من الطين إلى الذكاء الاصطناعي — رحلة الإنسان تحت الخطة الإلهية ـ
يشهد العالم اليوم واحدة من أعظم التحولات في تاريخ البشرية. فالذكاء الاصطناعي، والروبوتات الشبيهة بالإنسان، وأنظمة الأتمتة، والذكاءات المتقدمة القادمة، كلها تغيّر بنية الحضارة الإنسانية بسرعة مذهلة. المصانع، والمكاتب، ووسائل النقل، والطب، والقانون، والتعليم، وحتى البيوت والحروب، تدخل تدريجياً عصراً جديداً قد تصبح فيه الآلات قادرة على أداء جزء كبير من الأعمال التي كان يقوم بها الإنسان.
وعندما أتأمل هذه التطورات المتسارعة، يتجه فكري تلقائياً نحو القضايا الروحية والأخروية العظيمة التي تحدثت عنها الديانات الإبراهيمية، وخصوصاً الإسلام والمسيحية، حول المرحلة الأخيرة من حياة البشرية قبل نهاية العالم.
من المنظور الديني، لا يحدث شيء في الكون إلا بعلم الله وإذنه وحكمته وتقديره. فالله سبحانه وتعالى هو الخالق الحقيقي، والمالك، والمدبر، ورب العالمين. والقرآن الكريم يكرر التذكير بأن كل ما يجري في السماوات والأرض يقع ضمن العلم الإلهي والخطة الإلهية.
وقد كُرِّم الإنسان في الإسلام تكريماً عظيماً، وجُعل خليفةً لله في الأرض. ومنحه الله العقل، والوعي، والخيال، والإبداع، والقدرة على بناء الحضارات.
بدأ الإنسان رحلته من الطين والحجارة والأدوات البسيطة، ثم تطور إلى القرى، والمدن، والممالك، والسفن، والآلات، والصناعات، والسيارات، والطائرات، والحواسيب، والأقمار الصناعية، حتى وصل اليوم إلى الذكاء الاصطناعي. لقد غيّر الإنسان العالم من خلال العلم والاكتشاف والاختراع.
لكن التاريخ الإنساني يحمل أيضاً جانباً مظلماً. فكثير من القوة البشرية استُخدمت عبر القرون في الحروب، والطمع، والسيطرة، والاستعمار، والاستغلال، والتنافس على الموارد والنفوذ. وتحولت الأسلحة مع الزمن إلى أدوات تدمير هائلة، بينما ابتعدت الحضارة الحديثة في كثير من الأحيان عن التوازن الروحي والأخلاقي.
إلا أن ظهور الذكاء الاصطناعي والروبوتات يفتح احتمالاً مختلفاً تماماً.
فالروبوتات لا تمتلك بطبيعتها الطمع، أو الكراهية، أو القومية، أو حب السلطة، أو الرغبة الشخصية في السيطرة. إنها لا تسعى إلى الثروة أو الحكم أو الانتقام. بل هي أدوات صنعها الإنسان لتقوم بالخدمة والمساعدة والإنتاج.
ولهذا أرى شخصياً أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات ليسا مجرد تطور تقني عشوائي، بل جزء من خطة إلهية أكبر تجري بإرادة الله سبحانه وتعالى.
فلا شيء يظهر في هذا الكون خارج مشيئة الخالق.
وإذا كان الله قد أذن للإنسان أن يكتشف الكهرباء، والطيران، والطاقة النووية، والحواسيب، والإنترنت، ثم الذكاء الاصطناعي، فربما تحمل هذه التطورات أيضاً حكمة أعمق في مسيرة البشرية.
اليوم يدخل العالم مرحلة قد تصبح فيها الروبوتات قادرة على تنظيف البيوت، وإعداد الطعام، ونقل البضائع، وتنظيم الأعمال، ومساعدة كبار السن، وإجراء العمليات الجراحية، والعمل في المصانع، وقيادة المركبات، والقيام بالأعمال الشاقة والخطرة. وربما تتقلص تدريجياً أدوار الإنسان العملية بينما تتولى الآلات والأنظمة الذكية كثيراً من شؤون الحياة اليومية.
وهذا التحول قد يغيّر شكل الحضارة الإنسانية بالكامل.
فعلى مدى آلاف السنين، دارت حياة الإنسان حول العمل الجسدي الشاق والسعي المستمر للبقاء. أمّا اليوم، فقد يخفف الذكاء الاصطناعي والروبوتات جزءاً كبيراً من هذا العبء عن البشر.
وإذا استُخدمت هذه التكنولوجيا بحكمة وأخلاق، فقد تمنح الإنسان فرصة أكبر للتفرغ للعلم، والروحانية، والعبادة، والأسرة، والإبداع، والرحمة، وتطوير النفس.
وهنا يبرز البعد الأخروي بصورة أعمق.
فالتقاليد الإسلامية تتحدث عن مرحلة أخيرة من التاريخ الإنساني تسبق نهاية العالم، تتميز بتحولات عالمية هائلة، وفتن عظيمة، واضطراب أخلاقي، وتركيز للقوة، وأحداث غير مسبوقة في تاريخ البشر.
كما يعلّم الإسلام أن سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام سيعود في آخر الزمان بأمر الله، قائداً عادلاً ومهدياً بالوحي الإلهي، ليقيم العدل، والرحمة، والسلام، والتوازن الأخلاقي تحت الهداية الإلهية.
والمسيحية أيضاً تتحدث عن عودة المسيح وإقامة ملكوت الله القائم على السلام والعدل.
وعندما أنظر إلى التقدم الهائل في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأنظمة الذكية القادمة، أتساءل أحياناً: هل تُعِدّ البشرية — من حيث لا تشعر — البنية التحتية لمرحلة حضارية مختلفة تماماً؟ مرحلة تُخفَّف فيها الأعباء المادية عن الإنسان، ليواجه الأسئلة الأعمق المتعلقة بالروح، والمعنى، والأخلاق، وعلاقته بخالقه.
ربما يقترب العالم من زمن تصبح فيه التكنولوجيا مسؤولة عن كثير من شؤون الحياة المادية، بينما يصبح الامتحان الحقيقي للإنسان هو الوعي الروحي، والرحمة، والتواضع، والمسؤولية الأخلاقية، ومعرفة الله.
وفي رأيي، فإن الذكاء الاصطناعي ليس عدواً للبشرية بحد ذاته. فالخطر الحقيقي كان دائماً في فساد الإنسان، وطمعه، وظلمه، وسوء استخدامه للقوة.
فالذكاء الاصطناعي بلا أخلاق قد يصبح خطيراً إذا وقع في أيدي الفاسدين. أما إذا وُجِّه بالحكمة، والعدل، والرحمة، فقد يصبح من أعظم الأدوات التي خدمت الإنسان عبر التاريخ.
وحتى لو ظهرت مستقبلاً أنظمة فائقة الذكاء، فإنها ستبقى ضمن الحدود التي أذن الله بها. فلا توجد آلة تستطيع تجاوز قدرة الخالق أو الإحاطة بعلمه المطلق.
فالآلات تستطيع الحساب والتنظيم والتنبؤ والخدمة، لكنها لا تمتلك الروح التي نفخها الله في الإنسان، ولا الوعي الروحي، ولا الرحمة، ولا التوبة، ولا الحب، ولا المسؤولية أمام الله.
ويذكّرنا القرآن الكريم بأن كل أنظمة الدنيا مؤقتة. فالحضارات تقوم وتسقط، والإمبراطوريات تظهر وتختفي، والتقنيات تولد ثم تزول، بينما يبقى الله وحده الحي الدائم.
وفي النهاية، يعود كل شيء إلى الخالق سبحانه وتعالى.
وربما يكون ظهور الذكاء الاصطناعي والروبوتات ليس مجرد ثورة علمية، بل جزءاً من فصل أعظم في مصير البشرية، قد يمهّد لصحوة روحية أخيرة تحت الخطة الإلهية.

توصية جديدة تدعو إلى ضبط استعمال الذكاء الاصطناعي في المدرسة والجامعة
جدل حقوقي حول استعمال أجهزة كشف الغش داخل قاعات الامتحان
مطالب بتشديد العقوبات وحماية الضحايا في ملف الاستغلال الجنسي للقاصرات