ما فتئ السيد سعد الدين العثماني، يصرّح ويعيد، هروبًا من ممارسة النقد الذاتي والاعتراف الصريح بالخطإ والاعتذار عنه للمواطنين، كما طالبه بذلك أغلب مُنتقديه، بأن قرار التوقيع على اتفاقية التطبيع كان قرارَ دولة ( أي قرار السلطات العليا في الدولة) وليس قراره الشخصي، وفي هذا تنصّل من المسؤولية مع أنه شريك كامل فيها. ولكنه لا يكتفي بهذا، وإنما يزعم للناس، أن التوقيع على التطبيع لا يعني القبول به، وأنه ما زال معارضًا له منذ خمسة وعشرين عامًا، كما جاء في عدد من تصريحاته. وتلك مغالطة ومراوغة واستغفال لعقول الناس. فكيف يكون المرء رافضًا للشيء شفويًّا، وقابلاً له وموقّعًا عليه كتابيًّا، إلا في حالة التناقض وازدواج الشخصية؟ أما الذين زعموا من المدافعين عنه، أنه لم يكن على علم حتى بما وقَّع عليه، فكلامهم هذا، إن صحّ، يزيد من ثقل مسؤولية الرجل ولا يخففها عنه. ولا يمكن أن نتصور شخصًا في أعلى مراكز السلطة كمركز رئيس الحكومة، ثم يزعم أنه وقع على وثيقة بهذا الحجم من الخطورة دون أن يطلع على مضمونها. فأي عبث واستهتار بالمسؤولية أكثر من هذا؟
وهنا نفهم قمة ما وصلت إليه دراما الصراع في نفسية الرجل بين جانبين من شخصيته: جانِب داخلي هشّ وضعيف ومتذبذب لا يستطيع رفض التوقيع ولا يملك إلا الانصياع للأمر، وجانب آخر تسويغي تعليلي يحاول أن يُرضي به ضميره وحزبه وجمهوره، ويُظهره من الخارج متماسكًا ومحافظًا على قدر من الصلابة والمصداقية. ولكن هيهات أن يتغلب المَظهَر على المَخْبَر. فالرجل سرعان ما خانه اللسان الذي أفصح عن المكنون. فها هو ذا يصرح في حوار آخر قائلاً: « أنا لا يمكنني أن أهدم وطني وأبني أُمَميات موهومة». فمفهوم هذه العبارة ومنطوقها معًا يصرحان بأن حادثة التوقيع لم تكن خارج إرادته وبعيدة عما يؤمن به ويفكّر فيه في قرارة نفسه. بل الحقيقة أنه أقبل عليها واستجاب لها بملء رضاه واقتناعه، لأنها تتفق مع توجهه الفكري والإيديولوجي، وهو إعطاء الأسبقية لما هو وطني على ما هو « أممي» متوهَّم. وما هي هذه الأممية المتوهمة التي يقصدها؟ إنها الأممية العربية بالطبع، أي الانتماء لمنظومة العالم العربي (المكونة من مجتمعاته وشعوبه على الأقل) التي تُناصب العداء للمنظومة الإسرائيلية التي تحاول بناء حلفٍ أو «أممية» خاصة بها عن طريق الاتفاقيات الإبراهيمية وحشد أنصار التطبيع لشق الصف العربي وضرب بعضه ببعض. فإسرائيل التي لا يمكن لها أن تعيش وحدها وسط بيئة مُعادية لها، لا ترى ما يضمن بقاءها إلا بتمزيق الوحدة العربية وتقسيم القرار، وكسب ما يمكن كسبه إلى جانبها لتكوّن به حلفًا يصارع ويحارب ما بقي عصيًّا عليها.
ثم كيف يكون الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية مناقضًا لحب الوطن والعمل على بنائه، إلا في منطق من يرفع شعار: « تازة قبل غزة» المتهافِت؟ فلا تازةَ خدموا وبنوا ولا غزة ناصروا وآزروا. وكيف يمكن للمغرب أن يعيش بمعزل عن أمته العربية الإسلامية وهو يتلو قول الله: ( إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، والدول العربية وشعوبها جزء لا يتجزأ من هذه الأمة الواحدة التي أُمِرنا بالاعتصام بحبلها والوقوف معها وفي صفها وألا نتفرَّق أو نبتعد عنها( واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا)؟ وهل مناصرتنا للقضية العربية والإسلامية الأولى يَحول بيننا وبين بناء وطننا على النحو الأمثل؟ وهل الانجرار في حبل التطبيع كما تُجرّ الخرفان التي لا تنظر إلى مواقع أقدامها وزَلَلها، هو البرهان الحق على أننا نريد خدمة مصالح بلادنا العليا، أم أنه بإمكاننا أن نبني وطننا ونحن متحرّرون من التبَعية المُذلّة للصهيونية العالمية، ونتقوّى على ذلك بإخواننا وأشقائنا الذين نشاركهم الدم والتاريخ والحضارة والدين واللغة والجغرافيا والقيَم، ونضع أيدنا في أيديهم امتثالاً لتعاليم ديننا الحنيف؟ وهل نبني وطننا بالشوفينية والعنصرية العرقية والطائفية والانغلاق التام على الذات؟ أين الإسلام من كل هذا؟
إننا نفهم فهمًا جيدا مرجعية الرجل في نفوره من فكرة اندماج المغرب في محيطه العربي، ورفضه الانتماء إليه، فهما راجعان إلى نزعته الشعوبية والقَبلية الضيقة التي لم يستطع التغلّب عليها رغم تضلعه من العلم الشرعي، وهي نزعة مهلكة قاتلة تعمل على تشتيت شمل الأمة وتمزيقها، بل هي التي تؤدي بالكثيرين من أمثاله إلى تضييق مفهوم «الأمة» وجعلها مقصورة على حدود التراب الوطني حيث تعيش قبيلة أو مجموعة قبائل يجمعها العرق والتراب والدم، ونسيان المفهوم الواسع للأمة كما وضعه الإسلام، وهو المفهوم الذي يتجاوز الحدود الجغرافية والعِرْقيات والقوميات والنزعات الطائفية، ليشمل الدين والحضارة والتاريخ واللغة والثقافة والهوية المشتركة. وهذا المفهوم الواسع الشامل العابر للحدود الترابية والمتسامي على العرقيات والعصبيات، هو الذي ينبغي ــ من منظورنا نحن على الأقل ـــ على كل عالِم عامِل ومثقف ومفكر منتمٍ إلى الأمة الإسلامية أن يعمل له ويدافع عنه، ويملأ به قلبه ووجدانه.
وقد لاحظنا ميل الرجل إلى الانحياز للعصبية القبلية والعرقية منذ أن أسندت له المهمة الأولى في الحكومة التي شغل فيها منصب وزير للخارجية، ففي أول اجتماع له بنظرائه في الدول المغاربية، قام بدعوتهم إلى حذف كلمة (المغرب العربي) الموجودة في النص التأسيسي والاسم الرسمي لمنظمة الاتحاد المغاربي الموجود مقرها منذ إنشائها بالرباط. ثم حين أسندت إليه رئاسة الحكومة زاد ميله إلى نزعته الضيقة بتبنّيه موقفًا معاديًا للغة العربية، ـوإن تظاهر بعكس ذلك. بل لقد تم بإشرافه وموافقته ومباركته، إصدارُ ذلك القانون المشؤوم (القانون الإطار للتعليم 2019) الذي بمقتضاه تم التخلص من العربية في تلقين كل المواد العلمية بعد تجربة طويلة دامت أربعة عقود سابقة. ولو أُوكلَ إليه الأمر بعد ذلك، لدعا جهرًا إلى الخروج من منظمة الجامعة العربية وكل ما يمتُّ إليها بصلة.
إذن، خروج سعد الدين بمواقف متناقضة، بين كلام يرفض التطبيع من جهة، وفعل يمارس به التوقيع على اتفاقية التطبيع وتوسيع الخلاف العربي الإسلامي، ما هو، إلا انعكاس لشخصيته القَلقِة والمضطربة والمتناقضة، تؤمن بشيء ولا تقوى على المجاهرة به (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم). من جهة أولى، وما هو من جهة أخرى، إلا مسايرة لنزوعه الفكري والإيديولوجي الذي يعكس حقيقة ما يؤمن به في أعماقه، وهو إضعافٌ وتوهينٌ لكل ما يربط المغرب بمحيطه العربي من لغة وثقافة وحضارة وتاريخ، لأنه من أصحاب مقولة: «تازة قبل غزة» أو مقولة « المغرب أولاً»، أو مقولة « تمغربيت»، ونحو ذلك من الشعارات التي تقال باللسان والمرادُ بها هو ما خفي في النفس الوجدان. شعارات لا يستفيد منها إلا أعداء الأمة وفي مقدمتهم الصهيونية العالمية والمتحالفون معها. وليست الغاية من إعادة إنتاج ظاهرة العثماني وتدويرها وتسويقها وإخراجها للنقاش واستكتاب المناصرين واستدعائهم للحضور والخروج بشكل ملحوظ في هذه الأيام التي رفع فيها المغرب الرسمي مستوى العلاقة مع الكيان الغاصب إلى مستوى تبادل السفراء، إلا الوصول إلى شق الصف المغربي من هذه القضية، بصفة عامة، وصف الإسلاميّين خاصة وتهديدهم بإمكانية إعادة إحياء ظاهرة العثماني أو صُنع شبيه له في حالة استمرار مواقفهم المتصلبة من التطبيع. وهذا الأمر لم يعد خافيًا على عدد من أصدقائنا وزملائنا الذين كتبوا أيضًا تعليقات مفيدة على ما أصبح يعرف اليوم ب« قميص العثماني» الذي يرفعه بعض أنصار التطبيع للتشويش على وحدة الموقف الشعبي المغربي الذي ظل صامدًا عليه لحد الآن من هذه القضية وما يلحق بها من قضايا التطبيع ونتائجه الكارثية على أوطاننا وأمتنا.

مديونية المغرب تتجاوز 1.115 مليار درهم.. فاتورة خدمة الدين تضغط على موارد الخزينة
نقابة تصعّد ضد غلاء المحروقات وتطالب الحكومة بإجراءات اجتماعية ملموسة
مشروع ميزانية 2027 بالمغرب.. لقجع يتعهد بكبح العجز ومواجهة الاحتكار وسط رهان اجتماعي ثقيل
د عز الدين بونيت: الحكومة والدستور…