
عاش المغرب – والعالم الإسلامي- مراحل متعددة كان للزوايا دورا هاما خلالها إذ أثرت بشكل بالغ في حياة الافراد والجماعات، وهناك خلاف بين الخبراء حول ظهور الزوايا/التصوف في العالم الإسلامي، فالبعض يعوزه إلى صوامع المسيحيين التي تملأ الشرق، والبعض يؤكد أن التصوف هندوسي النشأة وأن العرب /المسلمين تأثروا به والدليل فكرة وحدة الوجود الذي نادى بها عدد من الشيوخ خاصة الشيخ الأكبر –كما ينعث- محي الدين ابن عربي المتوفي في دمشق سنة 1240 -638هـ، ففي كتابه فصوص الحكم تجلى فكره خاصة إيمانه بوحدة الوجود أكثر مما تجلى في كتابه الموسوعي – الفتوحات المكية وكتابه التجليات، فالتصوف في رأي البعض –كما قلنا- هندي الأصل، والزاوية هي أشبه بـ “الأشرم” عند الهندوس حيث يتعايش الناس في مكان محدد ويمارسون حياتهم بالتعبد والعمل الذي يصبح عبادة.
وقد تميز العالم الإسلامي – والمغرب خاصة- بانتشار الزوايا كالتيجانية والقادرية والدرقاوية والبونية والكتانية والحمدوشية والدلائية والوزانية، وفي العالم الأسيوي الجشتية والسهروردية والنقشبندية والقادرية، وقد تسمى الطريقة باسم شيخ زاوية معينة أو تغير اسمها، ولكن الأصل يبقى دائما مثلا البودشيشية هي تتبع الطريقة القادرية أو زاوية الشيخ النظيفي التي تتبع التيجانية، وقد يقع خلاف داخل الزواية إما شخصي أو خلاف حول الأوراد كما جرى في السنغال –غرب افريقيا- عندما انشق المريديين عن التيجانيين، وأصبح لكل طريقة شيخها رغم أن كلاهما تجاني الورد/الطريقة، وتختلف أسماء المريدين باختلاف الجغرافية، فالاسم الشائع للمنتمي لجماعة صوفية هو عادة المريد، لكن في المغرب يسمى الفقير / الفقيرة، وفي تركيا يطلق عليه الأخي /(الأخ) وإن كان المريد هو اللقب الشائع، بل إن إحدى الجماعات الهندوسية التي أعلنت نفورها من عبادة الأصنام وأخذت بالفكر الصوفي/الإسلامي جزئيا أطلقت على نفسها السيخ، والسيخ تعني المريدين.
تتميز الزوايا بالأخوة ويقبل بعضهم أيدي البعض في الزوايا وكل مريد أو فقير يأتي –عادة- بهدية غذائية سكر أو حليب أو خبز أو طعام ما، وبعد صلاة العشاء يتشاركون الطعام ، وقبل ذلك وبعد تلاوة الأوراد، وقد ينشدون جماعة: الله حي، والبعض يجدب، وتتميز بعض الزوايا بشيء من العنف كالحمدوشية والجيلانية … وقد اتهم البعض هذه الزوايا اتهامات عديدة كموالاة الاستعمار وعدم ممارسة الشأن العام، لكن المبادئ الثمانية لهذه الزوايا تتميز بأن هدفها التربية والتخليق وليس شيئا آخر، وفي مراحل تاريخية معينة في العالم الإسلامي سواء أمام ضغط السلطة أو سيطرة الأجانب التجأ الناس إلى هذه الزوايا ووجدوا بغيتهم في التعبد وإنكار الواقع، وقد شجعتهم هذه السلط على ذلك، ومع ضعف الزوايا والهجوم الذي تعرضت له بدأت تنتشر أشكالا جديدة من التجمعات التي تتقارب مع هذه الزوايا، فمنذ ظهور كرة القدم و-الكريكيت خاصة – وكرة السلة بدأ الانتماء إلى فرق معينة…فالمقاهي يملأها أنصار ذاك الفريق وأنصار الآخر، ويبدأ الصراخ والتصفيق والتنافس، أما في الملاعب فهناك الأنصار الذين يتبعون الفريق أينما حل وارتحل، وبدأ تأليف كلمات/غنائية في حق اللاعب/الفريق، وهذه الأناشيد تتردد كلما لعب اللاعب/الفريق المعني، والأهم أن الزوايا الجديدة التي مقراتها كل المقاهي والملاعب تقريبا تجاوزت ماهو داخلي ووطني إلى ماهو خارجي / أجنبي، وأصبح اللاعب/الفريق الأجنبي يحظى بأهمية تكاد تصل درجة الوله، فهو الشيخ/اللاعب، وهو النموذج الذي حقق الهدف أو القدرة على اللعب وصار يملك المال الوفير، وبدأت تنتشر فكرة أن العلم/الثقافة والدماغ لا أهمية لهم أمام قدرة الأرجل على تخطي صعاب الحياة وفي ظرف وجيز وفي عمر الشباب، وصار الهروب إلى التلفزيون /الملاعب سمة المجتمع أو على الأقل جزء مهم، بل وانتشر الأمر حتى لدى النساء وحتى الذين كان لهم موقف حيادي من هذه الرياضة تبعوا الأغلبية أو ما اعتقدوه أغلبية، فضلا عن مواكبة إعلامية ساحقة من الصعب الفرار منها نتيجة للتكرار والتشويق والحوارات من خبراء /علماء الرياضة إياها، وهي تماثل أفكار ونظرية جوبلز –المتوفي سنة 1945– وزير الرايخ الثالث -أو هتلر- في الإعلام، الذي أكد أن تكرار الخطاب أو النشيد يؤدي إلى إيمان الناس وانخراطهم في جميع الأحوال، ثم إن الملاعب والمقاهي إذ لا تحلو الفرجة إلا والناس معك تستمتع بالصراخ وتشجعهم على التشجيع حتى بالكلام النابي، ويتمكن المتفرج من مخاطبة اللاعب وتوجيهه، ومن تفريغ الكثير من العقد وفي جلسة واحدة ولو إلى حين، كل تلك الهموم التي لطالما ارتبطت به وارتبطت بك ويحقق من خلال هذه المشاركة مع الآخرين ما عجز عن تجاوزه وهو وحده، وبذلك انتصر على رأسه!
لقد قال البعض أن كرة القدم الدين الجديد للشعوب والبعض أكد أنها عقيدة أخرى تضاف إلى باقي العقائد، وهناك من رأى أنها زوايا جديدة وبأشكال حديثة تحل محل القديم جزئيا مع ظروف المرحلة، ففي كلتا الحالتين هناك أوراد وجذب وموسيقى وقشابة /رقعة وأناشيد…..
*باحث





