سيارات مخصصة لنقل المتمدرسين والأطفال في وضعية إعاقة تُسخّر للانتخابات بمراكش.. مراسلة للولاية تثير الاستغراب

كش بريس/التحرير ـ

أثارت مراسلة صادرة عن ولاية جهة مراكش–آسفي، موجهة إلى الجمعيات المستفيدة من سيارات النقل المقتناة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، جدلاً واستغراباً في أوساط عدد من فعاليات المجتمع المدني، بعدما طلبت من هذه الجمعيات وضع السيارات رهن إشارة عمالة مراكش، ابتداء من 18 شتنبر الجاري، استعداداً للانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026.

وتكشف المراسلة، الصادرة عن قسم العمل الاجتماعي بولاية الجهة، أن الغرض من وضع هذه السيارات رهن إشارة العمالة يتمثل في «توفير الوسائل اللوجستيكية اللازمة لإنجاح مختلف العمليات المرتبطة» بالاستحقاقات الانتخابية.

وتأتي الخطوة، وفق إفادات عدد من مسؤولي الجمعيات المعنية، في ظرفية انتخابية حساسة، فيما لم يسبق، بحسب تصريحاتهم، أن طُلب منهم تسخير هذا النوع من وسائل النقل الاجتماعية لفائدة تدبير استحقاق انتخابي.

من نقل الأطفال إلى خدمة الاستحقاق الانتخابي

وتزداد علامات الاستفهام، وفق المصادر نفسها، بالنظر إلى طبيعة السيارات المعنية والغاية الاجتماعية التي اقتُنيت من أجلها في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

وقال مسؤولو عدد من الجمعيات، تحدثوا إلى الموقع مفضلين عدم الكشف عن هوياتهم، إن عدداً من هذه السيارات مجهز أساساً لنقل الأطفال المتمدرسين، وفي وضعية إعاقة، وإنها تتوفر على تجهيزات وكراسٍ خاصة صممت لتثبيت أجساد هؤلاء الأطفال وضمان سلامتهم أثناء التنقل، ما يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة استعمالها لأغراض أخرى خلال فترة تحتاج فيها الفئات المستفيدة إليها بشكل منتظم.

وبحسب المصادر ذاتها، فقد خلف القرار صدمة لدى الجمعيات التي وجدت نفسها أمام وضع غير مألوف، خصوصاً أن هذه المركبات لا تمثل بالنسبة إليها مجرد وسائل نقل عادية، وإنما جزء من خدمة اجتماعية ترتبط مباشرة بأطفال وأسر تعاني أصلاً من صعوبات مادية ولوجستية.

وتساءل مسؤولون جمعويون عن مصير الخدمات التي تقدمها هذه السيارات خلال الفترة التي ستوضع فيها رهن إشارة العمالة، وعن الجهة التي ستتحمل مسؤولية تدبير تنقل الأطفال المستفيدين من خدماتها، في حال تعذر على الجمعيات استعمالها.

سائق الجمعية ووقودها.. من يتحمل الكلفة؟

ولا تقف علامات الاستفهام عند طلب وضع السيارات رهن الإشارة، إذ تتضمن المراسلة شروطاً إضافية تطلب من الجمعيات الالتزام بها، من بينها توفير سائق ووضعه رهن الإشارة طيلة مدة الاستعمال، فضلاً عن ضمان توفير الوقود اللازم للسيارة طوال فترة تسخيرها.

وهنا تبرز مفارقة أخرى لا تخفي الجمعيات استغرابها منها؛ فالسائق المطلوب وضعه رهن إشارة العمالة هو في الأصل مرتبط بالجمعية المستفيدة، التي تتحمل، في الظروف العادية، أعباء تدبير خدماتها في حدود إمكانياتها المالية المحدودة.

ويرى عدد من مسؤولي الجمعيات أن تحميل تنظيمات مدنية هشة مالياً واجتماعياً كلفة توفير السائق والوقود لسيارات ستُستخدم في تدبير احتياجات مرتبطة بالاستحقاق الانتخابي يطرح سؤالاً حول من ينبغي أن يتحمل هذه النفقات، خصوصاً أن الإدارة الترابية تتوفر، من حيث المبدأ، على مواردها المالية ووسائلها اللوجستيكية وأسطولها من السيارات والسائقين الموظفين أو العاملين لديها.

أما اشتراط توفير الوقود من طرف الجمعيات، فقد اعتبره متحدثون للموقع أكثر البنود إثارة للاستغراب، متسائلين: إذا كانت السيارة ستُسخّر لحاجة مرتبطة بعمل العمالة خلال الانتخابات، فلماذا يُطلب من جمعية محدودة الموارد أن تتحمل تكلفة وقودها؟ ومن يتحمل في النهاية الكلفة الاجتماعية لهذا التسخير؟

وتقول المصادر الجمعوية إن الجمعيات المستفيدة من هذه السيارات تعاني أصلاً من محدودية الموارد، وإن استنزاف إمكانياتها في تغطية نفقات لا ترتبط مباشرة بأنشطتها الاجتماعية قد ينعكس على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المستفيدين.

المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.. أي أولوية؟

وتضع الواقعة، في نظر الفاعلين الجمعويين، سؤالاً أوسع حول فلسفة استعمال الممتلكات والتجهيزات التي اقتُنيت بأموال عمومية في إطار برامج ذات أهداف اجتماعية محددة، ومدى إمكانية إعادة توجيهها مؤقتاً لخدمة أغراض أخرى لا ترتبط مباشرة بالغاية التي استفادت الجمعيات من أجلها.

فالسيارة المقتناة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية يفترض أن تكون، من منظور الجمعيات المستفيدة، أداة لتحسين خدمة اجتماعية موجهة إلى فئات محددة، لا مجرد مركبة متاحة يمكن استدعاؤها كلما ظهرت حاجة لوجستيكية لدى الإدارة.

ولا يتعلق الأمر هنا، وفق المتحدثين، برفض التعاون مع السلطات أو المساهمة في إنجاح الاستحقاقات الوطنية، وإنما بطرح سؤال حول حدود هذا التعاون، وطبيعة الوسائل التي يجوز تسخيرها، والجهة التي ينبغي أن تتحمل كلفة ذلك.

وتزداد حساسية الموضوع بالنظر إلى ارتباط الطلب بانتخابات تشريعية، وهي مناسبة يفترض أن تحاط بأعلى درجات الحياد والوضوح في تدبير الموارد والوسائل العمومية، بما يمنع أي التباس بين المرفق الإداري والتدبير الانتخابي.

طلب رسمي ومجتمع مدني أمام اختبار جديد

وتطلب المراسلة من الجمعيات المعنية وضع السيارات رهن إشارة عمالة مراكش ابتداء من 18 شتنبر، مع اشتراط أن تكون في حالة نظافة جيدة وصالحة للاستعمال، وأن تكون حالتها الميكانيكية سليمة، إلى جانب توفير السائق والوقود.

كما دعت الجمعيات إلى سحب الطلب أو أمر المهمة من قسم العمل الاجتماعي يوم الاثنين 14 شتنبر الجاري.

وتضع هذه المراسلة الجمعيات أمام وضع دقيق: هل يتعلق الأمر بمجرد إجراء لوجستيكي استثنائي تفرضه الحاجة إلى تدبير الانتخابات، أم أن الأمر يستوجب تحديداً أكثر وضوحاً للأساس القانوني والإداري الذي يسمح بتسخير وسائل اقتُنيت لأهداف اجتماعية محددة؟

وفي انتظار توضيحات رسمية من ولاية جهة مراكش–آسفي بشأن دوافع القرار والأساس الذي استندت إليه، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة للجمعيات المعنية مرتبطاً بالفئات التي صُممت هذه السيارات لخدمتها: هل يستطيع طفل في وضعية إعاقة أن ينتظر انتهاء الاستحقاق الانتخابي حتى يستعيد وسيلة نقله، أم أن حقه في التنقل والخدمة الاجتماعية ينبغي أن يظل أولوية لا تزاحمها أية حاجة ظرفية؟

وتتطلع فعاليات المجتمع المدني إلى توضيح رسمي يبدد علامات الاستفهام التي خلفتها المراسلة، ويحدد بشكل دقيق طبيعة الاستعمال المرتقب لهذه السيارات، ومدته، والجهة التي ستتحمل تكاليف السائق والوقود والصيانة، فضلاً عن الضمانات الكفيلة بعدم تعطيل الخدمات الاجتماعية الموجهة إلى المستفيدين الأصليين منها.

الصورة من الأرشيف ـ

Exit mobile version