د محمد فخرالدين: أنثربولوجيا التسول .. من التسول الشفهي عبرالمكتوب نحو الرقمي

تقديم :

لن أتكلم بالتفصيل عن أنماط المتسولين من شباب وشابات ، شيوخ نساء أطفال ، ذوي عاهات و من لا عاهة لهم ،من يلبسون لباسا رثا أو جديدا… متسخين أو أكثر نظافة ..أو صبية يلبسون جلابيبهم و يحملون ألواحهم الخشبية .. بقايا فلاحين منتمين للمدينة أو للبادية ، أو غيرهم من دار عليهم الوقت برحاه أو غيرهم من الذين يعترضون طريقك أو يمرون قرب طاولتك في المقهى ..

سأقتصر على تحليل بعض طرائق هذا التسول و طبيعة الخطاب الاستجدائي الذي يتوزع بين تسول المدينة و تسول البادية ، وتسول بطيء في حافلة النقل وسريع في ملتقى الطرق ، بين تسول شفهي .. شي بركة ـ الله يجعلها صدقة و رحمة الوالدين، وتسول كتابي.. يتخذ أشكالا أكثر حداثة من خلال توزيع أوراق مكتوبة بعناية على ـ القارين ـ الجالسين في المقاهي.. بين تسول خشن و آخر فني مصحوب بالموسيقى سواء ناي أو طبل ، طرا طان طان ، هاذاك مرضي الوالدين ـ الله يشافي .. التسول في النكتة الشعبية ..

أحدهم كان يلقن ابنه أساليب و فنون التسول ، فمرا قرب جمل يجتر طعامه فمد الابن يده في اتجاهه طالبا منه الصدقة ، فعلم أن ابنه لا يحتاج إلى تلقين و عاد به إلى البيت …

و يحكى من باب النكتة الشعبية أن أحدا أعطى بشكل مخفي لمتسول صدقة ، فشكره قائلا : ـ الله يجعلك من الذين آمنوا….. فلما تتحقق منها و علم قلتها ، استطرد قائلا : ثم كفروا …. و من الحيل التي يقوم بها المتسولون انتقاء الهدف بعناية ، و تحكي النكتة أن أحدهم صعد إلى حافلة للنقل الحضري ـ الطوبيس ـ و هو يلبس لباسا أنيقا ، و قال بلهجة آمرة : ـ للي ماخدامش ينزل .. فظن الركاب العاطلون انه مشغل أو شخصية من الشخصيات، فنزل الكثير منهم .. فأمر السائق أن يغلق الباب ورائهم ، و تقدم نحو من فضل من الركاب وأخرج ـ الوتار ـ من تحت ثيابه ثم قال لهم :

ـ اخوتي للي خدامين آروا دوروا مع خوكم… راه ما خدامش… التسول طرائق و مناهج فبالإضافة أنه يختار الموقع المناسب قرب المساجد و في مفترق الطرق و قرب الشبابيك الأوتوماتيكية و في أماكن التجمعات، وفي الأسواق الأسبوعية و خاصة في المطاعم الشعبية و المخابز.. قد يكون المشتغل بالتسول قد نمى قدرات على التواصل مع مختلف الشرائح الاجتماعية فهو يستعمل في ندائه :

فتاة في مقتبل العمر تمر في مقهى و توزع هذه الورقة بتاريخ 16/09/2009

التسول الرقمي ..

ظهر نوع أخر من التسول في الآونة المعاصرة هو التسول الرقمي ، المتسول معروف بشخصه أو صفته لكن المحسن إليه فد يكون في أي مكان من العالم ، فهو إذن تسول عابر للحدود ، يتسول فيه صاحبه اللايكات و الزيارات و المشاهدات من اجل عدد اقتناص عدد اكبر ، هو توسل قد يتخذ شكل تقديم خدمة و مقايضة ـ لكنه في كثير من الأحيان خدمة لم يطلبها الزبون و إنما وضعت في الطريق التي يمر منها افتراضيا لإثارته بعناوينها اللافتة ، و قد يتخذ شكل طلب وساطة مادام المحسن لا يقدم عطاء ماديا ملموسا لكن فعله قد يتحول إلى مدخول مادي ..و المتسول الرقمي يفكر بمنطق قطرة قطرة يحمل الواد ، و كل و شطارته في التأثير على زائري الساحة العمومية الزرقاء و استقطاب أكبر عدد من روادها ..

و قد يفكر أيضا بمنطق لا بد لكل عمل من أجر و إن كان تسولا في الباطن..كمن يمسح زجاج سيارتك دون أن تطلب ذلك منه و يطالبك بالمقابل ، أو من يحمل عنك قفة خفيفة في السوق و يطلب منك أجرا .. انثربولوجيا التسول انثربولوجيا متحولة من الشفهي إلى الكتابي إلى الرقمي ، تواكب تعقد الحياة الاقتصادية و الاجتماعية ، خاصة أن التسول نشاط حر ـ غير معترف به رسميا على أنه من الأنشطة المدرة للدخل ـ غير مهيكل و منفتح عن الإبداع ههه بالاحتيال ، جذاب على الأكثر للمشتغلين في مهن ضعيفة الدخل لكن لا مانع عنده أن تنخرط فيه فئات أخرى ، و يضا هو دخل منفلت و غير خاضع لأي نوع من التحصيل الضريبي ،و متجدد و يتوسع باستمرار .. و في الختام قد يلتبس علينا في كثير من الأحيان التمييز بين التسول و غيره ، فمن نصدق إذن ؟

Exit mobile version