؛ أي السيف الياباني الطويل النصل والحاد من جهة واحدة، وكيفية تعامل الجسد معه.
الدرس الخامس: الجسد آلية تربوية
يقدم الكتاب تصورات عميقة تفيد المجتمع في فهم الميكانيزمات التي تحكم الجسد، وتقدم له أدوات كفيلة بمساعدته على تجاوز أعطابه المتعددة… أمثلة ذلك كثيرة، نمثل لبعضها بالتربية على القيم حيث يرى الكاتب أن التصورات المعتمدة في الأيكيدو قابلة للتكيف والتطويع بحسب خلفيات كل مجتمع، ورغم أن مسألة التكييف هذه ليست بسيطة في ظل مجتمع مشبع بثقافة الثنائيات، إلا أن الفكرة تستحق الاهتمام من خلال الجواب عن سؤال: كيف يمكن لمجتمعنا الاستفادة من هذه التصورات لتعديل تمثله للجسد وعلاقتنا به؟ وكيف نستثمر هذا الفن للتربية على العيش المشترك؟
المثال الثاني يبين أن ممارسة الرياضات ليست مقصودة لذاتها، بل إنها مؤسسة على خلفيات فكرية وفلسفية ينبغي الوعي بها كي لا تتحول الأجساد إلى آلات للطحن والقهر والمفاخرة… أما المثال الثالث فهو أن الآخر ليس عدواً، بل شريكاً يمكننا دائماً إيجاد مساحة مشتركة بيننا وبينه لضمان العيش المشترك.
الدرس السادس: مسار التأملات
اختار حنيف صيغة “التأملات في الجسد” من خلال ممارسته الشخصية للأيكيدو، وهو إذ يفعل ذلك فإنه يتحدث بتواضع الكبار، أولئك الذين قال عنهم المتنبي: ملأى السنابل تنحني بتواضعٍ *** والفارغاتُ رؤوسُهنّ شوامخُ
ورغم قساوة معنى البيت، فإن استحضار دلالاته أحياناً يكون مفيداً إنصافاً للكبار المتواضعين، وتذكيراً للآخرين غير المتواضعين والعدوانيين أحياناً كثيرة، مع الدعاء لهم بالهداية والتواضع.
أقول ذلك وأنا أستحضر قوة ما كتبه حنيف؛ قوة مستمدة من تساؤلات واستشهادين. أما التساؤلات فهي: ماذا سيحصل لو أن كل ممارس لرياضة أو مهنة أو مسؤولية كتب لنا تأملاته المعتمدة على ممارسته؟ وما الذي سيجنيه الناس من كل ذلك؟
أما الاستشهادان فأساسهما فيلسوف كبير ومفكر مقدر كتبا لنا تأملاتهما فقدَّما لنا ما يفيد:
الأول: هو الفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس الذي كتب كتابه “التأملات”؛ دوَّن فيه تأملاته وهو في ساحة الحرب، فقدم جواهر فكرية لا تضاهى وحكماً عميقة.
والثاني: هو المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد الذي كتب تأملاته في الجسد الراقص دون أن يحس بالنقص وهو يتحدث عن تحية كاريوكا، ثم كتب لاحقاً كتاباً عنوانه “الأسلوب الأخير”، وهو عبارة عن تأملات في الموسيقى وآلاتها.
لذلك أختم بالقول: ما أحوجنا إلى مثل هذه التأملات، وما أحوجنا إلى مثل هذا التأمل؛ لأنه يغير زوايا نظرنا للكثير من الأشياء، ويجعلنا ندرك أن فهم خلفيات الممارسات والسلوكات ضروري لتقديرها.





