د نور الدين العوفي: الجامعة بلا شرط/17 ـ سوق النُّقَط

في السنوات الأخيرة بدأت تفوح في بعض الجامعات رائحة “بيع” النقط، والشهادات. رائحة نتنة، كريهة لا احد يعرف كيف ومتى اتخذت سبيلها في الجامعة سرباً. المعروف أن من بين الأساتذة من يعطي النقط لطلبته ب”سخاء”، لأن من طبيعته السخاء، والوسع في التقدير، ومنهم من لا يجود بالمعدل إلا بمقدار. ولله في خلقه من الأساتذة شؤون.

حرية التقييم هي من شروط عمل الأستاذ، حقٌّ غير منقوص من حقوقه الأكاديمية، ملكيته التي لا يتقاسمها معه أحد. يضع النقطة وفق تقديره الموضوعي، وبما يمليه عليه ضميره المهني. في بعض الجامعات الأنجلوسكسونية تطلُب الإدارة من الطالب، في نهاية الموسم الدراسي، تقييم أساتذته. تقييمٌ مقابل تقييم، وتنقيطٌ من أسفل نحو أعلى. نموذج غريب، فيه عوار، يجرُّ إلى لعبة المقايضة الشنيعة، وإلى شيء ما يشبه المضاربة بالنقط، والبيع على المكشوف.

يعرف طلبتي عني أنني لم أكن مُسْرِفاً في النقط، منهم من كان، من غير شك، يستاء ويغتاظ، ومنهم من كان يسعى إلى تسجيل بحوثه مع من يجزل النقط، سخاءً أو تساخياً. في وضعية تتسم بتضخم النقط، وانفلات منظومة التقييم والتقدير يُمْسي الرَّخْص هو الأقرب من “حقيقة النقط”، والأصح في قياس مستوى التحصيل، والأضمن لمصداقية الامتحان والمُمْتَحِن والممتَحَن. لم أكن متساهلاً لسبب واحد : اعتقادي الراسخ أن الكمال لله، وأن عملية الإدراك واكتساب المعارف عملية تراكمية، وتصاعدية لا تؤتي أُكْلَها سوى ب”سهر الليالي”، وعن طريق التعلُّم الفعال، التعلُّم بالتعلُّم والإدراك بالإدراك. طريق ليس هو الصعب، بل الصعب هو الطريق.

في تفاعل مع تدوينة لي سابقة كتب أحد طلبتي القدامى، يوسف المنقوش مشكوراً ما يلي : “تلكم الطريقة في تدريس “تدبير الموارد البشرية” من لدنكم علمتنا أن نبحث عن المعلومة بأنفسنا مع الاستناد على محاور مصوغة بطريقة ديداكتيكية واضحة، كانت تؤطرنا وتؤزنا على الاستقلال المعرفي أزّاً. ربما كنا نشكو شح النقطة العددية، لكن في قرارة انفسنا، كنا نعلم أننا لم نبلغ منزلة الطالب الجامعي الحق الذي تَقَرُّ بمستواه عين أستاذه، فكان أحدنا يتفاخر بعشرة وإحدى عشرة، لأنه “استرضى” أستاذنا الذي لا يرضى بالبضاعة المزجاة، وتجاوز بذلك عشرات الصرعى أمام هيبة العتبة عشرة، فشكرا لكم أستاذنا لذكرياتكم المغروزة في ذواكر ألوف من الأناسي، ومتعكم الله بمزيد من الصحة والرضا.”

وبعد،

ليست الجامعة كلها “تلك الرائحة”، بل هي، في جوهرها، كانت وتظل، جسماً نظيفاً، وفضاءً علمياً نقياً لاستنشاق هواء المعرفة، والبحث، والنقد، والاجتهاد، والوعي بقضايا الوطن وهموم المواطن.

Exit mobile version