قانون مالية 2027 يضع الجامعة المغربية أمام اختبار التوسع والجودة والتشغيل

ـ إحداث 49 مؤسسة جامعية، وتخصيص 252 مليون درهم لدعم 3 آلاف طالب دكتوراه، وتعبئة آلاف الأسرة الجامعية.. رهانات جديدة لإصلاح التعليم العالي في مواجهة تحديات التأطير والبحث العلمي والاندماج المهني ـ

كش بريس/التحرير ـ

يرسم مشروع قانون المالية لسنة 2027 ملامح مرحلة جديدة في تدبير التعليم العالي بالمغرب، تقوم على توسيع البنيات الجامعية، وإعادة توزيع التخصصات وفق الحاجيات الجهوية، وتطوير البحث العلمي، وتعزيز التكوينات المرتبطة بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية. وتكشف التدابير الواردة في مذكرة تقديم المشروع عن برنامج واسع يشمل إحداث 49 مؤسسة جامعية عمومية، ودعم الكفاءات البحثية، وتوسيع خدمات الإيواء الجامعي، وتسريع رقمنة التعليم.

وتتقاطع هذه التدابير مع رهانات إصلاح الجامعة المغربية، التي تواجه تحديات متشابكة تتصل بجودة التكوين، وقدرات التأطير، وشروط البحث والابتكار، ومدى استجابة الشهادات الجامعية لمتطلبات سوق الشغل. ويضع المشروع ضمن أولوياته تفعيل الخريطة الجامعية الجديدة، وإحداث أقطاب جهوية للابتكار، وتعزيز العدالة المجالية في الولوج إلى التكوين، مع توسيع برامج الدعم الاجتماعي للطلبة.

49 مؤسسة جامعية لإعادة تشكيل الخريطة الجامعية

يتصدر إحداث 49 مؤسسة جامعية عمومية البرنامج المرتقب تنفيذه سنة 2027، من بينها 31 مؤسسة ستنتج عن تقسيم عدد من الكليات متعددة التخصصات، بهدف إرساء مؤسسات أكثر تخصصاً وتقريب العرض الجامعي من الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية للمجالات الترابية.

ويشمل البرنامج كذلك إحداث 15 مؤسسة جامعية جديدة موجهة نحو التخصصات الواعدة ومهن المستقبل، من بينها المعهد الوطني للرقمنة والذكاء الاصطناعي بسطات، والمدرسة العليا لإدارة الأعمال بالرباط، ومعهد المهن الرياضية بأكادير، وكلية علوم المجتمع ببركان، والمدرستان الوطنيتان للتكنولوجيات المتقدمة بالعيون والداخلة.

ويمتد التوسع إلى التكوين الطبي، عبر إحداث كليتي الطب والصيدلة وطب الأسنان بسطات والقنيطرة، وكلية طب الأسنان بوجدة. وتستهدف هذه التدابير رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين في المهن الطبية إلى أكثر من 6 آلاف مقعد، دعماً للهدف الوطني المتمثل في بلوغ 45 مهنياً في قطاع الصحة لكل 10 آلاف نسمة بحلول سنة 2030.

ويواكب هذا التوجه رهان على تعزيز المسارات التقنية والمهنية والتطبيقية، بما يسمح باستقطاب 66 في المائة من المسجلين الجدد، وفق المعطيات الواردة في المذكرة. ويعكس هذا الاختيار توجهاً نحو إعادة توزيع الطلب على التخصصات الجامعية، مع منح مساحة أكبر للتكوينات المرتبطة بالتحولات المهنية والاقتصادية.

غير أن توسيع الخريطة الجامعية يطرح، في المقابل، أسئلة تتعلق بتوفير الموارد البشرية والتجهيزات والتمويل اللازم لضمان جودة المؤسسات الجديدة، حتى لا يتحول التوسع الكمي إلى ضغط إضافي على التأطير والبنيات القائمة.

البحث العلمي.. 252 مليون درهم لدعم 3 آلاف طالب دكتوراه

يخصص المشروع حيزاً مهماً لتقوية البحث العلمي والابتكار، من خلال مواصلة برامج تكوين طلبة الدكتوراه المؤطرين من الجيل الجديد، بهدف تعزيز التأطير البيداغوجي في الدروس التوجيهية والتطبيقية، وتوسيع مشاركة الباحثين الشباب في إنجاز الدراسات المرتبطة بالأولويات الوطنية.

ولهذا الغرض، يرتقب تخصيص 252 مليون درهم لفائدة 3 آلاف طالب دكتوراه مؤطر، في خطوة تستهدف دعم الكفاءات العلمية وتحسين قدرات التأطير داخل الجامعات.

كما يتجه البرنامج إلى تفعيل مقتضيات القانون رقم 57.27 المتعلق بتغيير وتتميم القانون المنظم للمركز الوطني للبحث العلمي، عبر إحداث وحدات جهوية للدعم التقني للبحث العلمي بجهات الشرق، وفاس-مكناس، وطنجة-تطوان-الحسيمة، وسوس ماسة، ومراكش-آسفي.

وستتولى هذه الوحدات تقريب التجهيزات والخدمات التقنية من الباحثين والمؤسسات الجامعية، بما يتيح تحسين شروط إنجاز الأبحاث وتطوير البنيات العلمية خارج مراكز الاستقطاب التقليدية.

وفي الاتجاه نفسه، تتواصل برامج دعم البحث التنموي والابتكار للفترة 2025-2028، إلى جانب مشروع إحداث مدينة للابتكار على مستوى قطب كل جامعة، تتولى تدبيرها شركة مساهمة ينشئها القطب الجامعي المعني. ويستهدف هذا الاختيار تعزيز تثمين نتائج البحث العلمي، وتسهيل نقل التكنولوجيا، وربط الإنتاج المعرفي بمحيطه الاقتصادي والاجتماعي.

وتكتسب هذه التدابير أهميتها من الحاجة إلى الانتقال من دعم البحث باعتباره نشاطاً جامعياً إلى بناء منظومة قادرة على إنتاج المعرفة وتوظيفها في معالجة المشكلات التنموية، وتطوير الابتكار، وتعزيز استقلالية القرار العلمي والتكنولوجي.

الكفاءات المهنية.. من الجامعة إلى سوق الشغل

يراهن مشروع قانون المالية على مواصلة برامج تكوين الكفاءات في ثلاثة مجالات ذات أولوية: الصحة، والرقمنة، والتعليم. وتفيد مذكرة تقديم المشروع بأن العدد التراكمي للمسجلين بلغ 71 ألفاً و661 طالباً في برامج الرفع من عدد مهنيي الصحة، بنسبة إنجاز بلغت 97 في المائة، و70 ألفاً و709 طلبة في برامج تعزيز الكفاءات الرقمية، بنسبة 96 في المائة، و68 ألفاً و143 طالباً في برامج تكوين أساتذة التعليم الابتدائي والثانوي، بنسبة إنجاز وصلت إلى 88 في المائة.

وتستهدف هذه البرامج تحسين جاذبية التكوين وجودته داخل المدارس العليا للأساتذة، والمدارس العليا للتربية والتكوين، وكلية علوم التربية، إلى جانب زيادة عدد خريجي التخصصات الرقمية وتعزيز الموارد البشرية في قطاع الصحة خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2027.

ويواكب هذا التوجه مشروع تفعيل مراكز المسارات المهنية وقابلية التشغيل في ثماني جامعات، لتوفير خدمات التوجيه والتكوين والاستشارة للطلبة والخريجين، ومساعدتهم على الانتقال إلى الحياة المهنية، فضلاً عن تشجيع المبادرة الفردية ومواكبة حاملي المشاريع.

وتظل فعالية هذه التدابير مرتبطة بقدرة الجامعة على بناء صلات منتظمة مع المحيط الاقتصادي، واستباق التحولات التي يعرفها التشغيل، وتطوير التكوينات وفق حاجيات القطاعات الإنتاجية. فمؤشرات التسجيل والإنجاز، على أهميتها، تحتاج إلى أن تستكمل بمعطيات عن التخرج، والإدماج المهني، ومدى ملاءمة الكفاءات المكتسبة مع الوظائف المتاحة.

الإيواء الجامعي.. خصاص يناهز 400 ألف سرير

تكشف المعطيات الواردة في المذكرة عن استمرار اختلال واضح في العرض السكني الجامعي، إذ يناهز الخصاص الوطني 400 ألف سرير، مقابل عرض إجمالي متاح يقدر بنحو 130 ألف سرير، لا يتجاوز نصيب القطاع العمومي منه حوالي 60 ألف سرير.

ويضع هذا الفارق السكن الجامعي في صلب التحديات الاجتماعية المرتبطة بتوسيع الولوج إلى التعليم العالي، خصوصاً بالنسبة إلى الطلبة القادمين من مناطق بعيدة أو المنتمين إلى أسر محدودة الدخل. كما يطرح ضرورة تطوير صيغ جديدة للتمويل والاستثمار، وتوسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، من أجل زيادة الطاقة الاستيعابية وتحسين ظروف الإقامة.

وفي هذا الإطار، يرتقب أن تتواصل خلال سنة 2027 المشاريع المتفق عليها ضمن طلب إبداء الاهتمام المتعلق بتصميم الإقامات الجامعية وإنجازها وتجهيزها واستغلالها وصيانتها، بما يسمح بتعبئة أكثر من 11 ألف سرير إضافي.

ويشمل البرنامج استكمال أشغال بناء أحياء جامعية بفاس بطاقة 1200 سرير، والمحمدية بـ1354 سريراً، وأكادير بـ1440 سريراً، والحسيمة بـ1432 سريراً، على أن تنتهي الأشغال بهذه المشاريع سنة 2028.

كما يرتقب إطلاق طلب إبداء اهتمام لإنجاز إقامات جامعية ببني ملال وآسفي وتاونات، بطاقة استيعابية تبلغ 1500 سرير لكل إقامة.

وتستهدف هذه المشاريع تنويع آليات الاستثمار في السكن الجامعي، وتعبئة موارد إضافية لتقليص الخصاص المسجل. غير أن حجم الفجوة بين العرض والطلب يبرز أن معالجة أزمة الإيواء تحتاج إلى برامج ممتدة زمنياً، وإلى ضمان كلفة مناسبة للطلبة، إلى جانب توفير شروط السلامة وجودة الخدمات والاستقرار الدراسي.

المنح الجامعية والدعم الاجتماعي

في موازاة تطوير البنيات الجامعية، تشير المذكرة إلى استفادة 430 ألفاً و140 طالباً من المنح الجامعية، ضمن التدابير الرامية إلى دعم الاستمرار في الدراسة والتخفيف من الأعباء المالية المرتبطة بالتعليم العالي.

ويشكل الدعم الاجتماعي عنصراً أساسياً في سياسة توسيع الولوج إلى الجامعة، بالنظر إلى تأثير تكاليف السكن والتنقل والتغذية والموارد التعليمية في المسار الدراسي للطلبة. وتزداد أهمية هذا الدعم كلما اتسع العرض الجامعي جغرافياً، واستقطبت المؤسسات الجديدة طلبة من أقاليم بعيدة عن مقرات إقامتهم الأسرية.

وتتطلب الاستجابة لهذه الحاجيات تنسيقاً بين المنح والإيواء والخدمات الاجتماعية، بما يضمن توجيه الموارد نحو الفئات الأكثر حاجة، ويحد من المخاطر التي قد تؤدي إلى التعثر أو الانقطاع عن الدراسة.

الرقمنة وتوسيع إمكانات التعلم الجامعي

يخصص المشروع محوراً لتطوير البنية الرقمية للتعليم العالي، من خلال مواصلة تنمية المنصة الوطنية للموارد اللغوية والبيداغوجية «Elogha-Sup»، التي يشرف عليها فريق مغربي متعدد التخصصات، بهدف إنتاج موارد رقمية لتعلم اللغات وفق المعايير الدولية للإطار الأوروبي المرجعي المشترك للغات.

كما يتضمن البرنامج توسيع شبكة مراكز «Code 212»، عبر إحداث فضاءات متخصصة في البرمجة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة، بما يعزز قدرات الطلبة الرقمية ويوسع فرص اكتساب المهارات المرتبطة بالمهن الجديدة.

وتعمل الوزارة كذلك على إرساء عرض وطني للتعليم العالي الرقمي والهجين، يستكمل التعليم الحضوري، ويتيح تقاسم الموارد البيداغوجية بين المؤسسات الجامعية، وتوسيع الولوج إلى الدروس والتكوينات، بصرف النظر عن الموقع الجغرافي للطلبة.

ويطرح هذا المسار تحديات تتعلق بجودة المحتوى الرقمي، وتكافؤ فرص الولوج إلى الأجهزة والإنترنت، وتأهيل الأساتذة والطلبة لاستخدام أدوات التعلم الجديدة، فضلاً عن حماية المعطيات الشخصية وضمان أمن المنصات. فنجاح الرقمنة الجامعية يقتضي بناء منظومة تعليمية متكاملة، تتجاوز توفير المنصات إلى تطوير طرائق التدريس والتقييم والتفاعل الأكاديمي.

الابتكار وترتيب المغرب دولياً

وتورد مذكرة تقديم مشروع قانون المالية أن المغرب ارتقى إلى المرتبة 57 عالمياً في مجال الابتكار، والمرتبة الرابعة إفريقياً من حيث الإنتاج العلمي. وتندرج هذه المؤشرات ضمن السياق الذي تسعى فيه الوزارة إلى تعزيز البحث والابتكار، وتطوير البنيات التقنية، وتوسيع التعاون بين الجامعات ومحيطها الاقتصادي.

ويظل التحدي المطروح هو تحويل التقدم في المؤشرات الدولية إلى قدرة مستدامة على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وتثمين نتائج البحث، وتحسين مساهمة الجامعة في التنمية. ويتطلب ذلك استمرارية التمويل، وتوفير شروط العمل للباحثين، وتعزيز استقلالية المؤسسات العلمية، وبناء جسور فعالة بين المختبرات والقطاعات الإنتاجية.

التوسع الجامعي أمام امتحان التنفيذ

تقدم التدابير المعلنة ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 برنامجاً متعدد المحاور لإعادة تشكيل التعليم العالي المغربي، يجمع بين إحداث المؤسسات، وتطوير التكوينات، ودعم البحث العلمي، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وتوسيع البنية الرقمية.

وتتوقف حصيلة هذه الاختيارات على القدرة على تحويل الاعتمادات والمشاريع المبرمجة إلى نتائج ملموسة، سواء في جودة التدريس، أو ظروف البحث، أو فرص الإدماج المهني، أو تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية في الولوج إلى الجامعة.

فإحداث مؤسسات جديدة وتعبئة آلاف الأسرة الجامعية وتوسيع برامج التكوين تشكل خطوات مهمة على مستوى التخطيط، غير أن أثرها الفعلي سيقاس بمدى استدامة التمويل، وتوفر الموارد البشرية، وجودة الخدمات، وقدرة الجامعة على إنتاج المعرفة وتأهيل الكفاءات. ومن هنا، يظل الرهان المركزي هو بناء جامعة تجمع بين اتساع العرض وعمق التكوين، وبين البحث العلمي ومتطلبات التنمية، وبين التحول الرقمي وضمان تكافؤ الفرص.

↑
Exit mobile version