المشروع الصهيوني قبل أن يصير كيان سياسيا على شكل دولة، بدعم سياسي ودبلوماسي ومالي وعسكري غربي(أوروبي وأمريكي)، وقبل يكون يمتلك أكبر ترسانة من أسلحة الدمار وينخرط في سلسلة حروب لا تهدأ إلا لتندلع من جديد، كان المشروع الصصهيوني عبارة عن سردية نُسِجَت بعناية فائقة منذ أزيد من قرنين (ما قبل مؤتمر بازل بسويسرا سنة 1897).
وهذه السردية تتمحور حول أن “اليهود شعب مظلوم ومضطد عبر التاريخ، وتعرض لمسلسل تاريخي طويل من التقتيل والتهجير والتشريد وآن الأوان لهذا الشعب المظلوم أن يستريح في دولة خاصة به” وتحولت هذه السردية إلى عقدة ذنب في الضمير الغربي، وترسخت فيه، بما ارتكبه النازيون في أوروبا، وبتواطؤ مع الصهاينة أنفسهم، من مذابح في حق اليهود خلال العرب العالمية الثانية.
سردية توسّل الصصهاينة المسيحيون ثم اليهود في نسجها بكل منجزات العلوم الانسانية والاجتماعية من تاريخ وانثروبولوجيا وأركيولوجيا وبكل أنماط الإبداع من فنون وآداب وآساطير، واستثمروا فيها كل طاقاتهم الفكرية والعقدية والتربوية والعلمية والسياسية ووظّفوا في نشرها وإقناع الشعوب الغربية(أوروبا وأمريكا) بها كل مُقدّراتهم الاقتصادية والاعلامية.
واقتناع هذه الشعوب بهذه السردية هو الذي جعل دوّل الغربية تحتضن هذا المشروع الاستعماري الصصهيوني، وتعتبره امتدادا للمشروع الحضاري والاستعماري الغربي وجزء لا يتجزّ منه، ولذا وجب دعمه وتمويله وتموينه، وحمايته وضمان استمراره، بما سيشكله من دراع حامي لمصالح الغرب في الشرق الأوسط.
طبعا لا يمكن لمن لا يعرف ولايفهم المشروع الصصهيوني في أبعاده الاستراتيجية والايديولوجية والاقتصادية والسياسية والجيوسياسية، ولا لن يستطيع من يسري الخنوع والذّل والهزيمة في كروموزوماتهم لن يدركوا ما أحدثه طوفان الأقصى من زلارال نفسيا في العالم، جعل السردية الصصهيونية التي شيّدها الصصهاينة منذ أزيد من قرنين تتهوى، سردية الشعب اليهودي المضطهد دينيا المظلوم تاريخيا والمشرد جغرافيا والمنبوذ عرقيا (المعاداة للسامية)، التي تمكّن بها الصصهاينة وعبيدهم من المتصهينين من حشد الدعم المالي والعسكري والبشري الغربي الدائم والهائل لمشروعهم الاحتلالي.
هذه السردية التي شكلت الحافز الأول والكبير لاحتضان الغرب للصصهاينة والوقوف إلى جانبهم بالمال والسلاح والتموين للامحدود، وكل أشكال الدعم اللامشروط، حتى أسسوا كيانهم الاجرامي سنة 1948.
هذه السردية دمّرها طوفان الأقصى وفكّكها، واقتلعها من المخيال النفسي الجماعي للانسان الاوروبي والامريكي، الذي صار يخرج في تظاهرات بعشرات الآلاف أسبوعيا مندّدا بجرائم كيان الإبادة الصصهيوني، كما جعل القوى الحية في المجتمعات الغربية تتخلص من عقدة الذنب التي كانت تحكم الضمير الغربي اتجاه كل ما هو يهودي، وحرّرته من الكثير من الالتزامات “الأخلاقية” اتجاه كيان الاجرام، هذا ما جعل الأمريكيين والاوروبيين في استحقاقاتهم الانتخابية ينتخبون في معظم مُدنهم كل من يندد بجرائم الصصهاينة وكل من يطالب بمحاكمتهم امام القضاء الدولي، بعدما كان مناصري الكيان الصصهيوني هم من كانوا يكسبون كل الانتخابات في اوروبا وامريكا، وهم مَن كان يصلوا مراكز صناعة القرار في الغرب، وهذا ليس انجازا صغيرا ولا قليلا ولا بسيطا، بل هو تحوّل نوعي ومنعطف تاريخي في مسار المشروع التوسعي الصصهيوني، وسيكون له ما بعده على المدى المتوسط والبعيد،
و ما كان لذلك أن يتحقق لو لا التضحيات الجسام للشعب الفليسطني منذ 7 أكتوبر 2023، حيث قدّم الشعب الفليسطيني فاتورة باهضة بعشرات الآلاف من الشهداء والجرحى واليتامى والثكالى والآلاف من الدور المدمرة.
ولذا يستحيل لمن لا يستطيع أن ينظر إلى أبعد من أنفه، ولا لمن يقرأ تاريخ كل حركات المقاومة والتحرر في العالم، من الفيتنام وكوريا شرقا إلى الجزائر والكونكو وجنوب افريقيا وامريكا اللاتينية غربا أن يدرك أن كل الشعوب والامم لم تتحرّر من الاحتلال إلا بعشرات الآلاف من الشهداء والضحابا.
فطوفان الأقصى وما تلاه من حرب إبادة للشعب الفليسطيني في غزة هو من حوّل الصهيوني من موقع الضحية والمضطد والمظلوم الذي يستحق التعاطف والتضامن، والذي يجب دعمه ماليا وعسكريا، هذا الموقع الذي كان يحتله منذ حوالي قرنين في الضمير الغربي إلى موقع المجرم والظالم والقاتل الذي يرتكب الابادة الجماعية في حق الابرياء من الاطفال والنساء ويحرق الاخضر واليابس في فليسطين، موقع المجرم الذي يجب التنديد به ووقف الدعم المالي والعسكري عنه، محاكمته.

المفكر عبد الحسين شعبان يفكك الماركسية بين جمود العقيدة وتحولات المنهج في كتاب جديد عن دار النهار
قلعة السراغنة.. مياه السقي تعيد الاحتقان إلى زمران الشرقية وأولاد ناصر وسط استمرار الغموض
نقابة فلاحية تدعو الحكومة المقبلة إلى مراجعة السياسة الفلاحية وتحقيق السيادة الغذائية
الرميد يدعو إلى إحداث حقيبة وزارية لحقوق الإنسان لتحقيق التوازن بين حماية النظام العام وصون الحريات