
كش بريس/التحرير ـ في فضاءٍ تتقاطع فيه الألسن وتتداخل فيه مسارات الدلالة، حيث لا تعود اللغة حدودًا فاصلة بقدر ما تغدو أفقًا مفتوحًا على تعدد المعنى، تنكشف خرائط الوعي الإنساني في حالةٍ من التشكل الدائم، كأن المعنى ذاته يهاجر بين صيغٍ متعاقبة، ويعيد تعريف نفسه عبر اختلاف أدوات التعبير. يغدو حدثٌ علمي داخل كلية اللغة العربية جامعة القاضي عياض أكثر من مجرد مناقشة أكاديمية؛ إنه لحظة اختبارٍ لفكرة “اللغة” ذاتها، وحدودها، وقدرتها على حمل الأسئلة الكبرى للإنسان. فأن تُناقَش أطروحة دكتوراه باللغة الإنجليزية داخل فضاءٍ تأسس تاريخيًا على العربية ونصوصها الشرعية والأدبية، هو إعلانٌ ضمني عن انتقال المؤسسة من منطق الحفظ إلى منطق الانفتاح، ومن مركزية اللغة إلى تعدد الأفق.
إن وحدة الدرس اللغوي داخل هذه الكلية لم تعد تُفهم بوصفها تجانسًا صلبًا، بل بوصفها شبكة من العلاقات التي تتيح للمعرفة أن تتجدد عبر اختلاف أدواتها التعبيرية. فالنص الشرعي والأدبي، في هذا السياق، لا يُقرأ ككيانين منفصلين، بل كامتدادين لحقلٍ دلالي واحد، حيث تتجاور البلاغة مع التأويل، واللغة مع المعنى، في أفقٍ معرفي واحد. وهذا ما يجعل من الانفتاح اللغوي ليس قطيعة مع التراث، بل استئنافًا له ضمن شروط زمنية جديدة.
في هذا الأفق، تتجلى أطروحة الباحث أحمد التهامي، الموسومة بـ “From Homeland: Diasporic Identity and Internal Displacement in Diana Abu-Jaber’s Crescent and Bird of Paradise”، بوصفها عملاً يتقاطع فيه الأدبي بالفلسفي، واللغوي بالأنثروبولوجي، في مقاربة سؤال الهوية في سياق الشتات. تحت إشراف عبد الجليل التونسي، وبرئاسة محمد جعفري، تنفتح هذه الدراسة على مساءلة عميقة لمفهوم “الوطن”، ليس بوصفه مكانًا جغرافيًا ثابتًا، بل كخبرة وجودية تتشكل عبر الذاكرة والسرد والتجربة.
إن تحليل روايات ديانا أبو جابر، خاصة Crescent وBird of Paradise، يكشف عن بنية سردية تُعيد إنتاج مفهوم الانتماء في سياق التشظي. فالشخصيات الروائية لا تعيش المنفى فقط كفقدان للمكان، بل كحالة انقسام داخلي، حيث تتوزع الذات بين لغاتٍ متعددة وذاكراتٍ متداخلة. وهنا يمكن استحضار ما ذهب إليه إدوارد سعيد من أن المنفى ليس مجرد تجربة جغرافية، بل حالة وعي نقدي تُعيد مساءلة المركز والهامش، والانتماء والاغتراب.
ومن زاوية فلسفية، تلتقي هذه المقاربة مع تصور بول ريكور للهوية السردية، حيث لا تُفهم الذات كجوهر ثابت، بل كحكاية تُروى وتُعاد صياغتها عبر الزمن. كما يحضر مفهوم “الفضاء الثالث” عند هومي بهابها، حيث تتشكل الهويات في منطقة بينية، تتجاوز ثنائية الأصل والآخر، لتنتج معنىً جديدًا قائمًا على التداخل والتفاعل.
أما من جهة البعد اللغوي، فإن اختيار الإنجليزية لغةً لمناقشة أطروحة داخل كلية عربية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مفارقة، بل كعلامة على تحول في تصور المعرفة. فكما يرى هانس-غيورغ غادامير، فإن الفهم لا يتحقق إلا عبر “اندماج الآفاق”، حيث يلتقي أفق النص بأفق القارئ، وتلتقي اللغات في فضاءٍ أوسع من كل لغة منفردة. وهكذا، تتحول اللغة إلى وسيلة للعبور لا للحدود، وإلى أداة لفتح المعنى لا لإغلاقه.
ولا يمكن إغفال ما يشير إليه عبد الفتاح كيليطو من أن العربية نفسها لغة منفتحة تاريخيًا، تشكلت عبر التفاعل مع غيرها من اللغات والثقافات، مما يجعل الانفتاح الراهن امتدادًا لهذا الإرث، لا انحرافًا عنه. فكلية اللغة العربية، في هذا السياق، لا تتخلى عن هويتها، بل تعيد تأويلها ضمن أفق كوني.
إن اللحظة التي ستشهدها مدرجات مدرج الشرقاوي إقبال يوم الخميس 2 أبريل 2026 على الساعة العاشرة صباحًا، ليست مجرد حدث أكاديمي عابر، بل هي لحظة كثيفة بالمعنى، حيث تتقاطع الأسئلة حول اللغة والهوية، والمعرفة والانتماء، في فضاء واحد.
إن كلية اللغة العربية، بانفتاحها على لغات أخرى، لا تفقد وحدتها، بل تعيد تعريفها. فالوحدة الحقيقية ليست في التطابق، بل في القدرة على احتواء الاختلاف، وليست في الانغلاق، بل في القدرة على التحول. وهكذا، يتحول الفضاء الجامعي إلى مختبرٍ حيّ لإعادة التفكير في الإنسان، بوصفه كائنًا لغويًا يعيش بين لغاتٍ متعددة، ويصنع معناه عبر هذا التعدد ذاته.






