من هم الشناقة الذين كثر الحديث عنهم هذه الأيام ، ولماذا يكثر عددهم في الأعياد والمناسبات وعند الحاجة إلى النقل وعند سوق الشغل وفي أبواب الانتخابات والمحاكم ..
وماذا تعني مهنة الشناقة من المنظور الانثروبولوجي الذي يحاول تفسير الظواهر في شموليتها وفي امتداداتها الثقافية والسوسيولوجية والنفسية الاقتصادية والقانونية، وما العلاقة بين الشناقة والفراقشية على اعتبار ان الفراقشي في المتعارف عليه هو سارق المواشي ، وهو يحتاج إلى من يبيع له المسروق ، فهو في الغالب لا يبيعه بنفسه ، وانما يحتاج من يخزنه له بعض الوقت ، ومن يخرج الماشية المسروقة الى السوق لبيعها، وهنا يظهر دور الخرارجي او الوسيط في البيع الذي قد يتحول إلى شناق، أو يكون ممارسا لهذه المهنة عارفا بالأسواق بحيث ينقلها لمكان بعيد لبيعها بعيدا أو يبعها لجزاربطريقة سرية، وقد توسع مفهوم الفراقشية في الخطاب السياسي المعاصر ليشمل فئات أكثر تنظيما لاتقوم بسرقة المواشي بل بالسطو على الدعم الموجه لمختلف السلع في إطار ثقافة الوجبة والهمزة .
الشناق صورة الذات و صورة الاخر :
أدى جشع السوق و تحريرها التام ، و البحث عن الربح السريع و الأزمات الاقتصادية و استغلال الظروف و تراخي المراقبة إلى تناسل الوسطاء ـ الشناقة حاليا ـ نتيجة انهيار العلاقات الاجتماعية الأصيلة القائمة على التضامن والتعاون و الصدق في المعاملات،والاقتصار على الربح المشروع دون مضاربة أو احتكار،و كذلك عمل طغيان الفردانية و الذاتية تحت شعارات شعبوية مثل كول ماجاك ، وجبذها من فم السبع، و عوم في بحرك واضرب على راسك، كب الما على كرشك و كون سبع وكولني ..على ازدياد هذه الفئة من المضاربين في الأثمان و السلع .
كما كان لسيادة مجتمع الاستهلاك و تراجع الوفرة والخصب في بعض المواد، وتمكن علاقات السوق من العلاقات الاجتماعية وظهور علاقات لا إنسانية ولا اجتماعية مبنية على الطمع والجشع و استغلال حاجة الأخر في اطار ثقافة شاملة تعتمد الربح السريع ،ويتم الترويج لها بجاذبية في الإشهار ـ فيما يسمى بالهمزة ـ في الأسواق و المساحات الكبري في يافطات بيع السلع و بيع العقار ..
الصورة التي يرسمها الشناق عن ذاته و لا ينجح كثيرا في تسويقها هي انه رجل مكافح يقدم خدمة لا بد منها كناقل للسلع،و وسيط بين المنتج و المستهلك ، يقوم بعمل مهم يستحق عليه أجرا لا يسأل عن قدره ، ولا يحق لأحد ان يحدد مقدار هذا الأجر و لا نسبته ، فهو ولد السوق، و يقول انه ولد الربح و الخسارة، لذلك كلما بالغ في الربح يعتبر ذلك عاديا لأنه متعرض للخسارة وهو يغامر بماله ،ولا يفهم أنه بسلوكه هذا يشنق المستهلك ويخنق الطاقة الشرائية للمواطنين ..
اما صورته بصفة عامة في المجتمع فهي صورة سلبية لان سلوكه في نهاية الأمر يؤدي الى غلاء كل شيء تدخل فيه بين المنتج والمستهلك ، و بالتالي فهو يساهم في الغلاء، و يؤدي بعمل تشناقت الى ضعف الاستهلاك و ضمور الادخار الذي هو أساس كل استثمار و نمو اقتصادي .. وهو بذلك يؤدي إلى تذمر المشتري و ربما إلى استغنائه على الإقبال على بعض السلع،و تعطيل الدورة الاقتصادية..
و الشناق من المنظور الجماعي هو مجرد كائن مرتزق انتهازي لا تهمه إلا الأرباح التي يراكمها ،و قد يلجـأ الى الاحتكار والتخزين في انتظار الوجبة و الهوتة و الهمزة يساعده على ذلك التحالف مع غيره في تكتلات صغيرة تتحرك في سوق معين أو أكثر ، وتنقل أخبار الأسواق بدقة من خلال الهاتف ووسائل التواصل الجماعي و تتباهى بجني الأموال ،و الشناق بصفة عامة يشتم حاجة المستهلك و يقوم باستغلالها أقصى استغلال ..
وما العيد بالنسبة له الا وجبة يقطع فيها الطريق على المستهلك المضطر و المنقاد لعاطفته الدينية و الاحتماعية ، مثل صاحب النقل الذي يقوم بالزيادة على المسافرين مستغلا ضعف الرقابة و متعللا بمناسبة العواشر.
ولا يقتصر الشناقة على مجال الأضاحي عند اقتراب عيد الأضحى ، بل يمتدون في كل مجالات الحياة التي فيها حاجة المواطنين و اقبالهم الجماعي في لحظات الذروة على حاجة معينة ، مثل الحاجات الجماعية في النقل،و الشغل والسياسة و الخدمات حيث يعرضون خدماتهم في التجارة والصحة والتعليم والشغل والعدل ، وهم يرون أنفسهم منتمين الى قطاع الخدمات المتميزة من نوع لايت،وقد يحلو لهم تصور انفسهم كمنقذين للناس في أحوالهم الحرجة ، أو كلصوص ظرفاء ينهبون الجيوب بدون عنف ،لذلك فهم يحبون الزحمة و أوقات الأزمات، و يفضلون التعامل مع المحتاج و الغافل و المضطر، و مع ذلك ما زلنا محتاجين كباحثين إلى إزالة غموض هذه الممارسة و تبيان حجم معاملات هذه الفئة و ما هي الإرباح التي تحققها من انشطتها المتعددة .
تاشناقت من الناحية اللغوية :
الشنق هو الشد ، والضغط على العنق و الإمساك به حتى الاختناق المؤدي إلى الموت، وهو نوع من العقوبات الجسدية الشديدة و المؤلمة التي تنهي حياة الانسان،و معنى شنق يشنق شنقا وأشْنَقَ الشيءَ في معجم المعاني .. عَلَّقَهُ و شَنَقَ الشَّاةَ عَلَّقَهَا فبإمكان الشناق تعليق السوق و منع البيع الى حين يرضى بالثمن .
و شَنَقُوا الْمُجْرِمَ في المعجم أي رَبَطُوا عُنُقَهُ وَعَلَّقُوهُ حَتَّى يَمُوتَ،وعلاقة الشناق بالموت كونه يمتص دم المشتري ويفرض عليه السعر الذي يريد و الذي في الغالب يتجاوز قدرته الشرائية و يؤدي إلى موته الرمزي، فأن لم يك فيه قطع الأعناق ففيه قطع الأرزاق .
و شَنَقَ دَابَّتَهُ فِي أَثْنَاءِ سَيْرِهَا اي جَذَبَ زِمَامَهَا إِلَى الْخَلْفِ ، و تاشناقت هي ايضا فعل جذب زمام السوق من خلال تقييد السوق والتحكم فيها و توجيهها الوجهة التي يريدها الشناق الخبير ،مثل اللجام الذي يتحكم في الدابة و يوجهها الى حيث يريد صاحبها .
و شَنَقَ الدَّابَّةَ إِلَى جِذْعِ الشَّجَرَةِ اي شَدَّهَا إِلَى الشَّجَرَةِ ، وتاشناقت ايضا هي فعل شد وضغط على المشتري ليستجيب للضغوط و يقبل على فعل الشراء .
و شَنَقَ الشَّيْءَ : أَحَبَّهُ، و تَعَلَّقَ بِهِ و شنق اليَدَ إلى العُنُقِ: غَلَّها إليه ،و أشْنَقَ القِرْبَةَ : شَدَّها بالشِّناق ..
وأشْنَقَ ماشيَته إلى ماشيةِ غيره خلطَها بغيرها لتقليل الزكاة ، و غالبا ما يعمد الشناق الى خلط ماله مع آخرين لتحقيق الربح و تقليل الخسارة ـ من خلال اقامة شراكات و تعاون مع غيره الذين يساعدونه في مهمته ، و أشْنِقَة جمع شِناق ،تَشانَقَ و تَشَانَقَ الرَّجُلان خَلَطَ كلٌّ منهما ماله بمال الآخر..
ويمكن اختزال المعنى اللغوي لتشناقت في الشد و التعليق والخلط والخنق، و لمتعارف عليه من معناه أنه القتل عن طريق الخنق، و بمعنى أخر أن الشناق هو ذلك الشخص الذي يمارس فعل خنق المشتري من خلال شد الثمن و الرفع منه .
و في معنى الشناق بالدارجة ذلك التشبيه و صيغة المبالغة و الصورة المجازية التي تشبه فيه هذا الأخير بالقاتل الذي يخنق المشتري و يضغط على عنقه بقوة ، لكي يقوم بعملية البيع بفارق ريح كبير في الشراء ، و إي خدمة يقوم بها يجني من ورائها منفعة مبالغ فيها..وذلك بشد الثمن و استغلال ظروف المنتج و المشتري ..وهو من هذه الجهة منغرس في ثقافة الهمزة و الهوثة و الوجبة المنتشرة في معاملات الناس وواقعهم ..
و من الناحية القانونية تعتبر تاشناقت في البيع ، منتجة لعيب من عيوب البيع او عيوب الرضا لانه يقوم على نوع من البيع بالغبن و الإكراه و هو العيب الذي يبطل به البيع ..
و من الناحية السيميائية إنه دال مدلوله العنف التجاري أساسا مع الاحتيال الذي يحتمل الاكراه في البيع و الشراء وفي الوساطة بين المنتج و المستهلك ..
وعلى المستوى النفسي هو غياب الضمير و نقص في الأخلاق العامة و انحدار في الأنا الأعلى ، و الانشغال في البحث عن المنفعة الخاصة في نوع من التحلل من الاخلاقيات و الاعتماد على الانانية و الاحتكار و الاستغلال و التضخم النرجسي ..
العلاقة بين تشناقت و الغلاء :
إن الغلاء هو وليد أزمة متعددة الأبعاد وهو أيضا مولد الكثير من الأزمات أولها تدني القدرة الشرائية والعجز عن الادخار وانحدارالطبقة الوسطى واندحارها إلى مصاف الطبقات الفقيرة وجشع الأغنياء والرأسمال ..
ولا شك أن الشناقة الذين هم من تجار الأزمات و من مدمني الغلاء و مبرريه ، هم أيضا مستفيدون منه و يلجأون إلى الاحتكار واستغلال الحاجة و تأجيج غلاء السلع و الخدمات لخلق الثروة في صورة تجار اأزمة ..
ولتاشناقت مظاهر و أسباب و مبررات يبرر بها الشناق ما يقدم عليه من فعل مذموم ، فهو يدعي انه يتبع السوق وتقلباتها تحت التأثيرات الخارجية مثل ازمة البترول أو ارتفاع الرسوم والمواد الأولية وخدمات النقل ، وغلاء ثمن الأعلاف .
عند الشناق يسود خطاب تبرير الفعل ، دون أن يحدد، في نوع من تعليق المسؤولية على الغير ، كلشي منهم ، دون أن يكشف عنهم، فالناقل يقول المحروقات هي السبب ، والفلاح يقول غلاء الأسمدة و الكساب والأعلاف، والوسيط يقول كين غي البركة ، هذه البركة التي لم تحدد بعد علميا ، وبقيت لغزا وأحجية اقتصادية، والمستهلك البسيط و حتى المنتسب إلى ما يسمى بالطبقة الوسطى يقول ـ وقد حط السلاح ـ : وصلات العظم ..
ثقافة تاشناقت أزمة واقع أم أزمة ثقافة :
هناك من أشار إلى كون ثقافة تشناقت مرتبطة بالغلاء ارتباطا عضويا ، و مرتبطة ايضا بازمة القيم و هي تشبه حربا ومواجهة بين طرفين المنتج و القدرات الشرائية للمستهلك و شره الوسيط ..
فالشناق قد يعمد الى التدخل في العلاقة المباشرة ليحل مكان المنتج و يقوم بالبيع محله ،و هو في الغالب يكون متوفرا على خدمة النقل التي تمكنه من اختراق و غمر الأسواق بالسلع المطلوبة متى علم بذلك من خلال عدد من الوسطاء و المساعدين و الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي .
ومن الناحية الاقتصادية يعتمد الشناق على انفتاحه على ثقافة السوق، و يستغل عدم معرفة المشتري بالثمن فيستغفله مستغلا شعار الله يجعل الغفلة بين البائع و الشاري لاستغلال حاجة البائع و المشتري معا.. مما خلق عدم توازن سوقي بين العرض والطلب واستجابة لفوضى السوق وعدم انتظامها و أثر على توازن علاقة المنتج والمستهلك ..
ومن الناحية الأنثروبولوجية فإن تشناقت هي تجسيد لما يمكن ان نسميه حسب اختلاف المناطق ياسم ثقافة الوجبة والهوتة والهمزة وهو بالأساس استغلال الحاجة الاجتماعية والفردية لتحقيق ربح مبالغ فيه .
وهو من الناحية القانونية فعل غير مشروع ينبغي مكافحته مبني على الاحتكار و النصب و الاحتيال و السلب مال الغير بغير وجه حق
و ان كانت السوق تعتمد على تحرير الاثمان فإن المبالغة في السعر تدعو الى تدخل الدولة ، ومن الناحية السياسية فإن تاشناقت تتحول الى عملية تنافسية يعمد إليها السياسي لتجنيد وسطاء و وسيطات لجلب ناخبين الى الحزب مقابل جزاء مادي، او وعود انتخابية شخصية او جماعية ،و هي تولد نظرة سلبية عن السياسي باعتباره كائنا انتخابيا انتهازيا لا يقوم بما هو إيجابي بالنسبة للمواطن لينقذ قدرته الشرائية مما يهدد العملية الانتخابية ككل ، ويمهد للعزوف السياسي عن المشاركة انتخابيا في المستقبل ..
تاشناقت سلسلة متماسكة :
يمكن النظر إلى تاشناقت مثل الغلاء كسلسلة متماسكة الأطراف كل حلقة منها تؤدي إلى الأخرى فالشناقة يضعون انفسهم في إطار تبادل السلع الاحتماعية باعتبارهم وسطاء ميسرين ،وهم يعملون بكل حرية دون ان تخضع إرباحهم لأي ضريبة ..
فالشناقة قد يتوزعون مجالات الانتاج كالخضر و اللحوم و البيض و الدجاج ، وكل المصنوعات و المنتوجات التي تكون فيها الوساطة بين المنتج و المتلقي او بين التاجر الكبير و المستهلك .
والنتيجة المنطقية أن الكل يأكل من الكل إلى درجة الإفلاس الكلي و الجماعي ،والكل يسند السبب إلى غيره ويجعله سببا فيه وينفي اللوم على نفسه في تحريك الغلاء والمساهمة فيه من بائع الدكان البسيط إلى الشركات الكبرى،
لذلك تظهر تشناقت كوباء له قدرة على اختراق المجتمع في كل مستوياته بطريقة عمودية و أفقية ، مرض يستشري في العروق لا حد له ولاحسيب عليه ، تحركه ثقافة الوجبة ، سواء على مستوى التحكم الجشع في رواج السلع أو تقديم خدمات النقل والصحة و التعليم مثلا او الوساطة بشكل عام ..
يعيش الشناق في الظل و لا يصرح بأرباحه ، و يحب عدم استقرار الأثمان و عدم تسقيفها ،ويعتمد سلوكا تبريريا للدفاع عن نفسه ،كارتفاع المواد الأولية أو بعض السلع الغذائية بسبب الضريبة على القيمة المضافة، أو رفع الدعم أوغلاء المحروقات وانخفاض قيمة العملة وجشع التجار، حيث أصبحت بعض نقط البيع كل يوم تنطق بأسعار جديدة ..
والغلاء يستفيد منه الشناق من خلال التفاوض مع المنتج لخفض ثمن البيع من جانبه في مقابل رفع ثمن البيع الذي يقوم به هو كبائع بدعوى الغلاء و عدم امكانية النقص فكين غي البركة ..
و نتيجة الظاهرة هو هذا الغلاء الفاحش الذي اجتاح المجتمع مما يقضي تدخل الدولة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين و الحد من ظاهرة الوسطاء و الشناقة و احصاءهم و لم لا تمتيعهم بوضعية قانونية ان كانوا شرا لا بد منه … كل هذا يحدث والكل يشهد دون أن يستطيع التدخل لحد من ظاهرة الشناقة الذي تظهر كنتيجة طبيعية لفكرة حرية السوق ..
والخلاصة أن تاشناقت هي ورم سرطاني يصيب المجتمع ككل و فيروس اقتصادي ينبغي التصدي للحد منه بكل حزم هو و ثقافة الهمزة و الوجبة التي أنجبته ، إذا أردنا أن نحافظ على السلم الاجتماعي و القدرة الشرائية للعموم ..

عيد الأضحى المبارك .. الملك محمد السادس يصدر عفوا عن 1376 شخصا
لائحة المغرب للمونديال.. مفاجآت جديدة وأسماء بارزة خارج الحسابات
مشروع قانون جديد لإعادة هيكلة قطاع التأمينات بالمغرب