
(كش بريس/خاص)ـ عندما تلقت غوين أوريلو، معلمة الرياضيات في أوائل الثلاثينيات من عمرها، تشخيص سرطان الرئة في مرحلته الرابعة، بدا المستقبل قاتمًا ومغلقًا أمامها. الورم كان قد وصل إلى عينها، والأفكار عن التقاعد أو الادخار بدت مستحيلة. المنطق الطبي في تلك اللحظة كان واضحًا: النهاية وشيكة، ولا مجال للهروب منها.
اليوم، بعد أكثر من عقد، لا تزال أوريلو على قيد الحياة، عاشت السنوات الماضية وسط علاج مستمر يحوّل السرطان من حكم بالإعدام إلى حالة يمكن إدارتها. لم يعد المرض يسيطر على حياتها بالكامل، فهي تواصل تدريس طلابها، والإشراف على فريق ألعاب القوى في المدرسة، ومتابعة نمو ابنتها التي كانت رضيعة عند التشخيص.
قصة أوريلو تمثل تحولًا نوعيًا في علاج السرطان خلال العقدين الماضيين. لم تعد المرحلة الرابعة من المرض تعني الموت الوشيك، بل أصبحت فترة يمكن خلالها التعايش مع المرض بفضل التطورات الكبيرة في العلاجات المستهدفة والمناعية. آلاف المرضى اليوم يعيشون سنوات طويلة بعد تشخيصهم بسرطان متقدم، وأصبح الحديث عن “إدارة المرض” و”علاج مستمر” جزءًا من الواقع الطبي الحديث.
أوريلو تُصنَّف اليوم ضمن فئة “الناجين المزمنين”. هذا التصنيف لا يعني الشفاء الكامل، لكنه يشير إلى إمكانية العيش بحياة متوازنة رغم التحديات المستمرة: فحوصات منتظمة، تغييرات في خطط العلاج، آثار جانبية مزمنة، وقلق دائم من الانتكاس. ومع ذلك، تحاول أن تستثمر الفترات بين الفحوصات في حياة شبه طبيعية.
الأرقام تعكس هذا التحول: أكثر من 18 مليون ناجٍ من السرطان في الولايات المتحدة، مع توقعات بوصول الرقم إلى 26 مليون بحلول 2040، بينهم عدد متزايد من المرضى الذين يعيشون مع سرطان في مرحلته الرابعة. هذه الزيادة ليست مجرد نتيجة لتحسن التشخيص، بل بسبب قدرة العلاجات الحديثة على إطالة حياة المرضى وإعادة تعريف مستقبلهم.
تاريخيًا، شهدت السنوات العشرين الماضية ثورة دوائية: أدوية تستهدف الطفرات الجينية الخاصة بالسرطان مثل “هيرسبتين” و”Gleevec”، تلتها العلاجات المناعية مثل “Keytruda” التي توسع نطاق علاج أنواع متعددة من السرطان. هذه العلاجات تمنح المرضى فرصة لإدارة المرض وتأجيل تقدمه، وفي بعض الحالات، تثبيطه لسنوات.
في حالة أوريلو، كشفت الاختبارات عن طفرة جينية نادرة تسمى “ROS1″، ما جعلها مرشحة مثالية للعلاجات المستهدفة. بدأت بتجربة دوائية، ثم انتقلت بين أدوية أخرى، بعض منها لم يكن معتمدًا بعد رسميًا. وعندما ظهرت النقائل في دماغها عام 2017، حصلت على رأي ثانٍ في بوسطن، وانضمت إلى تجربة سريرية لعقار جديد نجح في تقليص الأورام. ومع مرور الوقت، ظهرت مقاومة جديدة، فاستلزم تغيير العلاج، لتستمر حياتها مع كل دواء يمنحها فسحة زمنية جديدة.
الحياة الطويلة مع السرطان لها ثمن: الإرهاق المستمر، التأثيرات الجانبية على الجسم والعقل، وتكاليف العلاج الباهظة. الدعم الاجتماعي كان قويًا في البداية لكنه خفت مع مرور السنوات، بينما استمرت التكاليف المالية اليومية.
الطب لم يكن مستعدًا بالكامل لمواجهة هذه الحقبة الجديدة، إذ كانت برامج “رعاية الناجين” تقليديًا للمرضى بعد انتهاء العلاج. اليوم، بدأ الأطباء إعادة التفكير في استراتيجياتهم لتلبية احتياجات المرضى الذين يعيشون مع علاج مستمر مدى الحياة، وهو ما تؤكد عليه د. روبين زون، الرئيسة السابقة للجمعية الأمريكية لطب الأورام، مشددة على ضرورة توفير رعاية مستدامة لهؤلاء المرضى.
بالنسبة لأوريلو، رغم القلق المستمر، فإن التفاؤل يسيطر على حياتها الآن. لم يعد حلمها محصورًا في رؤية ابنتها تكبر، بل امتد إلى تخطيط لمستقبلها الجامعي والمهني، وإدارة حياتها اليومية، والادخار، والسفر، والاحتفاء باللحظات العائلية. حتى أثناء التحديات، تستمر في ممارسة حياتها، متبقية على تواصل مع العلم الذي يمنحها فسحات من الوقت.
إن قصة أوريلو لا تعكس مجرد معركة شخصية مع السرطان، بل تمثل تحولًا أكبر في مفهوم المرض نفسه: من حكم بالإعدام إلى رحلة حياة يمكن إدارتها رغم كل شيء. وكما تقول أوريلو: “طالما أن العلم يسبقني بخطوة، سأواصل السير”.