
كتب : حسن الوزان
يأتي كتاب “ترنيمة إفريقية” لعائشة حسمي، الصادر حديثا عن منشورات النورس، كشهادة وجدانية وفكرية عن إفريقيا، باعتبارها فضاء روحيا وثقافيا يعيد تشكيل الذات ويصقل وعيها في احتكاك مع المغاير. منذ الإهداء، حيث تُستحضر الأم بوصفها “شجرة الصبر” وإفريقيا ككيان يسكن الخاطر، يعلن النص انحيازه إلى تجربة حميمة، تتداخل فيها الذاكرة الشخصية مع الوعي الجمعي.
تنبني المجموعة القصصية لعائشة حسمي على ثلاثة أقسام كبرى، تتوزع بين التمهيد، والتجربة الثقافية الإفريقية، ويوميات محو الأمية، في بنية تجمع بين السرد التأملي والكتابة الانطباعية والنصوص ذات النفس الشعري. هذه البنية لا تخضع لمنطق الحكي الخطي، بل تنفتح على شذرات وتجارب ومشاهد، تجعل من الرحلة تجربة وجودية أكثر منها انتقالًا مكانيًا.
في القسم الأول، تتأسس الرؤية العامة للنص، حيث تُطرح الرحلة بوصفها كشفًا للهشاشة الإنسانية وإعادة تعريف للأمان، حيث تصبح إفريقيا مرآة تعكس قلق الذات وأسئلتها العميقة. يتقاطع النص مع مقولات فلسفية وشعرية، مستحضِرًا أصواتًا عالمية مثل فيلليني وسنغور، في محاولة لربط التجربة الفردية بأفق إنساني كوني.
أما القسم الثاني، فيُعد قلب الكتاب النابض، حيث تنفتح الكاتبة على تفاصيل الحياة الإفريقية: الأسواق، الرقص، الطقوس، العلاقات الاجتماعية، ومشاهد الحياة اليومية. لكن هذه التفاصيل لا تُقدَّم بوصفها فولكلورًا سطحيًا، بل باعتبارها أنساقًا دلالية عميقة، تكشف عن فلسفة العيش في المجتمعات الإفريقية. فالسوق، مثلًا “مدرسة للحكمة والتعارف”، حيث تتقاطع الحكايات والوجوه والذاكرة الجماعية. كما يحتل الجسد والإيقاع موقعًا مركزيًا في هذا القسم، إذ يُقدَّم الرقص بوصفه لغة بديلة للكلام، وامتدادًا لنبض الأرض نفسها. هنا، تستعيد الكاتبة البعد الحيوي للثقافة الإفريقية، حيث تتجلى الحياة في حركتها وإيقاعها، لا في خطابها النظري.
في القسم الثالث، تتحول الكتابة نحو تجربة محو الأمية، التي تُقدَّم كفعل تحرري بامتياز. لا يتعلق الأمر فقط بتعليم القراءة والكتابة، بل بإعادة بناء الإنسان من الداخل. فالقراءة، كما يرد في النص، ليست مهارة تقنية، بل شرط للحرية. ومن خلال يوميات هذا العمل، ترصد الكاتبة التحولات النفسية والاجتماعية التي يعيشها المتعلمون، كاشفة عن عمق العلاقة بين المعرفة والكرامة الإنسانية.
يتميز الكتاب بلغة تجمع بين الشعرية والتأمل، حيث تتجاور الجملة المكثفة مع الاستعارة العميقة، وتُستثمر الاقتباسات الفكرية والأدبية لتوسيع أفق النص. كما يحضر البعد النسوي بشكل ضمني، من خلال الإنصات إلى معاناة النساء الإفريقيات، وإبراز أدوارهن في بناء الحياة رغم قسوة الظروف.
“ترنيمة إفريقية” هو نص عن الإنسان في مواجهة الآخر، وعن الذات وهي تعبر نحو فهم أعمق للعالم. إنه دعوة إلى إعادة النظر في الصور النمطية، وإلى اكتشاف إفريقيا كفضاء غني بالمعنى، والإنسانية، والجمال. حيث يندرج الكتاب ضمن الأدب الذي يزاوج بين الرحلة والفكر، بين التجربة الشخصية والأسئلة الكونية، ليقدم للقارئ نصًا سرديا مفتوحًا على التأمل، ومشحونًا بطاقة إنسانية عالية.





