زكريا نمر*: الرأسمالية العالمية .. إمبراطورية الأغنياء ومقبرة الفقراء

لم تنتصر الرأسمالية لأنها قدمت نموذجا عادلا لتنظيم الاقتصاد والمجتمع، بل لأنها استطاعت أن تحول منطقها الاقتصادي إلى نظام عالمي تفرض من خلاله شروط الإنتاج والتبادل وتوزيع الثروة، وأن تجعل مصالح رأس المال تبدو وكأنها قوانين طبيعية لا يمكن الاعتراض عليها. فمنذ نشأة الرأسمالية الحديثة، لم يكن توسعها مجرد عملية اقتصادية مرتبطة بالتجارة والصناعة والأسواق، بل كان مشروعا تاريخيا لإعادة تشكيل العالم وفق مصالح القوى التي تمتلك المال والتكنولوجيا ووسائل الإنتاج، ثم تطور لاحقا إلى منظومة دولية تتحكم في حركة الاقتصاد العالمي وتحدد مواقع الدول داخلها.تكمن إحدى المشكلات الأساسية في هذا النظام في أنه لم يوزع فرص التنمية بصورة متكافئة، بل أنتج تفاوتا بنيويا بين دول امتلكت القدرة على بناء صناعاتها وتطوير تكنولوجياتها، وأخرى ظلت محصورة في تصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنعة. وقد ظهرت هذه الفجوة بوضوح في التجربة الإفريقية، حيث حصلت غالبية الدول على استقلالها السياسي، لكنها لم تتمكن من تحقيق استقلال اقتصادي مماثل. تغيرت الأعلام والحكومات، بينما بقيت أنماط التبادل التجاري والاعتماد المالي والتكنولوجي تعيد إنتاج العلاقة القديمة بين المركز والأطراف.ومن الخطأ تفسير هذا الواقع باعتباره نتيجة طبيعية لتأخر المجتمعات الإفريقية أو نقص قدراتها البشرية. فالتاريخ الاقتصادي للقارة لا يمكن فصله عن الاستعمار ونهب الموارد وإعادة تشكيل الاقتصادات المحلية لخدمة الأسواق الخارجية. وبعد الاستقلال، وجدت دول كثيرة نفسها أمام اقتصاد أحادي يعتمد على تصدير النفط والمعادن والمنتجات الزراعية، دون قاعدة صناعية قادرة على تحويل هذه الموارد إلى قيمة مضافة وفرص عمل وتراكم إنتاجي داخلي. ومع مرور الوقت، أصبحت الدولة الإفريقية في حالات كثيرة مجرد وسيط بين الثروة الموجودة داخل حدودها والشركات والأسواق الموجودة خارجها.لكن تحميل الاستعمار والرأسمالية العالمية كامل المسؤولية لا يعفينا من مساءلة النخب السياسية الإفريقية. فقد تحولت قطاعات من هذه النخب إلى شركاء محليين في إدارة التبعية، واستبدلت مشروع بناء الاقتصاد الوطني بإدارة الريع وتوزيع الامتيازات السياسية. وفي دول عديدة، لم تكن المشكلة في غياب الموارد، بل في غياب المؤسسات القادرة على تحويل الموارد إلى إنتاج. وهكذا أصبحت الثروة الطبيعية مصدرا للصراع على السلطة بدلا من أن تكون أساسا لبناء الدولة.

تقدم تجارب اليابان وكوريا الجنوبية مثالا مهما على أن الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي لا يعني بالضرورة البقاء في موقع التابع. فقد استطاعت هذه الدول بناء قواعد صناعية وتكنولوجية، وتطوير سياسات تعليمية وإنتاجية، واستخدام الدولة أداة للتخطيط والتوجيه الاقتصادي. غير أن استدعاء هذه التجارب باعتبارها وصفة جاهزة للدول الإفريقية ينطوي على تبسيط تاريخي فلكل تجربة ظروفها السياسية والجيوسياسية والمؤسسية، كما أن صعود بعض الاقتصادات الآسيوية ارتبط أيضا بشروط دولية خاصة وبسياسات صناعية حمائية وتدخل حكومي لم تكن النيوليبرالية تسمح بها في خطابها الموجه إلى الدول النامية.وهنا يظهر التناقض الكبير في الخطاب الاقتصادي الغربي الدول التي بنت قوتها الصناعية من خلال حماية أسواقها ودعم شركاتها وتوجيه استثماراتها، أصبحت تطالب الدول الفقيرة بفتح أسواقها وتقليص دور الدولة وإزالة الحواجز أمام المنافسة الدولية. إنها دعوة إلى المنافسة بين أطراف لا تمتلك الأدوات نفسها، ثم تقديم نتائج هذه المنافسة باعتبارها تعبيرا عن الكفاءة الاقتصادية. فكيف يمكن لمصنع إفريقي ناشئ أن ينافس شركات عالمية تمتلك التكنولوجيا والتمويل وسلاسل التوريد والأسواق؟ وكيف يمكن لاقتصاد لم يبن قاعدته الصناعية بعد أن يتحمل تحريرا تجاريا كاملا دون أن يتحول إلى سوق استهلاكية للمنتجات الأجنبية؟

لقد مثل صعود النيوليبرالية منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تحولا جوهريا في إدارة الاقتصاد العالمي. فلم تعد المسألة مجرد الدفاع عن حرية السوق، بل إعادة تعريف دور الدولة والمجتمع والعمل. جرى تقديم الخصخصة وتحرير التجارة وتقليص الإنفاق العام باعتبارها شروطا ضرورية للنمو، وتحولت المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى أدوات مؤثرة في رسم السياسات الاقتصادية للدول المدينة. وباسم الإصلاح الهيكلي، فرضت على دول كثيرة سياسات تقشفية وتحريرا للأسعار وتقليصا للدعم وخصخصة للمؤسسات العامة، دون أن تكون النتائج دائما متناسبة مع الوعود التي صاحبتها.المشكلة ليست في وجود مؤسسات مالية دولية أو في ضرورة إصلاح الاقتصادات المتعثرة، بل في اختلال ميزان القوة الذي يجعل الدولة المحتاجة إلى التمويل تدخل المفاوضات من موقع الضعف. فالقروض لا تأتي دائما بوصفها موارد مالية محايدة، بل قد تتحول إلى وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية وفق تصورات الدائنين. وعندما تصبح شروط التمويل أكثر تأثيرا من احتياجات المواطنين، تفقد السياسات الاقتصادية جزءا من استقلالها، ويصبح القرار الوطني محكوما بحسابات الأسواق والمؤسسات المالية أكثر من ارتباطه بالحاجات الاجتماعية.في هذا السياق، لا يمكن فهم الأزمة المعيشية التي تضرب المجتمعات الفقيرة باعتبارها مجرد ارتفاع عابر في أسعار الغذاء والطاقة. فعندما يصبح الخبز والغاز والسكر والدواء عبئا على ملايين الأسر، فإننا أمام أزمة في بنية توزيع الثروة والدخل، لا مجرد مشكلة في الأسعار. يستطيع النظام الاقتصادي أن يحقق معدلات نمو مرتفعة، وأن تتوسع الشركات وتزداد الأرباح، بينما تتدهور القدرة الشرائية للعمال وتتراجع الخدمات العامة. فالنمو الاقتصادي في حد ذاته لا يخبرنا من يمتلك الثروة، ومن يتحمل تكاليف إنتاجها، ومن يحصل على نصيبها الأكبر.

وتظل قراءة كارل ماركس للرأسمالية ذات أهمية تتجاوز القرن التاسع عشر. لم يكن نقده منصبا على وجود الأغنياء والفقراء فحسب، بل على طبيعة العلاقة بين العمل ورأس المال، وعلى الكيفية التي تتحول بها قوة العمل إلى سلعة داخل نظام الإنتاج. العامل ينتج قيمة تتجاوز ما يحصل عليه في صورة أجر، بينما يستحوذ مالك وسائل الإنتاج على الفائض. ومع تراكم رأس المال، تتسع قدرة المؤسسات الكبرى على السيطرة على الأسواق، وتتراجع فرص المنتجين الصغار في المنافسة، ويتحول جزء من المجتمع إلى قوة عمل غير مستقرة أو عاطلة تنتظر فرصة لا تأتي. لم تعد هذه الظاهرة مقتصرة على المصانع التقليدية التي حللها ماركس، بل امتدت إلى الاقتصاد الرقمي وشركات التكنولوجيا والمنصات العابرة للحدود. فالعامل قد لا يقف اليوم أمام آلة داخل مصنع، لكنه قد يعمل في منصة رقمية تحدد له الأجر وشروط العمل وآليات التقييم، دون أن يمتلك سلطة حقيقية على الوسيلة التي ينتج من خلالها القيمة. تغيرت أدوات الإنتاج، لكن السؤال القديم ما زال قائما: من يمتلك وسائل الإنتاج، ومن يحدد شروط العمل، ومن يستحوذ على القيمة الناتجة عنه؟.كما أن الرأسمالية لم تلغ التناقضات التي تحدث عنها ماركس، وإنما أعادت إنتاجها بأشكال جديدة. فالتقدم التكنولوجي يرفع إنتاجية العمل، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى تقليص ساعات العمل أو تحسين حياة الجميع. وفي ظل غياب توزيع عادل لمكاسب الإنتاج، قد تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة لزيادة الأرباح وتقليص العمالة وتوسيع الفجوة بين من يمتلكون المعرفة ورأس المال ومن لا يمتلكون سوى قوة عملهم. وهكذا يصبح التقدم التقني متقدما على العدالة الاجتماعية، وتتحول القدرة على الإنتاج إلى قدرة على الاستغناء عن الإنسان.ومن التناقضات الجوهرية أيضا أن الإنتاج أصبح اجتماعيا على نطاق واسع، بينما ظلت ملكية وسائل الإنتاج والثروة مركزة في أيدي أقلية محدودة. ملايين العمال والمهندسين والموظفين والمزارعين يشاركون في إنتاج السلع والخدمات، لكن القرار الاقتصادي النهائي يظل في يد مجموعات من المساهمين وأصحاب الشركات الكبرى. هذه الفجوة بين الطبيعة الاجتماعية للإنتاج والطبيعة المركزة للملكية تمثل أحد أهم الأسئلة التي تركها النقد الماركسي مفتوحة أمام الاقتصاد السياسي المعاصر.ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول نقد الرأسمالية إلى حنين غير نقدي إلى النماذج الاشتراكية التي رفعت شعارات العدالة ثم أنتج بعضها أجهزة بيروقراطية احتكرت السلطة والثروة وأخضعت المجتمع لسيطرة الدولة. فالمشكلة لا تنتهي بمجرد تغيير اسم النظام الاقتصادي، كما أن ملكية الدولة لا تعني بالضرورة ملكية المجتمع. وقد أثبتت تجارب تاريخية أن غياب الديمقراطية والمساءلة يمكن أن يحول الدولة نفسها إلى مركز احتكار جديد، وأن يتحول العامل الذي كان خاضعا لسلطة الرأسمالي إلى تابع لبيروقراطية لا يستطيع مساءلتها.لذلك، فإن النقاش الجاد لا يتعلق بالاختيار السطحي بين رأسمالية مطلقة واشتراكية مغلقة، بل بطبيعة النظام الذي يضمن الإنتاج ويمنع الاحتكار ويحمي حقوق العمال ويوزع عوائد التنمية بصورة عادلة. فالسوق أداة لتنظيم النشاط الاقتصادي، وليس سلطة أخلاقية فوق المجتمع، والدولة ليست مجرد جهاز لتحصيل الضرائب أو حماية مصالح المستثمرين، بل مؤسسة يفترض أن تضمن المصلحة العامة وتخضع للمساءلة الديمقراطية.أما على المستوى الدولي، فإن التحدي الأكبر يتمثل في استمرار النظام العالمي الذي يمنح القوى الاقتصادية الكبرى قدرة استثنائية على صياغة قواعد التجارة والتمويل والاستثمار، بينما تجد الدول الأضعف نفسها مطالبة بالامتثال لقواعد لم تكن طرفا متكافئا في وضعها. والاعتراض على الهيمنة الأمريكية لا يعني رفض القانون الدولي، بل يعني رفض تحويل القوة السياسية والاقتصادية إلى مرجعية تعلو على القانون. فالقواعد الدولية تفقد معناها عندما تطبق بصرامة على الضعفاء، وتصبح قابلة للتأويل والتجاوز عندما تتعارض مع مصالح الأقوياء.

إن تمرد بعض الدول على النظام الدولي القائم يعكس أزمة ثقة في بنية الحوكمة العالمية، لكنه لا يمثل بالضرورة مشروعا بديلا للعدالة. فرفض الهيمنة الأمريكية لا يكفي لبناء نظام دولي أكثر إنصافا، خصوصا إذا كان البديل مجرد انتقال لمركز القوة من واشنطن إلى عاصمة أخرى. العالم لا يحتاج إلى إمبراطورية جديدة تتحدث بلغة مختلفة، بل إلى نظام يعترف بالسيادة المتساوية للدول، ويمنح المجتمعات حق المشاركة في تحديد مصائرها الاقتصادية والسياسية.لقد انتصرت الرأسمالية بوصفها النظام الاقتصادي الأكثر انتشارا وتأثيرا في العالم، لكنها لم تنتصر بوصفها إجابة نهائية عن سؤال العدالة. فاستمرار الفقر وسط الوفرة، والبطالة وسط التقدم التكنولوجي، والتبعية وسط الاستقلال السياسي، والاحتكار وسط الحديث عن المنافسة، كلها تناقضات تكشف أن انتصار نظام اقتصادي لا يعني بالضرورة نجاحه الإنساني.كان ماركس يرى أن الرأسمالية، وهي توسع الإنتاج وتجمع العمال داخل عملية اقتصادية مشتركة، تخلق في الوقت نفسه الشروط المادية لظهور قوة اجتماعية قادرة على مساءلة علاقات الملكية والاستغلال. لكن التاريخ لم يسلك طريقا آليا نحو انتصار العمل على رأس المال، كما أن الطبقة العاملة لم تتشكل في كل مكان بوصفها قوة سياسية موحدة. فقد انقسمت المجتمعات بفعل القومية والعرق والدين والهوية، واستطاعت الرأسمالية في حالات كثيرة استيعاب الاحتجاجات وتحويل مطالبها إلى إصلاحات محدودة لا تمس جوهر توزيع القوة والثروة.

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الرأسمالية ستسقط غدا، بل ما إذا كانت المجتمعات قادرة على انتزاع حقها في إعادة تنظيم الاقتصاد بما يخدم الإنسان، لا أن يبقى الإنسان مجرد أداة لخدمة تراكم رأس المال. فالتاريخ لا يمنح العدالة تلقائيا، ولا تسقط أنظمة الهيمنة لمجرد أنها تحمل تناقضاتها في داخلها. إنها تتراجع عندما تتشكل قوى اجتماعية وسياسية قادرة على فهم تلك التناقضات وتحويلها إلى مشروع مؤسسي وديمقراطي بديل. وفي عالم أصبح فيه إنتاج الثروة ممكنا على نطاق غير مسبوق، يظل السؤال الأكثر إلحاحا: كيف يمكن للبشرية أن تنتج كل هذه الثروة، ثم تعجز عن ضمان الخبز والدواء والتعليم والسكن لملايين البشر؟.

*زكريا نمر قواد هو كاتب صحفي، وناقد، ومحلل سياسي من جنوب السودان

↑
Exit mobile version