محمد الرحالي يكتب: تيمات الشعر الأمازيغي

تقديم:

       يعد الشعر أحد الفنون المعبرة عن حضارة الأمم وثقافتهم وهو فن قائم بذاته يشكل جزء من هوية كل شعب وثقافته وتعد الثقافة الوطنية جزء من الهوية الوطنية المغربية، لهذا سنعرض في المقال لخصائص وأهمية الشعر الأمازيغي باعتباره مكونا مهما لها، ثم نتطرق لقضايا التي يعبر عنها والتيمات التي استحضرها الشعراء الأمازيغيون، ومدى حفاظه على الهوية الوطنية.

  1. مفهوم الشعر الأمازيغي:

       يعد البحث عن تعريف للشعر في الثقافة الأمازيغية شيء صعبا يتطلب بداية استقراء النصوص الشفهية المتداولة عن الأجيال السابقة، ويشر الباحث محمد أرجدال لتعدد التسميات بقوله ” الشعر الأمازيغي يفتتح إمكانيات تعبيرية هائلة عبر تعدد الأجناس والأشكال التعبيرية غذ نجد إزلي الذي يجمع على إيزلان، وتماويت التي تجمع على تيماوين،وتيفارت  تجمع على تيفرين، وتاميدولت التي لا جمع لها.[i]

وبالتالي فإن التسميات تختلف بتعدد الأشكال التعبيرية وذلك حسب تصنيف الثقافة الأمازيغية، ونجد أيضا مصطلح تيموركن والمشتق من سمورك الفعل وهو مصطلح يحيل على الشعر والطقوس التي ترافقه احتفاليا، ويتكون من أم: أداة تتصل بالفعل، وارك: تعني بارك ولغة أمارك تدل على البركة أو المبارك ولكن دلالتها اصطلاحيا تحيل على الشعر الأمازيغي، بل على غرض من أغراضه، فنستعمل عبارة ياغي أومارك، والإعجاب يسموركيي وجيك اد ومن تلك المصطلحات نجد أيضا التييت وفعل ينا.[ii]

  1. أغراض الشعر الأمازيغي:

       تنوعت أغراض الشعر الأمازيغي وأنواعه وقد تلقى الأطفال نوعا مشعورا، وتنوعت الأغراض بتنوع خصائص المحيط الجغرافي والتاريخي للإنسان الأمازيغي الذي جعل الشعر متلونا بتلون ثقافته، نجد من تلك الأغراض:

  1. وصف الطبيعة:

       وقد اعتنى الشعر الأمازيغي بقضايا الإنسان موظفا الطبيعة ومشتغلا بوصفها،  بل كانت تيمة من تيماته وهي مرتبطة بالبيئة الجغرافية التي ينتمي إليها، فعندما تذهب الأم إلى الجبل  للاحتطاب أو لجلب العشب للماشية تنشد الفتاة شعرا لإسكات أخيها قائلة:

MAYD YAYN RURU

TDDA MMA NNS IGRAN

IRGL AS UHANU.[iii]

 ترجمته:

يا أخي رورو

ذهبت أمي إلى الجبل

وأغلقت الباب.

كما تتغنى المرأة بقصائدها في أطراف الحقل زمن نضوج الفواكه قائلة:

Ayagdidntazart

Grid yrdvttazart

Ad tsiky i Eddabanw

Is ittiynyalaz

أيها العصفور الواقف فوق الشجرة التين

ألق إلي بواحدة من التين

كي أعطيها ل عذابة بطني

لأنها أهلكها الجوع.[iv]

       ولقد وظف الشاعر الأمازيغي الطبيعة كتيمة تعبر عن  قضاياه اليومية والمعاصرة فاللغة الأمازيغية غنية بالتشبيهات والاستعارات، وبعد أحداث اعتقال طال منطقة الشاعر زمن الاستعمار وسط أنات وصيحات اليتامى قال واحد من الضحايا الذين أطلق سراحهم:

Unna dizzri yid n tagut s iman

A yaz ur sar k yand  uinsi ka.

 وترجمته:

من ظل على قيد الحياة

بعد تلك الليلة الممطرة

وبقي في مأمن

فإنه بعد اليوم لن يقصد

مكان المبيت للرعاة.[v]

       فشبه الشاعر المعاناة التي مر منها السجناء بالليلة الممطرة العاصفة، فيها طوفان وعواصف هوجاء  من تخلص من تبعاتها فعليه أن ييمم وجهه شطر أزايض ما دام يجر على الإنسان كل هذه المحن والويلات.

       أما أحد المناضلين الذين لم ينس من الوعود  والانتظار الترقب والتطلع إلى غد أفضل فقد قال :

Iqqima nn warry tgga ggid yifi

Iriy abri dur ssudi lj Eri

وترجمته:

بقي القمر بقي القمر لم يبزغ

أصبح الحال ديجورا علي

وأنا أهم بالمسير وابحث عن الطريق

واحتاج لمن يضيء الجبل

لا تمكن من الوضوح.[vi]

       ها هو ذا ينتظر الفرج بانتظار القمر الذي جعله رمزا للحب والعطاء وانفراج الهم، والقمر نور سيكشف الله به ظلمات فجاج الجبال الوعرة، وعناصر الطبيعة هنا رموز تشكل الدلالة والصورة الشعرية، التي ليست سوى دليل وتعبير عما يختلج الذات الشاعرة من أحاسيس.

       يعد الموت  تيمة وموضوعا يشغل كل الثقافات بل ويحتل مكانة منت المعتقدات التي تنتمي لتلك الثقافات، ولم يقتصر حضورها على البعد الروحي والعقدي بل تجاوزها للدلالة على معاني متنوعة وامتدت لتحضر كموضوع خصب في الأدب بشقه النثري في الأساطير وكذلك في الشعر ، عبر من خلاله الشاعر الأمازيغي عن قضايا متنوعة، فكان يوظفه للتعبير عن حل المشاكل العاطفية  بل يراه تارة خلاصا، وتارة أخرى مفرا أمام تباريح الهوى وعذاب الصد، فكان دعوة على الجسد به ليكون الخلاص من المشاكل اليومية وخلاصا من الفراق وما يرافقه من حالة نفسية واجتماعية.

يقول الشاعر:

أثا غمام الموت غراس واحبيب

نو أن ئيدو

يوفي ؤغريب أد روخ ؤولا  المحيا ؤرتيمر.

وترجمته:

أيها الموت اقبض عندك الحبيب

خير لي أن أذرف الدموع  من حب فاشل .[vii]

وهكذا يدعو الشاعر على حبيبه بالموت ليخلصه من عذاب ولوعة الفراق والفشل في الحب لأنه يرى ذلك أهون من العذاب المعيش، وجعل الموت أهون من الدموع.

       بل لقد جعل الشاعر الموت معمقا لأواصر الحب والعلاقات الوجدانية، والشعراء جعلوه عالما مثاليا لترسيخ الحب وتعززه يقول أحد الشعراء مترجيا أباه:

عافاش أبابا مش موثختنضلثيدوسمون أن شار أغاموس

أداي شار ئيغصانئيناسئي لعذاب أورا أرتاغ لعافيت

وترجمته:

أرجوك أبي إن مت ان تدفنني مع الحبيب

ليشركنا الكفن وحين يلتحم جسدانا ادع

العذاب أن يحضر والنار أن تتوهج.

كما وظف الشعر القضايا الاجتماعية في ثناياه بل وعبر به عن مثل اجتماعية أيضا كباقي الشعراء ،ومن أمثلة ذلك عند الشيخ عيسى أوستا، قوله:

Nbda d uwaddy mgga ymizzy

IsuliErqqusmmid in w innih

ترجمته:

انفصلت عن الجذع (إشارة إلى زوجته)

هذا الذي أمام غصن صغير

ما زال الوقت بعيد للاستراحة.[viii]

       فهذا يعبر عن فراق زوجته وهي قضية وإحساس اجتماعي عبر عنه بتشبيه فيه حضور لعناصر الطبيعة، وتعبير عن أحاسيس الفراق واللوعة والحزن.

       بل لقد كان الشعر الأمازيغي ذو حمولة قيمية وأخلاقية يضرب فيها الشاعر المثل العليا التي ينبغي التحلي بها والامتثال لها وتمثلها سلوكا وأخلاقا وممارسة.

       تحظى المرأة بمكانة مرموقة في الثقافة الأمازيغية شأن ذلك شأنها في الشعر الأمازيغي، فهي فيه رمز للعطاء تارة وتارة أخرى رمز للصمود والتحدي، ولها حضور قوي فيه، فالشعراء الأمازيغيون لغرض تناولوا تيمة المرأة والغزل باعتبارها مهمة سواء العذري العفيف أو الشعر التمثيلي ، وعلى التصوير الحسي الدقيق المرفوض تارات عديدة، فصارت المرأة مصدر إلهام للشاعر في قضاياه وشعره، مبعثا للافتتان بجمالها وزينتها، وسكنت المرأة عالم الشاعر الأمازيغي وشغلت عقله وفكره وخياله معا في الغالب تكون الزوجة هي المحبوبة ، ومن بين الصور الفنية التي تجلت فيها رؤية الشاعر للمرأة واعتبارها تجليا دالا على وجود الله وعظمة الخالق وآية من آيات قدرته تعالى، يقول الشاعر:

ئساهل بو ؤدم يزل أدي توزورو

سيدي ربي أي تيحوبان يعدلاس.

وترجمته:

حق لذات الطلعة الحسناة أن يتبرك بها

إن الله اصطفاها فأحسن صنعها.

       بل لقد أصبحت الحسناء دالة على وجود الخالق وتجليا من تجليات عظمته والتبرك بها وهو اعتراف بجمالها وتعظيم للخالق، يتساءل ويوضح أن لها كل السعادة فلا داعي لعها أن تسعى للرزق، أو للتعب من أجله، فيقول الشاعر:

زين ؤوري خدم ؤوري كاث ئيبردان

لمعيشت غاس اودم نس اس تي تجباز.

– وترجمته:

لا تشقى الحسناء ولا تسعى للرزق

نضارة وجهها تغنيها على ذلك.[ix]

بل لقد فتن الشاعر الأمازيغي بمشية المرأة وجمالها، وهي تتهادى كالغزال، وبرشاقة واستقامة مما يدل على تناسق جمالها وسلامتها من العيوب، فيقول الشاعر:

ئيزل ؤورا عانش الي تزيل توادا انش ايا حمام

وخا عدان الطيور ؤوري شي ربي الزين غاس شكين

– وترجمته:

طلعتك الحسناء وخطاك متناسقة

رغم وفرة الطيور فقد آثرك الله فيها

وهذا شاعر يكني حبيبته بحقل متوهج أزهاره صفراء كرمز للتجدد والانبعاث، ويتمنى لو كان ذلك الحقل سكنا له.

بالتالي فالشعر الأمازيغي شعر عريق يتناول كل أنماط وتيمات الشعر المعروفة كالبعد الوطني والاجتماعي والوصف والمدح والفخر والرثاء والهجاء، فهو لسان قومه وابن بيئته، كما سبق وأشرنا له في الثقافة الأمازيغية، وله مقومات تميزه لكن البعد الطبيعي وحقل الطبيعة مهيمن يه ، مع حضور قوي لضمير المتكلم الذي يحيل على ذات الشاعر الذي طالما تغنى بالهموم وعل الشعر ذا وظيفة تعبيرية ونفسية بها يتحقق التطهير النفسي ، وارتقي في الصورة الشعرية بالرمز وتجويد الاستعارة والتشبيه، مما خلق تناسب النصص وجزالة اللفظ وشرف المعنى.


هوامش:

[i]  محمد أرجدال، الشعر الأمازيغي وإشكالية المفهوم والتطور، مجلة زادي درعة، العدد 18، ص 11-22.

[ii]المصدر السابق ص 102-13.

 

[iii] علي شرويط المرغادي، الرمزية في الشعر الأمازيغي، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية مركز الدراسات الأدبية والتعابير الفنية، ص78.

[iv]المصدر السابق، ص 30-31.

[v]المصدر السابق، ص 34.

[vi]المصدر السابق، ص 34.

[vii]علي شرويط المرغادي، الرمزية في الشعر الأمازيغي، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية مركز الدراسات الأدبية والتعابير الفنية، ص89.

[viii] علي شرويط المرغادي، الرمزية في الشعر الأمازيغي، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية  مركز  الدراسات الأدبية والتعابير الفنية، ص92.

[ix] بوشتى ذكي ومحمد المسعودي، الغزل في الأغنية الأمازيغية، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ص 24.

Exit mobile version