د م علي الخامري: المعايير الأولية لتحديد معنى شاعر الملحون في جَمْعِ دلال الحسيكة

الوقفة الثانية :

دلال الحسيكة عندما بدأ بتدوين جَمْعِه لم يكن همه هو الجمع فقط ، وإنما كانت له رؤية محددة ومقننة تحكمت في عمله .

فالقارئ المطلع يرى مجموعة من المسوغات الدالة على بعض الحدود والقواعد ، ويقف على العديد من المعايير المدركة والخفية ، وقد تكون مقصودة ، وقد تكون غير ذلك ، يمكن أن يستفيد منها ، ويستنتج بواسطتها ما يمكن أن يُعَدَّ من الدلالات الكبرى على رؤية دلال رحمه الله .

شاع عن الحسيكة أنه كان يُدون من أجل البيع والتكسب ، وهذا صحيح في الظاهر ولكن كانت له قريحة ومزاولة ، وشغف بمجال الملحون ، ولولاه لما كانت له هذه العناية بالتخريج والتبويب ومواصلة عمل الجَمْعِ طيلة عمره ، بالإضافة إلى أنه كان يبدو عالما وعارفا بقواعد الملحون ، وعلى ضوئها صاغ جَمْعَه على النحو المُشَاهَد ، وأرى أنه كان مقصودا بمثل هذه الإشاعات السلبية في حقه من طرف مَن استفادوا مِن عمله ، ولا يريدون الإشارة إليه خوفا على مكانتهم ، وصَرفا منهم على بعض الأحكام والمواقف التي لا تروقهم ، كما أن علمه الواسع بفن الملحون ، وإخلاصَه في جَمْعِه على ضوء مبادئه جعله من المنبوذين المقصيين من كل ذكر وتنويه ، خاصة وأن الرجل أنجز عمله بإيعاز من بعض الشخصيات المراكشية والمغربية التي دفعتها غيرتها على تراث الملحون ، ومعرفتُها بقيمته المعرفية ، وقيمة العمل المأمول إلى البذل والتشجيع ماديا ومعنويا ، ولربما هذا التداخل العاطفي ، والتقييم الفكري الأولي لعمله الملاحظ في علاقة دلال بتلك الشخصيات المتوارية هو ما فتح عليه نار المستفيدين ، وبالغوا في اتهامه بالتكسب من أجل إبعاد وإزالة كل نظرة صائبة ومنصفة لعمله وشخصه .

سنترك هذا المسار الشخصي الآن ، وسنتوجه إلى ذكر نماذج من اللمسات الفنية والعلمية التي تدل على وعيه الفني والفكري في عمله ، وسنحاول تتبع كل ذلك وفق الآتي :

وأريد أن أنبه هنا إلى ما قد يتبادر إلى الأذهان ، ويُصَرَّح به من أن مسألة الكَمِّ عند دلال قد تكونت من خليط عوامل ، لا تؤدي بالضرورة إلى اعتبارها مقياسا للجودة ، والاعتراف بشعرية الشعراء في النهاية ، نظرا لكون المسألة ترتبط برواج الشعر ، واهتمام القراء به ، وتأثير مجريات قصائده لدى الجمهور الواسع .

وأقول نِعْمَ الملاحظة وهي حاصلة عند بعض الشعراء ، ولكنها تنتفي في حق الشعر الأقوياء في ساحة الملحون على مستوى النظم والرواج والتأثير ، ومما يُدحِضها كذلك أن دلال عاصر كثيرا من الشعراء ، واطلع على شعرهم ، ومع ذلك لم يطلق العِنان لقلمه بسبب واحد وهو أنه كان مشدودا ومستندا على رؤية فاحصة وعالمة بمعنى الشعر ، وفي عهده أثيرت قضايا كثيرة وشائكة ، ولعل أبرزها قضية المشيخة بين شعراء مراكش في زمنه التي قيل فيها الكثير ، ولا زال القول فيها حيا ومستمرا ، ومُتَقَمِّصا لخلافات الماضي .

سأعود إلى جمع دلال لأبسط الكلام أكثر في مسألة الكم ، وسأستعين بعملية إحصائية بسيطة تتكون من شقين : الشق الأول اعتبار عدد القصائد بالنسبة لكل شاعر ، والشق الثاني الانتباه إلى تكرار ورود اسم الشاعر في بقية الأجزاء وعلى حسب التتابع ، مستنتجا أن رتبة الشاعر داخل الأجزاء المذكورة بُنِيت على أساس الكم ، فالشاعر الذي ورد في الجزء الأول هو الأفضل مما ورد في الجزء الثاني ، وبكل الاعتبارات السابقة .

ولتبسيط جميع ما قلته سأدلي بالبيانات الإحصائية التالية :

ويلاحظ على هذا المحتوى أن عدد قصائده يتراوح ما بين أدنى رقم وهو سبعة ، وما بين الأعلى وهو ثلاثون قصيدة بحسب قريحة كل واحد منهم ، وكان بإمكان دلال أن يضيف بعض شعراء الجزء الثاني ممن توفر على كَمٍّ يشبه ، أو يقترب من كم شعراء الجزء الأول إلى الجزء الأخير ولكن كانت له رؤية تضيف إلى معيار الكم قواعد إضافية تتعلق بمتانة لغة الشعر بصفة عامة ، ومواضيعه ، وشهرة صاحبه ، وكيفية قَبول شعره في حضيرة أهل الملحون .

وسيٌفَاجَأ القارئ انطلاقا من الجزء الثاني ببعض الإضافات الشعرية ، وهذا يشير إلى أن عمل محمد دلال كان مفتوحا ، وكانت تتحكم فيه خصلتا البحث والجمع طيلة زمن التأليف ، فقد أضاف إلى الشاعر الجيلالي امثيرد قصيدتين في الجزء الثاني ، وثلاث قصائد في الجزء الثالث ، ومثل هذا فعله مع محمد النجار والحاج امريفق والمدني التركماني والطاهر الشاوي…… وغيرهم .

بالمقابل سنجد أنه لم يلتفت إلى بعض المعاصرين له ، وممن تُنسَب لهم أشعار ودواوين ، ولم يُعِرهم أي اهتمام يذكر ، بل تمادى به موقفه إلى حدود الشك ، وقد سألت بعض الأصدقاء القريبين مني عن هذا الموقف من دلال ، أكان فيه صادقا ومخلصا ، أم جانيا ومُتَعَسِّفا فَذُكِرت لي روايات كثيرة ومتنافضة ، بعضها وهو الكثير يُحِق فعل دلال ، ويعتبره صحيحا وصريحا ، وبعضها المتبقي يقدم أجوبة مغايرة ومختلفة .

ولكن ومن باب الاستنتاجات الأولية يمكن القول بأن محمد دلال بخبرته الفنية ، وممارسته الطويلة للبحث في الملحون ، وتَمَرُّسِه على أشعاره ، واختباله بشعر رواده الكبار كان يرى أن شعر بعض المعاصرين له مشكوك في صحته ، وفي نسبته ، وأن ملامحه الفنية وإن سلمنا به مختلفة ، ولا يجمعها سياق ناظم ، ولا يستقيم مع مواقفه ومعرفته بالشعر .

ويضاف هنا عامل آخر وهو ما راج عن بعض الشعراء المعاصرين لدلال من سرقة وانتحال يتعاكس مع رؤيته المتحكمة في جمعه على مستوى الأسس الفنية ، والنَّفَس الإبداعي الصافي الواجب في شعر كل شاعر ، ولا زالت بعض الوقائع تُرْوَى ، وتُثبِت سرقة بعض الشيوخ لأشعار غيرها ، كما لا زالت قصص تذكر
لتجار سوق السمارين وغيره ، وأسماء بعض العارفين والمطلعين على أشعار الملحون خاصة بمدينة مراكش وقفوا على سرقات مدوية وواضحة .

وحَالَ أتوفر على بعض المعلومات الضرورية وقد وعدني بها أصدقاء يشتركون معي في خطة العمل المتعلقة بإلقاء الضوء الواجب على جمع دلال سأعود إلى الموضوع لأجليه وأستفيض فيه بالكلام المناسب .

وقد تَرَكت مواقف دلال ، وتداعياتُها الفكرية المختلفة أسئلة إضافية وواسعة في دواخلي ، وزودتني بمعطيات جديدة ، ومكنتني من كثير من الحقائق المثيرة ، وأثارت العديد من الملاحظات الوجيهة والمُحَيِّرَة في الوقت ذاته…. سأسعى جاهدا وبحول الله وتوفيقه لإخراجها تباعا وفي حلقات ، ولن أعتمد في عملي على جَمْعِ دلال فقط ، وإنما سأرجع إلى شعر الشعراء المشكوك في قرائحهم ، وفي مستواهم الإبداعي لأحقق ما أراه مناسبا أو مخالفا ، ولأصل إلى ما يُؤَكِّد ويتوافق مع رؤية دلال بالأدلة المستفادة من الدرس والتحليل على كل مناحي البنيات المتحكمة في قصيدة الملحون ، وفي مفاهيمها المختلفة والمتنوعة وعلى كل الصعد الفنية والفكرية والموضوعية ، وقد تواعدت مع بعض الأصدقاء على العمل سويا بما يتناسب مع معرفة كل منا ، وما يمكن تصحيحه وإضافته إلى الموضوع .

( ..يتبع )

Exit mobile version