د عز الدين بونيت: لقجع وملاييره المهدورة ..

من السهل أن نرى في تصريح فوزي القجع بخصوص الملايير المهدرة خلال سنوات عهدة الحكومة المنتهية ولايتها، وهو العضو في تلك الحكومة، ضحكا سخيفا على الذقون، يبرهن على أن هؤلاء المتنافسين على “أصوات المغفلين” الذين سيتوجهون الى المعازل والصناديق يوم 23 شتنبر، يعتبروننا بلهاء وسذجا، بما يكفي لنثق بهم مرة أخرى.

ولأنني واحد من هؤلاء “المغفلين” المبدئيين، فإنني لا أسمح لنفسي بالركون الى هذه النظرة، فأطالب، كما فعل عدد من أصحاب الرأي ، بضرورة استدعاء القجع للمثول امام النيابة العامة لتقديم إفاداته في صوء تصريحه الذي هو بمثابة إقرار بالفساد والحكامة السيئة، والعبث الصريح بثروات الشعب. ولأنني لا أريد ان اكون مغفلا ميؤوسا منه، عرضت تصريح القجع على زاوية اخرى من النظر أعتبر انه لا مناص من تسليط الضوء عليها، اذا كنا لا نريد ان نكتفي بتكريس ما تعودنا عليه في نقاشنا السياسي من ان هناك مسرحية رديئة تدار فصولها أمام اعيننا ويراد منا ان نتقمص أحداثها حتى النخاع: الدولة/ المخزن/ القصر/ هذه القوة الغامضة البارعة في حبك التسويات من اجل ابقاء الوضع على ما هو عليه: ديمقراطية مغشوشة، وفساد راسخ الأركان، واستنكاف عن الاصلاحات الحقيقية…. الى غير ذلك من الكليشيهات القارة التي لا تستدعي مساءلة ولا نفاذ بصيرة. هل هذه وحدها هي الإعدادات الممكنة لقراءة واجهتنا السياسية المعقدة؟ الا يوجد اي مسار آخر لفهم مشهدنا السياسي سوى من زاوية البؤس والتيئيس والتبخيس؟ أليس بإمكاننا ان نجتهد اكثر لفهم ما نتعرض له بطرق ربما تكشف لنا زوايا اخرى من التحولات التي تقع في حياتنا السياسية؟

من واجبي ان أدلي برأيى المختلف نوعا ما عما هو رائج، وأقول:

لقد حان الوقت لإطلاق عقال الكلام السياسي في قضايا التدبير الفعلي، وليس في الترتيبات الايديولوجية التي برعنا فيها خلال العقود الماضية. وهذا يحتاج الى دربة يتعاون خلالها الجميع: الفاعلون السياسيون والإعلام والرأي العام. ليس من السهل الانتقال بالخطاب السياسي من المشاحنات اللفظية والزعيق، والاتهامات بالفساد والوعود الباهتة بالاصلاح، الى التحليل الملموس للواقع الملموس، وابتكار الحلول الناجعة للقضايا الكبرى التي تواجه بلدنا اقتصاديا واجتماعيا وديبلوماسيا، وتقديمها للرأي العام بوضوح … هذا الانتقال يحتاج الى طول نفس وعمل تأطيري على مدار الزمن السياسي. وهذا ما اناطه الدستور بالأحزاب السياسية.

من هذا المنطلق، أعتبر أن ما يجري هذه الأيام ليس خصام لصوص اختلفوا على كيفية توزيع المسروق. اذا نظرنا الى الموضوع تحت هذا العنوان وحده، نكون قد فوتنا على انفسنا فرصة مساعدة الحقل السياسي على وضع عجلاته على سكة النقاش السياسي الجديدة التي نتطلع اليها.

في تقديري، أن ما نراه هو تعبير عن التناقض الواضح في المصالح بين طبقة وسطى لم تجد لحد هذا اليوم تعبيرا سياسيا واضحا ومسموع الصوت في الحملة الانتخابية، وبين اوليغارشية استولت على كل المقدرات خلال فترة التحالف المنتهية. وهناك كبعا من يهمه ان يحصر مجمل نقاشه السياسي في قضايا الهوية.

وإذا كان لا بد من إدخال المؤسسة الملكية ومحيطها في التفسير، فلنقل: ان المؤسسة الملكية التي ما فتئت تنتج خطابا نقديا حادا للسياسات العمومية وكيفية تدبيرها، تجد اليوم في هذا التجاذب فرصة “دستورية” لتقليم أظافر الاوليغارشية الطفيلية التي لا ترعى إلا ولا ذمة في هذا البلد. وأتمنى صادقا ان تتضافر جهود المخلصين للوطن والديمقراطية لبلوغ هذا الهدف، بأقل الأضرار.

حين يصرخ القجع، بصفته قياديا حزبيا، خلال الحملة الانتخابية، وهو الذي لا يزال وزيرا مكلفا بالميزانية في الحكومة التي ينتقدها، لإدانة تدبير شريك حكومي آخر؛ فهذا امر ينبغي تقييمه لا باعتباره تهربا من المسؤولية، بل باعتباره تشخيصا ملموسا لهذه المسؤولية في اطارها السياسي المحدد.

لقد عبأت الحكومة مبلغ 280 مليار لدعم قطاع معين، وهذا القطاع كان تسييره في عهدة أحد أحزاب التحالف الحاكم، لكن هذا القطاع فشل في الحصول على النتائج المرجوة من هذه الموارد. وبدلا من ذلك، سمح باغتناء عدد من الطفيليين بشكل غير مشروع. هذه فرصة للمحاكمة السياسية والاعلامية الدقيقة لأداء كل مسؤول حكومي. وليس من المفيد اهدارها بتعويم النقاش وإغراقه في القول ان القجع ايضا مسؤول. هذا تهريب للمسؤولية. القجع لم يصرف هذا المبلغ. المبلغ صرفه قطاع الفلاحة.

القجع يقول بعبارة أخرى: “هناك سوء تدبير وحكامة سيئة” ينبغي محاسبة المسؤولين عنها. والانتخابات هي الفرصة للقيام بذلك. وعند هذه النقطة يبدو تصريحه في الواقع امتدادا للنقد الملكي الحاد للسياسات العمومية وكيفية تدبيرها، منذ 2017.

أمامنا طريقان لمواجهة الأوليغارشية الطفيلية التي تعشش في اقتصادنا الوطني وتسبب له الترهل وتضخم البروستاتا، وتمنعه من الاستفادة من الاصلاحات الهيكلية: الطريق المؤسساتية (الانتخابات، ثم القضاء)؛ وطريق الحملات العشوائية على شاكلة حملة ادريس البصري للتطهير سنة 1995 التي لم تهجم سوى على البسطاء ولم تقم سوى بتصفية الحسابات بين بؤر النفوذ، وتكريس مناخ مافيوزي.

ما قاله القجع ينبغي ان نتعامل معه سياسيا ونستثمره كوجه من وجوه الصراع بين الاوليغارشية والطبقة الوسطى. وهنا تكمن اهمية دور الفاعل السياسي والفاعل الإعلامي، للحيلولة دون تحريف النقاش وإفراغه من محتواه.

على هذا النحو بمكن ان نقدم بعدا آخر لعله يكون مفيدا لتحليل وفهم ما يجري خارج الخطاطة الكلاسيكية التي تعودنا على استعمالها في قراءة مجريات انتخاباتنا.

Exit mobile version