‏آخر المستجداتفنون وثقافة

عرض “كودو الأخير” يعيد مساءلة عبث الوجود وانهيار المسرح من مراكش

كش بريس/التحرير ـ

قدّم محترف ديونيزوس لفنون الأداء بمدينة مراكش العرض المسرحي “كودو الأخير”، وهو عمل مترجم ومُعدّ ومُخرج للفنان مولاي عبد العزيز العلوي مهير، عن نص للكاتب الروماني ماتيي فيسنيك (Matei Vișniec)، أحد أبرز أعلام مسرح العبث المعاصر، إلى جانب صامويل بيكيت ويونسكو وهارولد بنتر.

ويُعد فيسنيك من الأسماء المسرحية المعروفة بكتاباته الساخرة التي تشتغل على تفكيك الواقعين السياسي والاجتماعي، حيث تستلهم نصوصه روح مسرح العبث الكلاسيكي، مع تجديد في بناء الشخصيات وخلق وضعيات متناقضة تولد مشاهد ذات نفس شاعري وأبعاد جمالية تعكس القلق الوجودي للإنسان المعاصر، معتمدة الكوميديا السوداء كخيار فني للتعبير عن هذه التناقضات.

ويأتي عرض “كودو الأخير” منسجما مع هذا التوجه، إذ اختار الاشتغال على موضوع راهني يتمثل في إغلاق قاعات المسرح، في إحالة رمزية على واقع ثقافي تعيشه مدن مغربية عدة، من بينها مراكش، حيث لا تزال القاعة الكبرى لمسرح الداوديات مغلقة منذ سنوات. غير أن الإغلاق في العرض لا يُطرح بمعناه المادي فقط، بل كرمز لانسداد السؤال المسرحي وتراجع دور الفن في مساءلة القضايا الوجودية والفكرية.

وينطلق العرض بمشهد للكاتب صامويل بيكيت (أداء حسن بنشوك)، وهو يكتب على آلته الكاتبة، مصحوبا بصوت داخلي يعكس قلقه وحسرته على مآل المسرح، قبل أن يظهر كودو (أداء محمد قصير) شاردا وغارقا في الأسى. وتتقاطع الشخصيتان على هامش مسرح منبوذ، في سلسلة من المواجهات والمكاشفات التي تعكس انهيار المعنى، وفق منطق مسرح العبث.

واعتمد المخرج في بناء العرض على خلفية مسرح مغلق، موظفا تقنية المابينغ (Mapping) بشكل فني يخدم الدلالة، حيث شكلت الصور المعروضة امتدادا بصريا للعرض، وأسهمت في تعزيز التوتر الدرامي والتفاعل مع المتلقي، خاصة في مشاهد الباب المغلق، وتراكم النفايات، وظهور جمهور شبح فاقد لملامحه الإنسانية.

وحافظ العرض على السمات الأساسية لمسرح العبث، من خلال فضاء ركحي ينتمي للهامش، وشخصيات مأزومة، وصراع يقوم على التناقض والتضاد، حيث قُدمت شخصية كودو، التي لم تظهر في نص بيكيت الأصلي، بوصفها باحثة عن الخلاص، في مفارقة درامية تعمق البعد السريالي للعمل.

وسجل العرض أداءً متقنا للممثلين، إلى جانب سينوغرافيا بصرية وسمعية منسجمة مع شاعرية النص، مع توظيف الموسيقى ونغمات آلة التشيلو لإضفاء بعد عاطفي عميق، فيما شكل مشهد الأقنعة من أبرز لحظات العرض تعبيرا عن فقدان المسرح لبريقه وتحول الإرث الإنساني إلى هامش منسي.

واختتم العرض بمشهد يجمع بين الاحتفاء الرمزي بموت المسرح وإعلان ولادته من جديد، من خلال إعادة تشخيص بداية “في انتظار كودو”، في إشارة إلى إمكانية انبعاث الفن رغم كل مظاهر الانهيار.

ويذكر أن مسرحية “كودو الأخير” من ترجمة وإعداد وإخراج مولاي عبد العزيز مهير العلوي، وتشخيص محمد قصير وحسن بنشوك، والإدارة الفنية للدكتور إبراهيم الهنائي، والسينوغرافيا لعبد العزيز مهير العلوي، والصوت والتوثيق لنهيلة أيت أفقير، والمابينغ والإضاءة لأنس أفيتح، والكوريغرافيا والموسيقى لمحمد قصير، وهي من إنتاج محترف ديونيزوس لفنون الأداء بمراكش.

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Back to top button