د عبد السلام بوطيب*: في ضرورة العقل ، و عقل العدالة الانتقالية في زمن انهيار المعنى

ـ بمناسبة نيل مركز الذاكرة المشتركة لجائزة ابن رشد للوئام في الذكرى التسعمائة لميلاد الفيلسوف الأندلسي ـ

يأتي تتويج مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، بمعية مؤسسة الثقافات الثلاث، بجائزة ابن رشد للوئام في الذكرى التسعمائة لميلاد الفيلسوف الأندلسي، في لحظة سياسية بالغة الدلالة. فهذا التتويج ليس مجرد اعتراف بمسار مؤسساتي ممتد، بل رسالة سياسية صريحة في مواجهة موجة الاستقطاب الصاعدة، وتآكل منظومة الحوار داخل الفضاء العمومي، وتراجع قدرة المجتمعات على إدارة اختلافاتها بالعقل والحجة بدل القوة والإقصاء.
والجوائز، في المنظور المؤسساتي الجاد، لا تمثل غايةً في ذاتها، بقدر ما تشكل تكليفاً بمواصلة الاشتغال على الأسئلة الصعبة التي يطرحها الواقع. ومن هنا، فإن السؤال الذي تفرضه هذه اللحظة ليس سؤال الاحتفاء بل سؤال المسؤولية: ما الدور الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسات الحقوقية والفكرية المستقلة حين تنهار آليات الوساطة السياسية التقليدية، وحين يتحول الفضاء العمومي إلى ساحة للتخوين المتبادل والتبسيط الإيديولوجي؟

لا يُراد باستحضار ابن رشد في هذا السياق مجرد استدعاء إرث فلسفي مجيد، بل إعادة طرح إشكالية ذات راهنية سياسية حادة، تتعلق بالعلاقة بين العقل والسلطة، وبين إدارة الاختلاف والاستقرار السياسي. فقد عاش ابن رشد في زمن كان التفكير النقدي يُعرّض أصحابه للنفي والملاحقة، ومع ذلك ظل مدافعاً عن مبدأ أن الاختلاف لا يُحسم بالقوة بل يُدار بالعقل والحجة، وأن الوئام لا يعني التطابق بل القدرة على التعايش المنتج بين المتعارضين.
واستحضاره اليوم يعني، سياسياً وفكرياً، الانحياز الصريح لمبدأ أن الوئام الحقيقي لا يقوم على إسكات الأصوات المخالفة أو احتوائها، بل على بناء إطار عقلاني ومؤسساتي يتيح لهذه الأصوات أن تتنافس وتتحاور وتُسهم في إنتاج القرار الجماعي. وهو موقف يرفض ضمنياً نموذجَي الاستبداد الذي يفرض الوحدة بالقسر، والفوضى التي تذوب فيها الفوارق بين الحوار والصراع. إن عقل ابن رشد، بهذا المعنى، ليس تراثاً يُحتفى به، بل منهج يُستعمل ومرجع يُحتكم إليه في مواجهة أزمنة الانقسام.

لقد كشفت التحولات السياسية المتسارعة، في المنطقة العربية ومنطقتنا كما على الصعيد الدولي، عن أزمة بنيوية في النماذج الديمقراطية السائدة. فقد أظهرت تجارب مسارات الانتقال الديمقراطي أن الاستقرار لا يُصنع بالإصلاحات الدستورية الشكلية وحدها، بل يتطلب بناء عقد اجتماعي حقيقي قائم على توزيع عادل للسلطة والاعتراف بالتعدد.
وفي هذا السياق، بدأ مفهوم “العيش المشترك” يُظهر حدوده السياسية. فهو مفهوم نشأ أساساً في سياق إدارة مرحلة ما بعد الصراع وتجاوز إرث الانتهاكات الجسيمة، مما أضفى عليه طابعاً دفاعياً وقائياً أكثر منه بنّاءً واستشرافياً. فقد ظل، في جزء من منطقه الداخلي، محكوماً بهاجس إدارة الاختلاف واحتواء التوتر، لا بطموح تحويل التعدد إلى قوة منتجة لمشروع سياسي جماعي. وقد أدّى، في مرحلته، وظيفة تاريخية لا يمكن إنكارها، غير أن استنفاده لطاقته لا يعني التخلي عنه، بل تجاوزه نقدياً نحو أفق أوسع وأعمق.

غير أن الانتقال من أفق “العيش المشترك” إلى أفق “البناء المشترك” لم يكن ليتحقق لولا وجود جسر يربط بينهما، وهذا الجسر هو العدالة الانتقالية بما تحمله من منهج ونزاهة وأدوات.
فالعدالة الانتقالية، في جوهرها، ليست مجرد آلية لمعالجة الماضي وجبر ضرر الضحايا، رغم أن ذلك شرطها الأول وركيزتها الأساسية. إنها، في أعمق معانيها السياسية، منهجية لتحويل الجرح الجماعي إلى وعي جماعي، ولتحويل الذاكرة المتضاربة إلى مشترك تأسيسي يُغذّي المستقبل لا يُثقله. وبهذا المعنى، فهي تبدأ حيث ينتهي “العيش المشترك” في صيغته الدفاعية، وتفتح الطريق نحو “البناء المشترك” في بُعده الاستشرافي.
فحين تُقرّ العدالة الانتقالية بالحقيقة، فهي لا تنبش الجراح بلا هدف، بل تُرسي ثقافة المساءلة التي تجعل العودة إلى الانتهاك أمراً مكلفاً سياسياً وأخلاقياً. وحين تعمل على جبر الضرر، فهي لا تُعوّض الأفراد فحسب، بل تُعيد تأهيل الرابطة الاجتماعية المتصدعة بين الدولة والمواطن. وحين تشترط ضمانات عدم التكرار، فهي تُؤسس للمؤسسات والقواعد التي يقوم عليها أي بناء ديمقراطي حقيقي.
وقد جسّدت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة بالمغرب هذا البُعد القنطري بامتياز؛ إذ أتاحت للمجتمع أن ينظر في مرآة ماضيه دون أن يُدمّره هذا النظر، وأن يبني لغة مشتركة بين الضحايا والمؤسسات والمجتمع، وأن يُحوّل الاعتراف بالانتهاكات إلى التزام بعدم تكرارها. فكانت بذلك، في آنٍ واحد، ختاماً لمرحلة وافتتاحاً لأخرى.

لذا يقترح منظورنا للانتقال إلى مفهوم “البناء المشترك” تحولاً نوعياً في الرؤية السياسية. فعلى صعيد الشرعية السياسية، يعني الانتقال من شرعية قائمة على إدارة الموروث التاريخي وتجاوز الانقسامات القديمة، إلى شرعية قائمة على القدرة على بناء رؤية جماعية للمستقبل تُشرك في صياغتها مختلف المكونات الاجتماعية والثقافية واللغوية. وعلى صعيد السياسة العمومية، يعني الانتقال من سياسات تدبير التوتر، إلى سياسات تُحوّل التعدد الثقافي والهوياتي إلى رافعة للتنمية الديمقراطية المستدامة.
وعلى صعيد الحوكمة، يعني الانتقال من نماذج التوافق السلبي القائم على تجنب الخلاف، إلى نماذج التشاور الفعّال القائم على تنظيم الخلاف ضمن قواعد مؤسساتية واضحة وعادلة. أما على صعيد السياسة الثقافية، فيعني الاعتراف بأن المؤسسات الثقافية، كالسينما ومهرجانات الحوار وجوائز الذاكرة، لا تؤدي دوراً هامشياً، بل وظيفة سياسية استراتيجية تتمثل في إعادة تشكيل التمثلات الجماعية وبناء الروابط التي تُرسّخ التماسك الوطني فوق خطوط الانقسام الهوياتي.
وفي هذا التصور، لا يعود الاختلاف معطىً ينبغي تدبيره أو احتواؤه فقط، بل يتحول إلى مورد يمكن استثماره ضمن إطار جامع قائم على المشترك الوطني والتاريخي والمؤسساتي.

لذا فالعالم اليوم أمام استحقاق عقل ابن رشد ونزاهة العدالة الانتقالية، لذا لم يعد بإمكان العالم اليوم، في خضم صراعاته المتصاعدة وأزماته الديمقراطية المتتالية، أن يكتفي بإدارة التوترات أو احتواء الانقسامات. فالرهان الحقيقي أصبح أشد عمقاً وأبعد أفقاً: إنه رهان بناء مستقبل مشترك تحكمه قيم العقل والعدل والكرامة معاً.
وفي هذا السياق، يبدو أن عقل ابن رشد ونزاهة العدالة الانتقالية يشكّلان معاً منهجاً متكاملاً لمواجهة هذا التحدي الحضاري. فعقل ابن رشد يُعلّمنا أن الاختلاف ليس عائقاً أمام الوحدة بل شرط إنتاجها على أسس راسخة، وأن الحوار بين المتعارضين لا يُفضي إلى الفوضى بل إلى الحقيقة حين يخضع لقواعد العقل والمنطق. أما نزاهة العدالة الانتقالية، فتُعلّمنا أن بناء المستقبل لا يمكن أن يقوم على النسيان القسري أو الإفلات من العقاب، وأن المصالحة الحقيقية لا تُنجز بتجاوز الحقيقة بل بالمرور عبرها.
إن العالم مدعوٌّ اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى استلهام هذين الدرسين معاً: أن يُدير اختلافاته بعقل ابن رشد لا بمنطق الإقصاء والقوة، وأن يُؤسس لمستقبله بنزاهة العدالة الانتقالية لا بثقافة الإفلات من المساءلة. فالوئام الحقيقي، ذلك الذي تستحضره الجائزة في اسمها ومعناها، ليس هدنةً مؤقتة بين المتنازعين، بل مشروع سياسي وحضاري دائم يقوم على ثلاثة أعمدة متلازمة: الاعتراف بالحقيقة، والتزام العدل، وبناء المستقبل المشترك على أساسهما معاً.
وما تواجهه المجتمعات اليوم ليس أزمة تعدد، بل أزمة مؤسسات عاجزة عن استيعاب التعدد وتحويله إلى قيمة مضافة. ومن ثمة، فإن مفهوم “البناء المشترك” لا يطرح نفسه بديلاً فلسفياً مجرداً، بل برنامجاً سياسياً ومؤسساتياً يُعيد تعريف العلاقة بين الحقوق والسياسة، وبين الذاكرة والمستقبل، وبين الاختلاف والمشترك الوطني. وهو، في نهاية المطاف، ما كان ابن رشد يدافع عنه حين جعل من العقل لا القوة المرجعَ الأول لتنظيم الاجتماع السياسي، وما تجسّده العدالة الانتقالية حين تجعل من الاعتراف بالجرح شرطَ الشفاء الجماعي ومدخلَ البناء المشترك.

*رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم

Exit mobile version