ـ مقاربة نسقية في التربية الجمالية والتدبير المؤسساتي ـ
مقدمة منهجية: في راهنية المدخل الثقافي
استكمالاً لمسارنا البحثي، وتأسيساً على ما سلف طرحه في سلسلة مقالاتنا وأبحاثنا السابقة حول قضايا المدرسة، نواصل تعميق النقاش الأكاديمي حول محورية البعد الثقافي في إصلاح منظومة التربية والتكوين. يشهد العالم تحولات بنيوية عميقة تفرض على المؤسسات التعليمية تجاوز أدوارها الكلاسيكية المقتصرة على التلقين الجاف للمعلومات. وفي هذا السياق، يبرز “المدخل الثقافي” كخيار استراتيجي لا محيد عنه، يهدف إلى تحويل المدرسة من مجرد ناقل للمعرفة إلى مختبر حي لإنتاج الثقافة وتجديدها المستمر. وتكتسي هذه المقاربة راهنيتها القصوى من خلال النقاش الوطني المصاحب لأجرأة “النموذج التنموي الجديد”، والذي يدعو صراحة إلى إحداث نهضة تربوية جوهرية تعيد المدرسة إلى صلب المشروع المجتمعي لبناء مدرسة الجودة والتميز.
المحور الأول: راهنية المسألة التربوية والأسس الفلسفية للمدرسة المأمولة
(مقاربة تأطيرية تدمج الرؤية الفلسفية في هندسة معالم النموذج المدرسي)
يُشكل التساؤل حول “الغاية الوجودية والماهية العميقة للمدرسة المغربية” أحد أهم المداخل الإشكالية التي توجه بوصلة النقاش التربوي المعاصر، نظراً لما يحمله من رهانات استراتيجية وثقافية تتقاطع مع صميم المشروع المجتمعي برمته. وعلى الرغم من تنوع المنطلقات الفكرية والتباينات الإيديولوجية للمقاربات المعتمدة، يبرز إجماع راسخ حول عجز المدرسة، بصيغتها التقليدية الحالية، عن مسايرة إيقاع التحولات المتسارعة؛ وهو ما يفرض حتمية إعادة هندسة أدوارها وتصوراتها بما يستجيب للمتطلبات المجتمعية المستجدة ويواكب تحديات التنمية المستدامة.
إن النموذج المدرسي الذي نتطلع إليه يجب أن يكون مرآة عاكسة لهوية الوطن؛ مدرسة متأصلة في عمقها التاريخي، متفردة بخصوصيتها الجغرافية، ووفية لنسقها القيمي والحضاري الأصيل. هي مؤسسة تجسد التجذر الوطني العميق، وتُترجم في الوقت ذاته دينامية انفتاح المغرب على امتداداته الإقليمية والدولية. إننا ننشد مدرسة تتفاعل مع نبض المجتمع، تستوعب تطلعات المواطنين، وتحتضن آمالهم وانشغالاتهم، بل وتتفهم إخفاقاتهم وفق مقاربة تربوية، إنسانية، وتشاركية. يرتكز طموحنا على إرساء مشروع تربوي مندمج يزاوج بين الوفاء للثوابت القيمية، والتفاعل الإيجابي مع معطيات العصر، والاستشراف العقلاني للمستقبل. إنها، باختصار، مدرسة تقطع مع التلقين السلبي لتجعل من المتعلم شريكاً فاعلاً في إنتاج المعرفة، منطلقة من إيمان راسخ بأن الرأسمال البشري هو الثروة الحقيقية والرافعة الأساسية لتقدم الأمم ونهضتها.
المحور الثاني: المدخل الثقافي كرافعة للتنمية ومشروع المؤسسة المندمج كآلية للتنزيل
لا يمكن تحقيق تنمية بشرية مستدامة دون تأسيس معياري وقيمي يرتكز على المواطنة، والحرية، والديمقراطية. وهو ما أؤكد عليه دائماً، وكما فصلتُ القول في مقالتي وعرضي المرجعي المنشور سابقاً والموسوم بـ “المدخل الثقافي: رهان بناء ‘المدرسة المغربية الجديدة'”، حيث أشرت إلى أن منظومتنا التربوية يجب أن تُبنى على رؤية متكاملة تتقاطع فيها ثمانية مبادئ أساسية لتحقيق مدرسة الإنصاف، والجودة، والانفتاح.
يتصدر هذه المبادئ الاستراتيجية الثمانية محور الحكامة وتجويد التدبير المؤسساتي، والذي يستلزم تفعيل “مشروع المؤسسة المندمج” كآلية استراتيجية وعملية (وفق المادة 2 من القانون الإطار 51.17). ولا يمكن لهذا المشروع أن ينجح في تنزيل المدخل الثقافي دون إقرار الاستقلالية الإدارية والمالية للمؤسسات (تفعيلاً للمادة 40)، مما يسمح بربط المسؤولية بالمحاسبة والتدبير بالنتائج، وتوفير الموارد اللازمة لتنشيط الحياة المدرسية.
وتكتمل هذه الرؤية عبر المبادئ الأخرى المتمثلة في:
تجديد المناهج: بالتوازن بين الأصالة والانفتاح الكوني وإدماج الأبعاد الثقافية.
الارتقاء بمهنة التدريس: عبر تطوير المهارات الثقافية لهيئة التدريس.
الانفتاح على المحيط والمشاركة المجتمعية: بإشراك المحيط الاقتصادي والثقافي وجمعيات التدبير.
الرقمنة: كجسر نحو الإنصاف وتكافؤ الفرص.
حفز البحث العلمي والإبداع: بترسيخ التفكير النقدي والابتكار.
تأصيل القيم: جعل المدرسة حاضنة للهوية الوطنية والتسامح.
التقييم المستمر: لقياس أثر الأبعاد الثقافية في تحسين التعلمات.
المحور الثالث: التربية الجمالية وبناء “جيل المعنى” (المقاربة والمنهجية)
تتحدد الغاية المثلى للمدرسة المنشودة في هندسة وبناء جيل جديد؛ جيل يتسم بروح الإبداع، يُعلي من شأن الفكر، ويحتفي بقيم المعرفة، ليخوض غمار الابتكار بشغف واعٍ ومسؤولية مجتمعية. إنه جيل يمتلك القدرة على إنتاج المعنى وتأسيس ثقافة نقدية رصينة، تمكنه من استيعاب تعقيدات السياق الراهن وفهم التحولات العميقة، بغية اجتراح حلول واقعية وعملية تلبي متطلبات الحاضر، وتستشرف آفاق المستقبل بوعي استراتيجي وتبصر.
ولترجمة هذا الطموح التربوي إلى ممارسة فعلية، يغدو التنزيل الإجرائي لهذه المبادئ مشروطاً بالانخراط العضوي في حقلي التربية الجمالية والتدبير الثقافي. فهذان المجالان يمثلان المقاربة الأنجع والآلية الأكثر فاعلية لأنسنة الفضاء المدرسي، وتحصين المتعلمين، وتجفيف منابع الظواهر السلوكية المشينة كالعنف والتنمر. وتأسيساً على ذلك، ومن منظور المقاربة الميدانية لـ “مشروع المؤسسة المندمج”، يتم استنبات هذا البعد الثقافي والجمالي وفق هندسة منهجية دقيقة المعالم، تتحدد مساراتها في:
التدبير الثقافي للمؤسسة: تجاوز النظرة الموسمية للأنشطة المدرسية المندمجة والداعمة، وتحويلها إلى برامج قارة (أندية مسرحية، محترفات فنية، سينما مدرسية، خرجات استطلاعات للرأي…) تُمول مباشرة من الميزانية المستقلة للمؤسسة.
الأنسنة الجمالية للفضاء: إعادة هيكلة الفضاء المدرسي هندسياً وبصرياً ليكون فضاءً ناطقاً بالجمال ومحفزاً على الانتماء، مما يعزز الاستقرار النفسي للمتعلم.
تقويم الأثر القيمي: إخضاع الأنشطة الثقافية لشبكات تقويمية تقيس مدى تحول الإبداع الفني إلى سلوك مدني فعلي يتجسد في احترام الاختلاف والتعايش السلمي.
المحور الرابع: الامتداد الفكري والتقييم النقدي لرواد التربية والثقافة
إن بناء هذه المقاربة النسقية لا ينطلق من فراغ، بل يستند إلى تراكم تنظيري عميق لرواد الفكر والتربية في المغرب. وباعتبار هذا المقال امتداداً لأبحاثنا السابقة، نُفصّل هنا في هذه المرجعيات الفكرية دون بتر أو تلخيص مخل، لتأكيد الترابط بين جودة المدرسة والمدخل الثقافي:
محمد عابد الجابري (التأصيل الهوياتي وتجاوز الازدواجية):
في كتابه المرجعي “أضواء على مشكل التعليم بالمغرب”، قدم الجابري تشريحاً دقيقاً لأزمة المدرسة، معتبراً إياها أزمة ذات جذور اجتماعية وثقافية عميقة وليست مجرد اختلال بيداغوجي. وقد أكد الجابري بوضوح أن المدرسة لا يمكن أن تؤدي أدوارها الطلائعية وتنجح في تحقيق التقدم الحضاري إلا إذا استطاعت مصالحة المتعلم مع هويته الثقافية. إن تجاوز الازدواجية اللغوية والثقافية الموروثة هو الشرط الأساس لبناء مدرسة وطنية تعكس الذات المغربية وتضمن تكافؤ الفرص الحقيقي.
المهدي المنجرة (النسق الثقافي كشرط تنموي):
من منظور الدراسات المستقبلية، أطلق عالم المستقبليات المهدي المنجرة صرخة تحذيرية مستمرة ضد ما أسماه “أزمة القيم”. وقد شدد في مجمل أعماله على أن جودة منظومة التعليم ترتبط ارتباطاً عضوياً وتلازمياً بالمدخل الثقافي. فبالنسبة للمنجرة، لا وجود لتنمية مستدامة دون استنادها المطلق إلى النسق الثقافي للمجتمع. المدرسة في هذا التصور ليست مصنعاً للشهادات، بل هي الأداة الكبرى لإنتاج ثقافة الإبداع، وترسيخ منظومة القيم والسلوك المدني التي تحفظ للإنسان كرامته وفاعليته.
عبد الجليل الحجمري (أزمة الجودة هي أزمة قيم):
في سياق التحليل السوسيولوجي والتربوي، يؤكد مفكرون وفاعلون من طينة عبد الجليل الحجمري أن أزمة المدرسة المغربية هي في جوهرها وحقيقتها “أزمة قيم”. ويُجمع هؤلاء على أن كل حديث عن “الجودة” والتفوق البيداغوجي يبقى حديثاً تقنياً بارداً وفارغاً من محتواه، ما لم تتحول المدرسة إلى مشتل حقيقي لترسيخ السلوك المدني. فقيمة المواطنة لا تُلقن عبر نصوص جافة تُحفظ عن ظهر قلب، بل تُعاش كواقع تفاعلي وممارسة يومية داخل المؤسسة عبر الأنشطة الثقافية والموازية.
محمد الكحص (المدرسة والجامعة كفضاءات للتنوير):
في انسجام تام مع مشروع مجتمع الحداثة، نستحضر الرؤية العميقة للأستاذ محمد الكحص، وزير الشباب والرياضة الأسبق إبان حكومة التناوب التوافقي، والذي طالما دافع بشراسة عن المدرسة والجامعة باعتبارهما “فضاء للتنوير” بامتياز. يرى الكحص أن المؤسسة التعليمية تخون رسالتها إذا اكتفت بشحن العقول بالمعارف، بل يجب أن تنتصب كمشعل للثقافة وحاضنة للفنون. المدرسة بالنسبة له هي الدرع الواقي الذي يحمي الشباب من ظلامية الانغلاق، والتطرف، والعدمية. إن إدماج التنشيط الثقافي والشبابي داخل أسوار المدرسة هو المدخل الحقيقي والوحيد لبناء مواطن حر، مستقل فكرياً، ومندمج إيجابياً في عصره.
عبد الناصر ناجي (حكامة التنزيل وفجوة الإصلاح):
أما من زاوية التقييم المؤسساتي الدقيق، وفي قراءة معاصرة لعقد الإصلاح (2015-2025)، يضع الخبير عبد الناصر ناجي إصبعه على العائق الأكبر المتمثل في “فجوة التنزيل”. يؤكد ناجي أن كل هذا الزخم التنظيري حول الارتقاء الثقافي والقيمي سيظل حبراً على ورق ما لم ترافقه حكامة ترابية ناجعة. هذه الحكامة تشترط منح المؤسسات التعليمية استقلالية حقيقية وفعلية لتفعيل مشاريعها المندمجة، بعيداً عن التفتت الإداري والمركزية المفرطة التي تُبعد الإدارة المدرسية عن أدوارها القيادية الطبيعية في التنشيط الثقافي والتربوي.
خاتمة تركيبية:
أفق العمل تأسيساً على ما سبق، وفي ختام هذه المحطة من مسارنا البحثي، يتضح جلياً أن المدخل الثقافي، المعزز بآليات التربية الجمالية والتدبير المؤسساتي المستقل، ليس مجرد تحسين بيداغوجي تكميلي، بل هو “القلب النابض” للنهضة التربوية المنشودة. إن غاية المدرسة الجديدة كمختبر لإنتاج الثقافة تتجاوز حدود الجدران لتلامس عمق المجتمع وهويته المستقبلية.
وهكذا ترسم معالم مدرستنا الجديدة؛ مدرسة تراوح بين التنشئة المتوازنة والتعلم المستدام، ترسخ قيم المواطنة، وتُحرّر طاقات التفكير والإبداع، وتصنع الإنسان في أبعاده المتكاملة: المعرفية، والمهارية والوجدانية والسلوكية، ليكون فاعلاً إيجابياً في خدمة ذاته و أسرته ومجتمعه والوطن ككل والإنسانية جمعاء.
نحن اليوم أمام حتمية حضارية ومسؤولية تاريخية لإنجاح أجرأة النموذج التنموي، وذلك بتحويل المدرسة من فضاء للاستهلاك المعرفي إلى فضاء للتنوير الحقيقي. ولن يتحقق هذا الرهان إلا بتبني إرادة سياسية وتربوية شجاعة تُفعل “مشروع المؤسسة المندمج” المستقل إدارياً ومالياً، وتوفر الموارد لتنشيط الحياة المدرسية المنهجية .
إما أن نجعل من مؤسساتنا التربوية محاضن للإبداع والتفكير النقدي والقيم المدنية كما نادى بذلك مفكرونا العظام، أو نترك شبابنا فريسة للعدمية والانحراف ….. بالمدرسة وحدها، وبترسيخ بعدها الثقافي والجمالي، نضمن بناء مواطن مغربي معتز بأصالته ومنخرط بفعالية في صناعة المستقبل ، مستقبل التنمية والتنمية المستدامة .
اعداد: عبد العزيز السيدي
*رئيس مركز رؤى للأبحاث والدراسات والتكوينات في التربية والثقافة والتنمية

د التجاني بولعوالي: أنا أكتب عن انتخابات المغرب لأنني قلق
انتخابات 23 شتنبر.. تسهيلات حكومية لتمكين الموظفين من ممارسة حقهم الانتخابي
تقرير أممي: المساواة بين الجنسين تتراجع والعالم يحتاج 171 عاماً للحاق بها
تحالف اليسار يرفض رفع التمثيل مع إسرائيل ويدعو إلى «إسقاط مسار التطبيع»