
بينما يرفع المغرب، بثبات وثقة، تحديات كبرى على مستوى الرياضة والبنيات التحتية والدبلوماسية الناعمة، يظل سؤال الإعلام العمومي عالقًا في منطقة رمادية لا ترقى إلى حجم التحولات ولا إلى مستوى الرهانات. فبلد حظي بشرف تنظيم كأس إفريقيا 2025، ويشارك في تنظيم كأس العالم 2030، لا يمكنه أن يقبل بأن يظل إعلامه العمومي متفرجًا على حدث هو في صلب صناعته، أو مجرد ناقل باهت لما تقرره كاميرات وخطوط تحرير أخرى.
لقد اختار المغرب، بوضوح، أن يجعل من الرياضة – وعلى رأسها كرة القدم – رافعة استراتيجية للتنمية ووسيلة لإعادة تموقعه إقليميًا ودوليًا. استثمارات ضخمة في الملاعب، وشبكات النقل، والفضاءات الحضرية، والخدمات اللوجستية، إلى جانب تراكم خبرة تنظيمية باتت محل إشادة.
غير أن هذا الورش العملاق يصطدم بحلقة ضعيفة: إعلام عمومي لم يواكب بعد هذا التحول النوعي، لا من حيث الرؤية، ولا من حيث الخطاب، ولا من حيث القدرة على التأثير في الرأي العام، داخليًا وخارجيًا.
المفارقة الصارخة أن الصورة التي تتشكل عن المغرب خلال التظاهرات الرياضية الكبرى لا يصنعها إعلامه الوطني، بل قنوات أجنبية تمتلك أدوات السرد، ومنصات البث، وقوة التأثير. وهذه القنوات لا تشتغل من فراغ، بل وفق أجندات تحريرية وحسابات اقتصادية وزوايا نظر قد لا تنسجم دائمًا مع أولويات المغرب ولا مع رؤيته لذاته. وهنا تكمن النقطة المفصلية: حين نترك المجال الإعلامي الرياضي، بكل شحنته الرمزية والجماهيرية، رهينًا للآخر، فإننا نتنازل عمليًا عن جزء من سيادتنا الرمزية.
لم تعد التظاهرات الرياضية مجرد مباريات ونتائج، بل تحولت إلى فضاء لصناعة الوعي، وتوجيه الانطباعات، وبناء الصور الذهنية عن الدول والشعوب.
لقطة واحدة، تعليق عابر، أو تقرير موجَّه، قد يرسخ تمثلات تدوم لسنوات. فكيف نقبل أن يكون الرأي العام الدولي – وحتى الوطني – تحت تأثير شبه مطلق لقنوات أجنبية، في لحظة نحن فيها في قلب الحدث ونملك كل العناصر لإنتاج خطاب إعلامي قوي، مهني، ومُقنع
ولا يقتصر هذا الخلل على البنية أو الإمكانات، بل يتجلى أيضًا في الممارسة المهنية نفسها.
فقد شكّل انسحاب عدد من الصحافيين والصحافيات المغاربة من ندوة صحافية لمدرب المنتخب السنغالي عقب مباراة النهاية مع كل ما شابها من لغط لحظة كاشفة لاختلال عميق في فهم الدور الصحافي. فالانسحاب، مهما كانت دوافعه، لا يخدم حق الجمهور في المعلومة، ولا يندرج ضمن منطق المساءلة، بل يفرغ الفضاء الصحافي من وظيفته الأساسية. كان الأجدر البقاء داخل القاعة، وطرح الأسئلة، ومواجهة الخطاب بالوقائع والمعطيات، وإحراج المسؤول بالكلمة والحجة، لا ترك المنصة فارغة. فالجمهور لا ينتظر من الصحافي أن يُعبّر عن غضبه نيابة عنه، بل ينتظر تفسيرًا، توضيحًا، ومساءلة حقيقية.
هذا السلوك، في جوهره، يعكس خللًا مهنيًا وثقافيًا أعمق، لأن أي بلد، مهما بلغت درجة تقدمه، لا يمكن أن تُبنى له صورة قوية أو سيادة رمزية دون صحافة قوية تؤدي أدوارها كاملة، بلا انفعال ولا تواطؤ.
ولا يقتصر الغياب الإعلامي على القنوات العمومية التقليدية، بل يمتد إلى الفضاء الرقمي، الذي بات اليوم الأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام، خصوصًا لدى الشباب.
صحيح أن عددًا من المؤثرين وصناع المحتوى، من داخل المغرب وخارجه، واكبوا التحضيرات والإنجازات المرتبطة بالتظاهرات الرياضية، وقدموا شهادات إيجابية وسرديات جذابة عن التنظيم والبنيات التحتية وحسن الاستقبال.
غير أن هذا الزخم ظل في معظمه عفويًا وفرديًا، خارج أي استراتيجية وطنية مؤطرة أو رؤية مؤسساتية تستثمر هذا الرأسمال التأثيري الهائل.
إن ترك مهمة الترويج للصورة الوطنية للمؤثرين، دون تأطير أو تنسيق أو شراكة ذكية، يعكس غياب تصور واضح لدور الإعلام في زمن المنصات.
فهؤلاء يشتغلون بمنطق الخوارزميات والانتشار السريع، لا بمنطق بناء سردية وطنية مستدامة. وكان الأجدر بالإعلام العمومي أن يتحول إلى منصة جامعة، تستثمر هذا الحضور الرقمي وتوجهه وتدمجه في مشروع تواصلي يخدم صورة المغرب في لحظة مفصلية من تاريخه الرياضي.
ويبرز هذا القصور بشكل أكثر حدة في مجال التحليل الرياضي، حيث تحتل قنوات وبلاتوهات أجنبية موقع الصدارة في متابعة الشأن الكروي المغربي وتحليل إنجازاته وتفكيك رهاناته. ملايين المغاربة يتابعون بانتظام برامج تحليلية أجنبية، ليس فقط لمهنيتها العالية، بل بسبب فراغ يقابله غياب شبه تام لبلاتوهات وطنية قادرة على تقديم تحليل عميق ومتوازن، يجمع بين الخبرة التقنية والبعد الاستراتيجي وفهم السياق الوطني.
هذا الإقبال الواسع ليس إدانة للجمهور، بل مؤشر على خلل بنيوي في العرض الإعلامي الوطني. فحين يغيب التحليل الجاد، ويُستبدل بخطاب إنشائي أو مجاملاتي، يبحث المتلقي طبيعيًا عن بدائل خارج الحدود. وهكذا يتشكل الرأي العام الرياضي المغربي، حتى في ما يخص إنجازاته الخالصة، من خارج الفضاء الإعلامي الوطني.
إن الإشكال، في جوهره، لا يتعلق بندرة الموارد أو غياب الكفاءات، بل بغياب قرار سياسي واضح يعتبر الإعلام العمومي ركيزة من ركائز المشروع الوطني، لا مجرد قطاع إداري أو واجهة بروتوكولية.
فما معنى أن نمتلك ملاعب بمعايير عالمية ونستقبل العالم فوق أرضنا، بينما لا نملك منظومة إعلامية قادرة على مخاطبة هذا العالم بلغته، وبمعاييره، وبسرديتنا الخاصة
لقد أثبتت التجربة الرياضية المغربية أن النجاح ليس مستحيلًا حين تتوفر الرؤية، ويُحسم القرار، ويُمنح الزمن للتراكم.
والسؤال اليوم:
- لماذا لا يُرفع التحدي نفسه في مجال الإعلام؟
- لماذا لا يكون الإعلام العمومي على مستوى البنيات التحتية التي شُيّدت، وعلى مستوى الرهان الرياضي الذي اختاره المغرب خيارًا استراتيجيًا؟
إن بناء إعلام عمومي قوي، متخصص، ومؤثر، ليس ترفًا ولا كلفة زائدة، بل استثمار في السيادة، وفي القدرة على تعريف الذات وتأطير النقاش العمومي بدل الخضوع له.
فإما أن نكون فاعلين في معركة الصورة والرواية، أو نظل موضوعًا لها، نُعرَّف من خارجنا حتى ونحن نلعب على أرضنا.
لقد رفع المغرب سقف التحدي رياضيًا وتنظيميًا. فهل يملك اليوم الجرأة نفسها لرفع التحدي إعلاميًا؟
أم سنواصل الاكتفاء بإنجازات تُستهلك رمزيًا خارج حدودنا، وبصوت غير صوتنا؟





