شكايات الفساد بالمغرب تقفز إلى 420 ملفاً خلال سنة واحدة.. الإدارة الترابية والعدالة في صدارة القطاعات المبلغ عنها

كش بريس/التحرير ـ

سجلت الشكايات والتبليغات المرتبطة بشبهات الفساد ارتفاعاً غير مسبوق خلال سنة 2025، بعدما تضاعف عدد الملفات التي توصلت بها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها بأكثر من أربع مرات، منتقلاً من 92 ملفاً سنة 2024 إلى 420 ملفاً في السنة الموالية. وتصدرت الإدارة الترابية والجماعات الترابية وقطاع العدالة قائمة المجالات التي وردت بشأنها التبليغات، في مقابل معطى آخر لافت يتمثل في أن 59 ملفاً فقط انتقلت إلى مرحلة تعميق الدراسة أو البحث والتحري.

وتكشف حصيلة التقرير السنوي للهيئة برسم سنة 2025، المنشور بالجريدة الرسمية في 30 أكتوبر 2026، عن اتساع لجوء المواطنين إلى قنوات التبليغ، بالتوازي مع استمرار إشكالات تتعلق بحدود الاختصاص القانوني للمؤسسة، ومدى توفر الشكايات على المعطيات والقرائن التي تسمح بفتح مسارات متقدمة للبحث.

الإدارة الترابية والعدالة تستأثران بنحو 59 في المائة من الملفات

احتلت الإدارة الترابية والجماعات الترابية المرتبة الأولى ضمن القطاعات موضوع الشكايات والتبليغات، بما مجموعه 147 ملفاً، تلاها قطاع العدالة بـ101 ملف. وبذلك بلغ عدد الملفات المرتبطة بالمجالين 248، أي ما يقارب 59 في المائة من مجموع الملفات المسجلة خلال السنة.

وحلت التربية الوطنية في المرتبة التالية بـ19 ملفاً، فيما سجل قطاعا الاقتصاد والمالية والأمن الوطني 17 ملفاً لكل واحد منهما، ثم الصحة والحماية الاجتماعية بـ16 ملفاً، والتجهيز والماء بـ13 ملفاً، والدرك الملكي بعشرة ملفات.

وأشار التقرير إلى أن تصدر الإدارة الترابية والجماعات الترابية وقطاع العدالة يتكرر للسنة الثالثة على التوالي، بما يعكس استمرار حضور هذين المجالين في اهتمامات المواطنين وتصوراتهم بشأن الاختلالات المحتملة. غير أن الهيئة شددت على ضرورة التمييز بين عدد الشكايات وحجم الفساد المثبت، ذلك أن التبليغات تعبر عن تجارب أصحابها وشكوكهم وإدراكهم لطبيعة الممارسات التي تعرضوا لها، ولا تشكل في حد ذاتها دليلاً على ثبوت الأفعال المبلغ عنها.

كما رصد التقرير اتساع المجالات التي ترد بشأنها شكايات وتبليغات، لتشمل الجمارك والمحافظة العقارية والقطاع البنكي وبعض الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يعكس تنامي اهتمام المواطنين بالمخاطر المرتبطة بالمعاملات المالية والاقتصادية وبالأنشطة المتصلة بالاستثمار.

212 ملفاً خارج الاختصاص و59 ملفاً فقط في مرحلة البحث

على مستوى معالجة الملفات، أفادت الهيئة بأنها استكملت الدراسة الأولية لجميع الشكايات والتبليغات الـ420 التي توصلت بها خلال سنة 2025، دون تسجيل ملفات ظلت خارج المعالجة. وأسفرت هذه العملية عن التصريح بعدم الاختصاص في 212 ملفاً، أي ما يعادل نحو 50,5 في المائة من المجموع، فيما تقرر عدم قبول 82 ملفاً، وحفظ 54 ملفاً لغياب المعطيات أو القرائن الكافية التي تبرر اتخاذ إجراءات إضافية.

وفي المقابل، لم يتجاوز عدد الملفات التي انتقلت إلى مرحلة تعميق الدراسة أو البحث والتحري 59 ملفاً، بنسبة تقارب 14 في المائة من مجموع الملفات المتوصل بها.

وتربط الهيئة ارتفاع حالات عدم الاختصاص باستمرار الخلط لدى بعض المواطنين بين مهامها القانونية وبين أدوار مؤسسات أخرى معنية بالنظر في التظلمات الإدارية والقضائية ومختلف النزاعات. فصلاحيات الهيئة تظل محكومة بالإطار القانوني المنظم لاختصاصاتها، ولا تشمل جميع الشكايات المرتبطة بسوء التدبير أو الخلافات الإدارية والقضائية.

أما محدودية الملفات التي بلغت مراحل متقدمة من الفحص، فتثير، وفق التقرير، مسألة طبيعة المعلومات المقدمة ومدى كفايتها لإسناد الوقائع المبلغ عنها. إذ إن التبليغ عن شبهة فساد يحتاج إلى معطيات دقيقة وقرائن قابلة للفحص، بما يتيح تحديد الأفعال والأطراف والظروف المحيطة بها، ويمهد لاتخاذ الإجراءات التي يسمح بها القانون.

الشكايات ترتفع من 37 إلى 237 خلال سنة واحدة

وتبرز المقارنة السنوية حجم التحول الذي عرفته وتيرة التبليغ؛ فبعد تسجيل 85 ملفاً سنة 2023، ارتفع العدد إلى 92 خلال سنة 2024، قبل أن يقفز إلى 420 ملفاً في سنة 2025.

وشمل هذا التطور مكوني الشكايات والتبليغات، إذ انتقل عدد الشكايات من 37 سنة 2024 إلى 237 سنة 2025، بينما ارتفع عدد التبليغات من 55 إلى 183 خلال الفترة نفسها.

ومع ذلك، تتحفظ الهيئة على قراءة هذه الأرقام باعتبارها مؤشراً مباشراً على تفاقم الفساد داخل المرافق العمومية، موضحة أن ارتفاع الملفات قد يرتبط أيضاً بتزايد استعداد المواطنين للإبلاغ، وتحسن إمكانية الوصول إلى قنوات التواصل، واتساع الوعي بوجود مؤسسة مختصة بتلقي الشكايات والتبليغات المرتبطة بالفساد.

وفي المقابل، ترى الهيئة أن الحجم المسجل يظل محدوداً بالنظر إلى عدد السكان واتساع المجال الترابي وتعدد القطاعات المعنية، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن العوامل التي قد تحول دون لجوء فئات من المواطنين إلى التبليغ، وفي مقدمتها ضعف الإلمام باختصاصات المؤسسة، والتخوف من تبعات الإبلاغ، ومحدودية المعرفة بالمساطر والضوابط القانونية ذات الصلة.

منصة «تبليغ فساد» تتحول إلى القناة الرئيسية للتواصل

وسجل التقرير تحولاً واضحاً في الوسائل التي يعتمدها المواطنون لإيصال شكاياتهم وتبليغاتهم، مع تنامي استخدام القنوات الرقمية، خصوصاً منصة «تبليغ فساد» التي أطلقت في منتصف سنة 2024.

وخلال سنة 2025، استقبلت المنصة 215 ملفاً من أصل 420، أي ما يزيد على نصف مجموع الملفات المسجلة، في حين لم يتجاوز عدد الملفات المودعة حضورياً بمقر الهيئة 25 ملفاً.

وتعكس هذه الأرقام تنامي الاعتماد على الوسائل الرقمية في التواصل مع المؤسسة، بالنظر إلى ما توفره من سهولة في الإيداع وتقليص الحاجة إلى التنقل والحضور المباشر. كما تضع هذه الحصيلة أمام الهيئة تحدياً يرتبط بتطوير قنوات التبليغ وضمان مواكبة المستخدمين، حتى تتحول سهولة الولوج إلى مدخل لتحسين جودة المعلومات والوثائق المقدمة.

من ارتفاع التبليغات إلى نجاعة المعالجة

وتضع حصيلة سنة 2025 الهيئة أمام معادلة تتجاوز مجرد تسجيل ارتفاع في عدد الشكايات والتبليغات؛ فالمؤشر الكمي، على أهميته، يحتاج إلى أن يواكبه تحسن في توجيه المواطنين نحو الجهة المختصة، وفي قدرتهم على تقديم معطيات دقيقة تسند الوقائع المبلغ عنها.

ويبرز التقرير، في هذا السياق، الحاجة إلى توسيع التعريف بالاختصاصات القانونية للهيئة، وتبسيط شروط التبليغ، وتعزيز الثقافة القانونية المرتبطة بكشف الفساد، إلى جانب تطوير آليات استقبال الملفات وفرزها ومواكبتها.

فالتحدي المطروح يتمثل في تحويل تنامي استعداد المواطنين للتبليغ إلى مسار مؤسساتي أكثر فعالية، يضمن وصول الشكايات ذات الصلة إلى الجهات المختصة، ويتيح التعامل مع القرائن المتوفرة وفق الضوابط القانونية، بما يعزز قدرة منظومة النزاهة على رصد أفعال الفساد والتصدي لها.

↑
Exit mobile version