ابن الهامش الاجتماعي والجمالي وقد صارت قصيدته مَتْنًا
للشاعر غربتان…
كيف ترى قفزة القصيدة العربية إلى مناخات ما بعد الحداثة قبل أن يجتاز المجتمع والقارئ في مناهج التعليم تخوم الحداثة؟ وهل يكرس ذلك غربة مضافة بين الشاعر والناقد؟
ـ يفتقد التعليم في مصر النزعة العلمية غالباً، فهو يربّي أجيالاً تحفظ ولا تفهم، ترى ولا تعي، تسلّم ولا تجادل، بدلائل عدة، أحدها فقط طرد الفقيد نصر أبو زيد من الجامعة إلى باقي قصته، وما دام التعليم هكذا، فعلى كلّ من يملك فرصة لتغيير أو محاولة تغيير هذا النمط فليتقدّم، لربما يفيد أحداً، ولو فرداً، في تطوير وجهة نظره إلى أفق بعيد عانقه العالم من نصف قرن، بل وتجاوزه، ونحن لا نزال على الأعتاب، فعلينا نقل هذه الكتب الأساسية إلى الوعي العربيّ، حتى نلحق بما يمكن اللحاق به، أملاً في إنسان أفضل في تمثّل مقتضيات عصره. ولا تنس أن أمريكا اللاتينية قد حققت منجزاً ثقافياً وإبداعياً كبيراً، بينما كانت تعاني من دكتاتوريات عسكرية تُحصي عليهم أنفاسهم، فعلينا جميعاً البدء بجهودنا ولو كانت فردية، للحلم بمستقبل نراه قريباً ويرونه بعيداً، نظراً لعيونهم التي لا ترى إلا ما تحت أنوفهم.
ـ حكاية الغربة بين الشاعر والناقد في مصر مثلاً، صارت متباعدة كأنها بين السماء الأرض، فلم يعد في مصر نقّاد كبار، حتى الكبار غرقوا في جوائز بالملايين لن تفيدهم فما بالك بغيرهم، وصار النقد في مصر أشبه بتعاضد السلف مع الخلف، لا يسمن من جوع، مجموعات لا يهم ماذا تنتج من إبداع، تلتمّ على بعضها البعض لرفع ما في جعبة صحبهم، بما في ذلك من نفاق وتملّق وخداع بل وخيانة للضمير الأدبيّ بشكل عام، لكن الكلام طبعاً له استثناءات، ونعوّل على القادم من الشباب في كسر هذه الحلقة الجهنمية الشريرة من تلك التجمّعات العصابية.
لكن الشعراء في مصر يراوحون بلا وعي في كثير من الأحيان بين ما هو حداثي وما هو ما بعد حداثي ويخلطون بينهما بنثرية تشكيلية، فهل لدينا قصيدة واضحة في مصر؟
الحدود بين ما هو حداثي وما هو ما بعد حداثي ليست فارقة فاصلة بشكل محكم، حتى في الأدب العالمي، ـ ثمة فروق جوهرية بين قصيدة الحداثة وقصيدة ما بعد الحداثة، ففي الحداثة يكون الرمز والشكلانية والنصّ الهادف المصمّم التراتبيّ الموضوعيّ المركزيّ الدلاليّ الانتقائيّ النمطيّ الميتافيزيقيّ سهل التأويل، أما في ما بعد الحداثة فيكون السيكولوجيّ اللاشكلانيّ والنصّ المتلاعب المصادف الفوضويّ المتلوّن التجميعيّ المتحوّل المتهكّم المناهض للتأويل. ولا يحضر هذا كلّه قطعاً في نصّ واحد، بل يتراوح بين هذا وذاك، وقد يمتزج المذهبان في نصّ واحد، والتعويل في النهاية على شعرية النصّ لا على اتّباعه مذهباً معيناً، فلكلّ نصّ مزاج وشكل وطابع ونمط.
لا أنماط للكتابة…
قدمت منذ عام كتابا حول أنماط قصيدة النثر كما تكتب الآن كجزء أول، دعني اسأل هل يمكن وضع أنماط وضوابط لقصيدة من طبيعتها التمرد على كل القوالب والانماط؟
ـ لا يقدم كتاب (مقدمة لقصيدة النثر) أنماطاً محدّدة يُعتمد عليها في تركيب قصيدة النثر، ولا يؤطّرها في تقنيات محدّدة كما فعلت سابقته سوزان برنار، بل قام برصد لمجموعة قصائد استنبط منها أنماطاً يمكن رصدها في كتابات قصيدة النثر، كما صرّح بأن هذه الأنماط قد تمتزج في نصّ واحد، ويمكن أن تتوالد منها أنماط أخرى إلى ما لا نهاية، أيّ أنه استخرج أنماطاً قد تتجدّد أو تتواشج أو تمتزج وتختلط بأنماط أخرى، ولم يدع للتنميط بل إلى فتح المجال أمام قصيدة النثر لتشمل الفضاء كله بما فيه ومن فيه من جماليات.
عيد النساج:
أيها الشعر.. أيها الفرح المُختلَس
في الوقت الذي قدمت فيه ترجمات عديدة للمكتبة خلال العامين الماضيين، قدمت ديوانين فقط هما “عيد النساج” و”مجنون الصنم”، هل صرت تهرب من الشعر أم أن الترجمة تستغرق المساحة المتاحة للكتابة؟
ـ لقد أصدرتُ ديواني (عيد النسّاج) في العام 2014، وأنهيت بعده ديوانين: مجنون الصنم، ورب على شكل طائر، والأخير في طور الطباعة. وأنا عموماً لستُ مكثراً، فعلى مدار حياتي أكتب ديواناً بمتوسط أربع أو خمس سنوات، المهم أن أكتب ما أريد، لا العدد. كما أن الترجمة تأتي من مصدر إبداعيّ آخر بعيد تماماً، فأنت توظّف معارفك اللغوية والإبداعية في الترجمة التي قد تتخذ شكل القرار، ويمكن ممارستها يومياً إن أحببت، لكن الشعر هبة أخرى، لا تتخذ شكل القرار ولا تستطيع أن تمارسها يومياً، إلا من باب التخطيط لشيء ما قد يأتي وقد لا يأتي. ويمكن القول إن طرائق الإبداع عموماً لا شأن لها بالمنتج الإبداعيّ، فلكلّ شيخ طريقة كما يُقال.
من أطرف ما قيل عن عيد النساج رغم قلة المكتوب عنه، إن محمد عيد ابراهيم يمكنه الكتابة مثلنا.. أي ان الديوان بلغة البعض جاء واضحا ومفهوما على العكس من دواوينك السابقة، مثل قبر لينقض وبكاء بكعب خشن، حيث تُقرأ وتهمة الغموض جاهزة.
وإذا كنت تقبلها فهل لعب التأثر في بداية المشوار بتجربة المدرسة اللبناينة دورا في هذا الغموض أم أنه ابتعاد الذائقة عن الرائج في قصيدة النثر المصرية؟
ـ أنا عموماً لا آنف من تهمة الغموض، فمنذ أول ديوان لي (طوْر الوَحشة) وبعده (قبر لينقضّ) وقد صدر ضدّي حكم بالغموض، لكني أصررت على قصيدة النثر فقط، وكتابة القصيدة أحياناً على نمط الفقرة (الباراجراف) وكان ذلك (1980) قبلما تنتشر وتشيع، هذا عموماً ماض وانتهى، بل أقوله الآن بلا مرارة مطلقاً، فمن ينظر يراني أكثر حضوراً شعرياً وثقافياً من غيري، فقد واظبت على رغم كلّ شيء، وهو الدرس الهام أن نعوّل على الزمن في فرز الغثّ من السمين، ومن لديه مشروع جماليّ سيفوز في النهاية أكثر مما لديه بضعة دواوين وحسب.
ـ لا أنفي تأثري في البداية بمدرسة شعر، خاصة أنسي الحاج وتوفيق صايغ وشوقي أبي شقرا، وهو أمر يحدث للجميع، ومن لا يتأثر لا يكتب شيئاً ذا قيمة، فكلنا نكتب في طروس فوق طروس، ونستفيد مما سبق لما سيلحق، فلا يوجد آدم في الشعر، مطلقاً، كلنا نكتب كما قيل قديماً بأثر من (وضع الحافر على الحافر)، المهم كيف تكتب ولماذا وبأيّ نمط جماليّ إلخ، كما يهمّني أن أناقض السائد والرائج والشائع الذي كنتُ ولا أزال أنفر منه، خاصة في تعاملي بأناقة مع اللغة، وسط الشكل ومناهضة المعنى المبسوط، فالانتهاك أهمّ أسس الكتابة عندي، جمالياً ومعرفياً.
في الديوان إشارات إلى جيل السبعينيات وما فعله في تطوير القصيدة المصرية. هل ترى أن جيل السبعينات انتهى عمره الافتراضي مع الأجيال الأخرى، أم أنه قادر على تطوير قصيدته وتجاوز منطلقاته خاصة بعد رحيل حلمي سالم وتوقف احمد طه وقلة إنتاج عبد المنعم رمضان وسيطرة الترجمة على نتاجك أنت وغيرك؟
ـ رحل عن عالمنا بعض مبدعي جيل السبعينيات، وتوقّف بعضهم، عن الكتابة إلا أنه قد مرّ زمان واضح يمكن التدليل من خلاله على وجود بعض السمات الجمالية المتوافقة بينهم أو حتى المتعارضة فيما بينهم، لكنها تصبح مسألة نقدية، لا تعني استمرار الجيل، فأنا أرى أن مسألة الأجيال قد انتفت ، فهي تنشأ في البداية للتعاضد والمساندة والأُطر الجمالية المختلفة عن السابق عموماً، ثم يتفرق كلّ منهم لتصبح له واحدية شعرية، هي التي يتم درسها بوضوح من خلال نصوصه، أما من يتوقّف أو يتراجع فهي مسائل فردية لا يُعوّل عليها في إطار درس جماليات الجيل ككلّ. وقد بذل ثلاثة على الأقلّ من جيل السبعينيات جهداً بارزاً في مجال الترجمة، يؤخذ في الحسبان بدقّة، بعدما أنجز كلّ منهم عشرات الكتب، ولا يعني هذا هروباً أو تخلياً عن الشعر، فكلّ نشاط إبداعيّ يمارسه المرء لا يأخذ من الآخر، بل يؤيده ويعززه ويرسي رواسيه، فكما قلت الترجمة تأتي من جهة باطنية معرفية مختلفة تماماً عن جهة الإبداع الشخصيّ، فأنت حين تترجم تنقل ثقافة ما إلى ثقافة أخرى، وهي عملية إبداعية تحويلية يصبح بها النصّ المنقول في النهاية نصاً مشتركاً بين الأصل والصورة، وهو أمر عسير على النقيض مما يظنّ الكثيرون.
حكاية أن ننتقد جيل السبعينيات إجمالاً بالشاعرية الأقلّ شائعة سخيفة، فلم يهتم جيلنا بالتنظير على حساب الجماليات الفنية في القصيدة، كلنا حاول بقدر ما أن يتوسع فيما يرى أنها جماليات جديدة، بعضنا تمرد ولو إلى آخر المدى، وبعضنا حاول الرضوخ لجماليات راسخة وخشي من التمرد، وبعضنا استمر كأنه يطور ما قبله بشكل طبيعي إلخ. ولما كان النقاد وقتها يتجنبون ما نكتب، كان لزاماً أن نحاول في النقد لتوسيع المجال أمام نصوصنا، ومن جهتي، فقد حاولت في هذا أو أسهمت بنصيب منه لكن بالترجمة، جنباً لجنبٍ مع من حاول التنظير للقيم الجديدة التي كنا أو كان معظمنا يمارسها في شعريته أو بتنظيره. مع ذلك لا أومن بأن جيل السبعينيات هو آخر جيل شعري في مصر، فقد أثمرت الحركية الشعرية عدة أجيال متلاحقة، وراء بعضها البعض، لا يهم أن نسميها بالسنين، لكنها فعلياً اختلفت عن كل القيم التي كانت شائعة في زمن السعبينيات، وهو منطق الزمان الذي لا يمكن أن نحيد عنه، ولا ننكره، مع ذلك أرى أن كل جيل ينتج قيماً شعرية مختلفة، ولا يعني ذلك أن نسب ما سبق أو نعاديه أو نجهله، فكلنا نتحرك وراء بعضنا أو حتى فوق أكتاف بعضنا البعض، لصالح الشعرية المصرية، التي نتمنى لها الصعود إبداعياً على طول المدى.
مجنون للصنم…
في الاقتباس الذي قدمت به ديوانك الجديد “مجنون الصنم” ثمة التباس، فما هي العلاقة بين الشاعر الألماني ريلكه والخليفة الأموي معاوية؟
اقتباس ريلكه كخطاب داخليّ يعي ما أكتبه ومن أيّ منطلق أكتبه، ومن ثم جاء اقتباس معاوية كخطاب خارجيّ موجّه إلى الآخر كي يعي اختلافي معه، فأنا أطير لحظة وقوع الآخر وأقع لحظة يطير الآخر، مصداقاً لضرورة أن يختلف الشاعر عن غيره.
**
ـ الديوان كأنه أربع قصائد كبيرة تنقسم شكليا إلى قصائد قصيرة ومتفاوتة في الطول، لماذا استخدمت العناوين للقصائد القصيرة؟
الديوان أربعة أقسام متصلة ومنفصلة في الوقت نفسه، فهو يبدأ بقصائد ذكريات الجسد (مذكرات لا أحد) عن حالات وأشخاص وأفكار ومجازات ، ثم قصائد ذكريات الغرام (مجنون الصنم) عن إحالات غرامية قد تتسع إلى مجازات وقد تضيق إلى علاقات لكن النسق كله عن غراميات ماتت أو في طريقها للزوال، ثم قصائد ذكريات الوطن (بلادي: لست بلادي) وهي عن حالات سُخط عام تصل حتى إلى مجاز نقيض يدّعي نكران البلاد بما فيها ومن فيها وقد يتمنى لها الزوال كقبر بعيد، أما القسم الأخير فهو عن ذكريات مستقبلية (أكلمكم من القبر) عن تصور مجازي لمآل الشخص وهل يندم أم يرضى، هل يستقبل نهايته في هدوء أو صخب، بمجاز كليّ شامل، عن أفكار ما بعد الموت، إن صحّ التعبير.
**
كل هذه الاشكال في ديوان واحد…
ـ ثمة تنوع في طرائق الكتابة بين قصيدة الرسالة وقصيدة السرد وقصيدة البراجراف وقصيدة الومضة والابيجرام بل وثمة طيوف من الهايكو. لماذا تحشد كل هذه الأشكال في ديوان واحد؟ هل هي رسالة عبر شكل الكتاب عن طبيعة القصيدة الجديدة التي تستوعب اشكالا كثيرة، أم هو استسلام فني لحق القصيدة في أن ترسم شكلها شعوريا وجماليا؟
الطرائق جاءت حسب الحالة الشعورية، إن كان ما يُسمّى ذلك عند الشاعر، كلّ قصيدة تكتب نفسها، وتشكّل شكلها، ولا يعرف الشاعر أصلاً شيئاً عنها حتى تكتمل بالنقطة الأخيرة، قد يهندس فيها شيئاً أو آخر، لكن فحواها ومبناها يظلان كما هما تقريباً. لا أقصد أنها حالة جبرية، لكن لكلّ قصيدة إحالة أو إثارة استتبعتها أو أثارتها أصلاً، ولا دخل للشاعر إلا في بعض التنظيم والوعي ساعة الكتابة.
ـ الموت والفقد والعبث واللاجدوى قيم نفسية مسيطرة على روح معظم الديوان، هل هي مرحلة ما بعد استصفاء السيرة الذاتية التي كتبتها في عيد النساج ام هي أصداء السيرة الذاتية؟
هذا الديوان يختلف في شكله وروحه كثيراً عن ديوان (عيد النساج)، في طرائقه للوصول إلى القصيدة ثمة شيء مختلف، وروح مختلفة، وبناء فكريّ ونفسيّ وجماليّ متباين عما سبق، النجاح أو الإخفاق فيه متروك للقارئ والناقد، كلّ منا يكتب نفسه من دون زيف أو تزوير، لأن أقلّ زيف سيبدو لقيطاً، من هنا كان اقتباس ريلكه، صحيح أني لا أقصد ذلك بشكل رومانسيّ، لكن للتوكيد على ضرورة ألاّ يكتب المرء ما لا يعتقد أو يكون ضدّ نفسه. لكن التجربة المختلفة بعد المرض ظهرت في ديواني الأخير (رب على شكل طائر)، وهو في طور الطبع حالياً. ففيه محاولة للاستشفاء من كثير مما لحق بي من رعب نفسي أو صدمة كادت تقربني من فكرة الموت.
*في (مجنون الصنم) قصيدة عن قتل الأم وهذه من المرات النادرة التي أرى فيها شاعرا يقتل أمه وينتصر لأبيه – ليس على حسابها بالطبع ولكن ثمة انتصار للأب، كيف يمكن تفسير ذلك نفسيا وجماليا؟
القصيدة قد تكون رمزية، وهي في قسم (بلادي)، قد أكره في الأم ضعفها واستكانتها أمام الأبناء، وقد أكره في البلاد سكونها ورماديتها واستسلام أبنائها ، فالقتل هنا رمزيّ نفسيّ أكثر مما هو تلميح للقتل العمد، وقد يكون فيها مقلوب فرويد أيضاً، لأسباب أراها ما بعد حداثية، تخصّ الانتهاك وغيره. القتل هنا عموماً لا علاقة له بفرويد ونظريات علم النفس القديمة، بل هو أقرب إلى التنديد بما نعيشه من قهر وبؤس فكري وسياسيّ بل وجماليّ أحياناً في كلّ ما حولنا.
طيوف سوريالية…
*ثمة أطياف سوريالية في ديوان (مجنون الصنم)، وتنكر كامل للمنطق الشعري، وثمة قصائد محكمة وكأنها حكمة، وثمة قصائد تستخدم المجاز وتبالغ في توظيفه، وثمة قصائد مشفاة من المجاز، هل يمثل الديون رحلة وعي القصيدة بنفسها ووعي الشاعر بتجريب الطرائق، ام هي مرحلة استمرار الجوانب السوريالية التي كانت موجودة في دواوينك الأولى قبل النساج ولماذا يلجأ شاعر في العالم العربي إلى السوريالية؟
لا أتعمد عموماً أن أكتب عن طريق سورياليّ أو مناف للمنطق أو محكم أو مجازيّ او لا مجازيّ، كلّ جسد الشاعر فيه علامات تشقّ القصيدة دربها من خلاله، وكلنا نكتب قصيدة واحدة (تقريباً) طيلة حياتنا، لكن بمظاهر شتّى، نكتب لأننا لم نقل كذا بالشكل كذا، ولم نصور كذا هكذا إلخ، نكتب لاستكمال نقصنا، ونقصنا هو ما يجعلنا نكتب من جديد، ولو اكتمل شاعر لمات في نقطة السطر الأخير، لا يوجد كمال إلا مع الله أو في الموت، لذلك نظلّ نجرب ونجرب فربما نتحقق أو نسعى لأن تتحقق القصيدة، وكله وهم قطعاً، لكن الشعر حَمّال الأوهام هو السَبّاق، من يصل إلى أرض الواقع سيسقط جثة هامدة بقصيدته الهامدة.
أما سؤالك الغريب: لماذا يلجأ شاعر عربيّ إلى السوريالية؟ فهو يحتاج كتاباً للردّ عليه، لكن ببساطة: السوريالية لم تعد اليوم منشأ غربياً وطريقاً غريباً بل صارت من صميم كيان كلّ شاعر، في رأيي، فالتعامل مع اللغة هو أساس كلّ قصيدة، ويبدو جلياً هذا التعاون في السوريالية، بكلّ ما نعرفه عنها تراثياً وأجنبياً، حيث الأسلوب هو الشاعر، من لا يملك أسلوباً عليه أن يبحث حتى يصل، وكما نرى التشابهات المريعة لدى كثير من الشعراء الجدد وتصل إلى حدّ المرض أحياناً، فلا نرى فارقاً بين هذا وتلك، لا تعني إلا أنهم لم يصلوا إلى جوهر الشعر الحقّ، والذي لا يوجد إلا في التعامل بشكل مميز مع اللغة، ومن ينكر ذلك بزعم البساطة، أرد عليه إن البساطة أو التركيب في القصائد حالات عامة، يتحقق الشعر من خلالهما وخلال غيرها أيضاً، فلا يوجد شاعر بسيط فقط وغيره خارج الشعر، ولا يوجد شاعر مركّب فقط وغيره خارج الشعر، هي مسألة تراكيب وجدانية حسب تعامل كلّ شاعر مع ذكرياته وإرثه الثقافي والموسيقيّ والمعرفيّ والجماليّ .
لماذا كثر اللجوء إلى التشبيه على حساب الاستعارة في الديوان وكأني بك تريد اثبات ما بعد حداثيته رغم انه لا يحتاج الى اثبات عن طريق الكاف التي ظهرت أكثر من اي حرف آخر في الديوان؟
ج: التشبيه من أهم تقنيات ما بعد الحداثة، عكس الاستعارة التي تعتبر من تقنيات الحداثة، فالتشبيه أبسط وسيلة للتخييل، بل تكاد تكون مباشرة، لكن لها جمالياتها طبعاً، سواء كانت مباشرة أو غامضة أو مركبة، أما الاستعارة فهي حلية جمالية تكاد تكون مركبة نوعاً عن التشبيه، وكانت شائعة أكثر لدى رواد الحداثة، لكن بشكل عام قد تمتزج هذه التقنيات في عالم الحداثة وما بعدها، ويعتمد ذلك على قدرة الشاعر في كيفية استعمال كل منها على حدة أو بمزيج منهما معا. وعموماً، هذه التقنيات تحتاج إلى قارئ ناقد يرى فيها ما يراه، حسب الحالة النفسية أو الجمالية للقصائد، ولكلّ قارئ مفهوم ودلالات مختلفة حسب رؤيته لتأويل كل قصيدة غير الآخر.

الداخلية تستنفر رؤساء مكاتب التصويت لضمان تسليم نسخ المحاضر
تراجع سنوي للأسعار وارتفاع شهري.. تفاصيل التضخم في غشت 2026
محمد مصباحي: أجيال
29% نمو في الإنتاج و106 دولارات للعمالة.. المغرب يصعد في صناعة السيارات