
كش بريس/التحرير ـ في تجربة سردية جديدة تستنطق اليومي وتكشف مفارقاته، يطلّ الباحث والأكاديمي المعطي قبال على القارئ المغربي بمجموعة قصصية قصيرة موسومة بـ“عقايب الدنيا”، صدرت باللغة العربية عن منشورات ملتقى الطرق، بدعم من مجلس الجالية المغربية بالخارج، لتؤكد حضور القصة القصيرة كجنس أدبي قادر على التقاط توترات الواقع والسخرية من قسوته.
ويُعد قبال من الأسماء الأكاديمية البارزة في مجال الفلسفة؛ إذ راكم تجربة تدريسية بكل من جامعة القاضي عياض بمراكش، وجامعة “جيسيوه”، والجامعة الأوروبية للبحث بباريس، إلى جانب اضطلاعه بمسؤوليات ثقافية وتنظيمية، من بينها الإشراف على “لقاءات خميس المعهد” بمعهد العالم العربي في باريس.
وتنطلق المجموعة من موقف نقدي واضح إزاء الأحكام التي تتحدث عن أفول القصة القصيرة أو دخولها مرحلة ركود، معتبرة أن هذا الطرح يتجاهل تاريخ هذا الجنس الأدبي وحيويته المستمرة منذ أن كرّسه رواد كبار في الأدب العالمي والعربي، من غوغول وكافكا وغي دو موباسان وستيفان تسفايغ، إلى نجيب محفوظ، وجمال الغيطاني، وإدوارد الخراط، ومحمد برادة. فالقصة القصيرة، وفق هذا المنظور، لم تفقد قدرتها على مساءلة الواقع، بل ظلت أداة حادة لالتقاط التناقضات وفضح ما يُراد له أن يبقى في الظل.
وتقارب “عقايب الدنيا” تحولات المجتمع بلغة ساخرة ونبرة قدحية، ساعية إلى الإمساك بنبض فئات اجتماعية مختلفة، ورصد حالات إنسانية مشحونة بالأمل والانكسار في آن واحد. ويحيل عنوان المجموعة إلى المثل المغربي الشهير: “اللي ما خرج من الدنيا، ما خرج من عقايبها”، حيث يصبح الوجود ذاته مرادفاً لسلسلة من الاختبارات والعذابات التي لا تنفك تلاحق الإنسان ما دام حياً.
وفي هذا السياق، تتخذ “عقايب الدنيا” أشكالاً متعددة داخل النصوص، تتراوح بين العبثي والواقعي، وبين القاسي والمضحك، في زمن مثقل بالعنف والهشاشة الاجتماعية. هنا، تتحول السخرية إلى آلية للمقاومة والنجاة، وإلى متنفس يعيد التوازن للذات، انسجاماً مع الحكمة الشعبية القائلة: “الهم إلا كثر تايضحك”. ومن هذا المنطلق، يدعو قبال القارئ إلى الضحك من قسوة الواقع لا هروباً منه، بل تفكيكاً لسلطته.
وتضم المجموعة أربع عشرة قصة قصيرة، تنهل من تفاصيل الحياة اليومية، وتُغرقها في أجواء سريالية تفضح تناقضاتها، مع الحفاظ على أسلوب لغوي يقوم على التداخل الخلاق بين العربية الفصحى والدارجة المغربية. وتأتي هذه النصوص امتداداً لمسار سردي سبق للمؤلف أن دشنه ضمن سلسلة “حيك يا الضاوية” الصادرة سنة 2007، حيث تتكرر الثوابت الجمالية ذاتها: المراوغة السردية، تعرية السلوكيات الزائفة، والرغبة في الإفصاح عن ذات مستقلة تلتقط القصة القصيرة شذرات حضورها العابر.
وبذلك، ترسّخ “عقايب الدنيا” القصة القصيرة بوصفها فنّاً لالتقاط الومضات، وأرشيفاً مكثفاً لـ“شرذات” حيوات مرّت أو ما تزال تمرّ، في كتابة تختزل الألم بالضحك، وتواجه ثقل الواقع بخفة السخرية.






