المنوزي يدعو المحامين إلى استعادة المبادرة وصناعة مخرج مؤسساتي لأزمة قانون المهنة

كش بريس/التحرير ـ

وجه الأستاذ مصطفى المنوزي، المحامي بهيئة الدار البيضاء، مذكرة مطلبية إلى مجلس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، دعا فيها إلى إعادة تقييم مسار الاحتجاج المهني المرتبط بمشروع قانون مهنة المحاماة، والانتقال من تدبير زمن التوقف إلى استعادة المبادرة وبناء مخارج قانونية ومؤسساتية وتفاوضية للأزمة.

وجاءت المذكرة، التي حملت عنوان «من تدبير زمن التوقف إلى استعادة المبادرة وصناعة المخرج المهني»، في سياق الاستعداد للاجتماع المقبل لمجلس الجمعية، حيث اعتبر المنوزي أن استمرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، وتحديد مواعيد جديدة للتداول، جعلا من الزمن جزءا من كلفة الأزمة ومآلاتها، داعيا إلى تحويل الفترة الفاصلة بين الاجتماعات من مجرد مهلة انتظار إلى فرصة لتكثيف العمل المؤسساتي والقانوني والتفاوضي.

وشدد المنوزي على أن الاجتماع المقبل ينبغي ألا ينحصر في المفاضلة بين خيارَي استمرار التوقف أو تعليقه، وإنما أن ينطلق من حصيلة دقيقة لما تحقق خلال فترة الاحتجاج، وما استجد من فرص قانونية ودستورية وحوارية، بما يسمح باتخاذ قرار أكثر حرية وأقل ارتباطا بمنطق الضرورة.

تقييم حصيلة التوقف

واقترح المحامي عرض حصيلة مركزة أمام مجلس الجمعية، تتضمن نتائج الاتصالات والمبادرات المؤسساتية، ومآل قنوات الحوار والوساطة، وما استجد على مستوى فرص الاستدراك القانوني والدستوري، فضلا عن تقييم الآثار المهنية والقضائية والمؤسساتية للتوقف، ومدى الالتزام به والصعوبات التي رافقت تنزيله.

واعتبر أن السؤال المركزي الذي ينبغي أن يحكم النقاش هو: «ماذا تحقق خلال زمن التوقف حتى يصبح القرار المقبل أكثر حرية وأقل اضطرارا؟»

الدفاع عن حرية التعبير والانضباط المهني

وأفردت المذكرة حيزا لمسألة الاختلاف داخل الجسم المهني، داعية إلى مقاربة مؤسساتية هادئة تميز بين حرية التعبير وحرية الاختيار وواجب الانضباط.

وأكد المنوزي أن حق المحامي في نقد القرارات المهنية ومناقشة مبرراتها والمطالبة بمراجعتها لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للتخوين أو الإقصاء أو التشكيك في الانتماء المهني، في المقابل، فإن الانتماء إلى مهنة منظمة يقتضي احترام القواعد والقرارات الجماعية الصادرة عن المؤسسات المنتخبة.

واقترح، في هذا السياق، التمييز بين نقد القرار والمطالبة بمراجعته، والامتناع الفردي عن تنفيذه مع تحمل المسؤولية عن آثاره، والدعوة العلنية إلى تعطيله أو نزع الشرعية عن المؤسسة التي أصدرته، فضلا عن الحالات التي تفرضها ضرورة مهنية أو قضائية جدية.

كما شدد على ضرورة رفض التنمر والتشهير والمس بالحياة الخاصة للمحامين المخالفين، مؤكدا أن المواقف والسلوكيات المهنية تظل قابلة للنقد والتقييم، فيما ينبغي أن تبقى كرامة الأشخاص وحياتهم الخاصة خارج دائرة الصراع المهني.

توسيع دائرة الحوار داخل مؤسسات الدولة

ودعت المذكرة إلى توسيع قنوات الحوار، انطلاقا من أن تعثر المفاوضات مع الحكومة أو عدم بلوغ المسار البرلماني النتائج المرجوة لا يعني استنفاد إمكانات الفعل المؤسساتي.

واقترح المنوزي إعادة فتح الحوار مع الحكومة على أساس مذكرة مكتوبة تتضمن مطالب دقيقة وصياغات تشريعية بديلة، ومواصلة التواصل مع رئاسة مجلسي البرلمان والفرق والمجموعات البرلمانية، إلى جانب بحث السبل القانونية والمؤسساتية المتاحة لاستكمال النقاش الدستوري، ومخاطبة المؤسسات الدستورية والاستشارية المعنية بالحقوق والحريات وحسن سير العدالة والأمن القانوني، كل في نطاق اختصاصه.

كما اقترح الاستعانة بوساطات وطنية ذات مصداقية، وتوسيع دائرة التشاور لتشمل مكونات منظومة العدالة والجامعات والهيئات الحقوقية والمجتمع المدني، مع مراعاة خصوصية المرحلة السياسية والانتخابية المقبلة.

وشدد على ضرورة توحيد الرسالة التفاوضية، من خلال تكليف وفد مهني موحد ومحدد التفويض، يتولى عرض المطالب والبدائل على مختلف الأطراف والعودة إلى مجلس الجمعية بحصيلة منتظمة.

من الاحتجاج إلى قوة الاقتراح

واقترح المنوزي أن يتضمن العرض المهني ثوابت مرتبطة باستقلال المحاماة وتنظيمها الذاتي، والمقتضيات القابلة للتفاوض أو إعادة الصياغة، والبدائل التشريعية الممكنة، والضمانات المؤسساتية المطلوبة، إلى جانب التزامات المهنة في مجالات التخليق والتكوين والشفافية والمسؤولية.

وقال إن توسيع دائرة المخاطبين لا ينبغي أن يقود إلى تعدد الرسائل وتنافس المبادرات، وإنما إلى وحدة المضمون وتنوع مسالك الحوار، بما يسمح بالانتقال من تبادل المواقف إلى تقاسم المسؤولية عن صناعة المخرج.

تدبير آثار الأزمة مسؤولية مشتركة

وأكدت المذكرة أن المحاماة لا تتحمل وحدها الآثار المترتبة عن الأزمة، رغم مسؤوليتها في تقدير أشكال الاحتجاج ومدته ومآلاته، معتبرا أن الأزمة ذات طبيعة تشريعية ومؤسساتية متداخلة، وأن مسؤولية تجاوزها تتوزع بين الحكومة والبرلمان والمؤسسات المختصة ومكونات منظومة العدالة والتمثيلية المهنية.

ودعا، في هذا السياق، إلى بحث آليات مهنية منسقة لتدبير الحالات المرتبطة بالحرية والآجال والحقوق التي يصعب تداركها، بما يضمن الحد الأدنى من حماية حقوق المتقاضين، دون أن يشكل ذلك، بحسبه، تراجعا عن الاحتجاج أو انتقاصا من مشروعيته.

ستة سيناريوهات أمام مجلس الجمعية

ولمقاربة المرحلة المقبلة، اقترح المنوزي عدم حصر النقاش في خيار واحد، وعرض مجموعة من السيناريوهات أمام المجلس، من بينها استمرار التوقف ضمن مدة وأهداف ومؤشرات تقييم محددة، أو تعليقه بشكل مشروط بضمانات مؤسساتية مكتوبة، أو الانتقال إلى أشكال احتجاجية متدرجة تحافظ على القدرة التفاوضية.

كما دعا إلى ربط كل خيار ببرنامج واضح للتحرك المؤسساتي والتواصل والتقييم، حتى يصبح القرار مبنيا على تقدير المكاسب والمخاطر والكلفة، وليس مجرد اختبار للثبات أو التراجع.

«لا يكفي أن نرص الصفوف؛ ينبغي أن نحركها»

واقترح المحامي أن يخرج اجتماع مجلس الجمعية بتقرير تقييمي لحصيلة فترة التوقف، وقرار معلل ومحدد الأهداف والمدة وشروط المراجعة، ومذكرة تفاوضية تتضمن المطالب والصياغات البديلة، وخريطة للمسالك المؤسساتية للحوار والوساطة والاستدراك، فضلا عن تشكيل وفد تفاوضي موحد وآلية لتدبير الاختلاف داخل المهنة وحماية كرامة مختلف أطرافه.

كما دعا إلى وضع تصور مشترك لتدبير الآثار المهنية والقضائية للأزمة، واعتماد آلية للتتبع والتواصل والتقييم المرحلي، إلى جانب تعزيز أشكال التضامن والتكافل داخل الجسم المهني.

وفي ختام مذكرته، اعتبر المنوزي أن المهنة دخلت مرحلة وصفها بـ**«زمن الدَّلَك والفور»**، موضحا أن «الفور» المطلوب لا يعني استعجال التصويت وإصدار القرارات، وإنما تسريع إنتاج البدائل وفتح القنوات وبناء الضمانات، فيما يحيل «الدَّلَك» إلى إدراك أن هامش الاختيار يضيق كلما ظلت المهنة أسيرة ثنائية الاستمرار أو التراجع.

وختم بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تقتضي استعادة المبادرة وصناعة مخرج يحفظ استقلال المهنة ووحدتها، ويصون حرية النقد وكرامة المخالفين، ويحمّل مؤسسات الدولة نصيبها من مسؤولية إنهاء الأزمة، معتبرا أن المطلوب لا يقتصر على رص الصفوف، بل تحريكها وتحويل عدالة المطالب إلى عرض تفاوضي وقوة اقتراح وإمكان مؤسساتي قابل للتحقق.

Exit mobile version