كش بريس/التحرير ـ
كشفت حصيلة رسمية لوزارة الداخلية عن تحول لافت في خريطة زراعة القنب الهندي غير المشروع بالمغرب، بعدما تقلصت المساحات المزروعة من نحو 134 ألف هكتار سنة 2003 إلى 15 ألفاً و496 هكتاراً خلال سنة 2026، أي بانخفاض يصل إلى 88.43 في المائة. وفي مقابل هذا التراجع، سجلت عمليات مكافحة المخدرات ارتفاعاً لافتاً في كميات الكوكايين المحجوزة، التي تجاوزت خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية مجموع ما ضبطته المصالح الأمنية طوال سنة 2025.
وتضع هذه المؤشرات، الواردة في تقرير حصيلة منجزات وزارة الداخلية برسم السنة المالية 2026، ملف مكافحة المخدرات أمام معادلة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها التدخلات الأمنية مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تستهدف تقليص الزراعات غير المشروعة، وتجفيف منابع التهريب، ومواجهة أنماط جديدة من الاتجار الدولي بالمخدرات.
تقلص المساحات المزروعة وتوسيع البدائل الاقتصادية
وتعزو الوزارة الانخفاض المسجل في زراعة القنب الهندي غير القانوني إلى سلسلة من التدابير الميدانية والتحسيسية، شملت تدخلات اللجان الإقليمية المكلفة بمحاربة هذه الزراعات، وتنظيم حملات توعوية داخل الأسواق والدواوير، فضلاً عن تشجيع الأنشطة المدرة للدخل وتفعيل برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لفائدة الساكنة المعنية.
وتستند الاستراتيجية الوطنية المعتمدة إلى تصور يجمع بين تقليص العرض والحد من الطلب، وتعزيز التعاون الدولي في مواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، إلى جانب تطوير آليات الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل لفائدة الأشخاص المتضررين من تعاطي المخدرات.
وفي هذا السياق، يبرز القانون رقم 13.21 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي كأحد المداخل التشريعية لإعادة تنظيم هذا المجال، من خلال إدماج المزارعين في الدورة الاقتصادية القانونية، وفتح المجال أمام الاستعمالات الطبية والصناعية والتجميلية والغذائية للنبتة، بما يوفر بدائل اقتصادية ويحد من ارتباط الأنشطة الفلاحية بشبكات الزراعة والاتجار غير المشروع.
الكوكايين يتصدر مؤشرات المحجوزات خلال 2026
وعلى مستوى المواجهة الأمنية لشبكات التهريب والترويج، تكشف الأرقام الرسمية عن استمرار حجم التدفقات المرتبطة بمختلف أنواع المخدرات، رغم العمليات المكثفة التي تنفذها المصالح المختصة على المستويين الوطني والدولي.
فخلال سنة 2025، تجاوزت الكميات المحجوزة 540 طناً من مخدر الشيرا، و98 طناً من نبتة الكيف، إلى جانب 1924 كيلوغراماً من الكوكايين، وأكثر من 6 غرامات من الهيروين، فضلاً عن مليون و785 ألفاً و837 قرصاً مهلوساً.
أما خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، فقد بلغت محجوزات الشيرا أكثر من 274 طناً، فيما تجاوزت كميات نبتة الكيف 53 طناً، وسجل الكوكايين 2956 كيلوغراماً، مقابل 116 غراماً من الهيروين، و856 ألفاً و102 قرص من المؤثرات العقلية.
وتكشف المقارنة بين الفترتين عن تطور مقلق في مسار تهريب الكوكايين، بعدما تجاوزت الكميات المحجوزة منه إلى غاية غشت 2026 مجموع المحجوزات المسجلة خلال السنة السابقة بأكملها، وهو ما يعكس حجم التحديات المرتبطة بمسالك التهريب الدولي وتنامي نشاط الشبكات المتخصصة في نقل هذه المادة وتوزيعها.
وتشمل الوسائل المعتمدة في عمليات التهريب، وفق التقرير، الشاحنات والسيارات المستخدمة في النقل الدولي، فضلاً عن الزوارق السريعة من نوع «Go-Fast» ومراكب الترفيه، بما يفرض تنويع أساليب المراقبة وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية المكلفة بمراقبة الحدود البرية والبحرية.
حماية المؤسسات التعليمية ومواكبة المدمنين
وبعيداً عن المقاربة الأمنية والزجرية، يولي المخطط الوطني أهمية متزايدة للوقاية من انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية، خصوصاً في أوساط الأطفال والشباب، من خلال تشديد المراقبة على محيط المؤسسات التعليمية والتصدي لمحاولات الترويج داخل الفضاءات القريبة منها.
كما يتجه التدخل الرسمي إلى اعتماد معالجة اجتماعية وصحية لحالات الإدمان، عبر توجيه المستهلكين إلى المراكز المتخصصة في العلاج والتكفل، بتنسيق مع المؤسسات الصحية والقطاعات المعنية وفعاليات المجتمع المدني.
وتستهدف هذه المقاربة الحد من الآثار الاجتماعية والصحية للاستهلاك، وإعادة إدماج الأشخاص المعنيين، مع تعزيز برامج التحسيس والتوعية بمخاطر المخدرات داخل المؤسسات التعليمية والفضاءات الاجتماعية.
تعاون دولي لملاحقة شبكات الاتجار
وعلى المستوى الخارجي، يؤكد التقرير استمرار التزام المغرب بالاتفاقيات الأممية الثلاث المتعلقة بمكافحة المخدرات، وتعزيز مشاركته في آليات التنسيق والتعاون متعددة الأطراف.
وفي هذا الإطار، شاركت المملكة خلال سنة 2026 في الدورة التاسعة والستين للجنة الأمم المتحدة للمخدرات، المنعقدة في مارس، فضلاً عن اجتماع رؤساء الأجهزة الوطنية المكلفة بإنفاذ قوانين المخدرات (HONLEA)، الذي احتضنته فيينا خلال شتنبر الماضي.
كما واصلت المصالح المختصة تزويد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ووكالة الاتحاد الأوروبي المعنية بالمخدرات بالبيانات والإحصائيات المرتبطة بالمجالين الأمني والقضائي، إلى جانب تكثيف تبادل المعلومات والتنسيق العملياتي مع الشركاء الدوليين، خاصة عبر منظمة الشرطة الجنائية الدولية «الإنتربول» والهيئة الدولية لمراقبة المخدرات.
وشمل التعاون الدولي أيضاً استقبال وفد من مديرية الأمن العام الأردنية خلال يوليوز 2026، في إطار برنامج منسق مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، خصص لتبادل الخبرات والتجارب في مجال مكافحة المخدرات.
الذكاء الاصطناعي يدخل منظومة مراقبة الحدود
وفي ما يتعلق بالمرحلة المقبلة، تراهن وزارة الداخلية على تحديث البنية التكنولوجية المخصصة لمراقبة الحدود والمنافذ البحرية، من خلال تجهيزها بكاميرات متطورة ورادارات وأنظمة استشعار حديثة، مع إدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في عمليات الرصد وتحليل المعطيات وتوقع التحركات المشبوهة.
وتتجه الاستراتيجية الجديدة أيضاً إلى توسيع نطاق المواجهة ليشمل المخدرات التركيبية والسلائف الكيميائية، مع إيلاء اهتمام خاص لمادة الفينتانيل، وتعزيز آليات الإنذار المبكر والتنسيق مع الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات.
كما تشمل الأولويات توسيع الشراكات الأمنية مع دول غرب إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء وأمريكا اللاتينية، بالنظر إلى ارتباط هذه المجالات الجغرافية بمسارات التهريب الدولي، خصوصاً شبكات نقل الكوكايين عبر الممرات البحرية والجوية.
وتعكس هذه التوجهات انتقال ملف مكافحة المخدرات إلى مستوى أكثر تعقيداً، تفرضه قدرة الشبكات الإجرامية على تغيير مساراتها وتطوير وسائل النقل والتخفي واستغلال التكنولوجيا الحديثة. وبين تراجع زراعة القنب الهندي غير المشروعة وارتفاع محجوزات الكوكايين، تبرز أمام السلطات المغربية مهمة مزدوجة: ترسيخ التحول نحو الزراعات والأنشطة القانونية، ورفع جاهزية المنظومة الأمنية لمواجهة سوق مخدرات تتغير أدواتها ومساراتها باستمرار.

د منصور مالك (لندن): الذكاء الاصطناعي وسؤال الروح.. حين تستدعي الآلة أسرار الوجود الإنساني
عبد الله العلوي: تاج محل
سوق الشغل بالمغرب.. النساء خارج دائرة النشاط الاقتصادي ومعدل البطالة يكشف عمق الاختلالات
إسبانيا تستكمل تحديد هويات ضحايا كارثة القطارات.. والتحقيقات تضع الخطأ البشري ضمن فرضيات التصادم