كش بريس/التحرير ـ في لحظة سياسية تتقاطع فيها رهانات الانتخابات المقبلة مع الانتظارات المجتمعية المتزايدة بشأن الإصلاحات الكبرى، عاد ملف مراجعة مدونة الأسرة إلى واجهة النقاش العمومي بالمغرب، بعدما فجّرت هيئات نسائية موجة انتقادات حادة تجاه الحكومة، متهمة إياها بالتباطؤ في إخراج الصيغة المعدلة للقانون، رغم مرور أشهر طويلة على انتهاء أشغال الهيئة المكلفة بالمراجعة، واقتراب الولاية الحكومية الحالية من نهايتها.
واعتبرت الجمعيات والمنظمات المنضوية ضمن “التنسيقية النسائية من أجل التغيير الشامل والعميق لمدونة الأسرة” أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش تجاهل بشكل لافت ملف إصلاح قانون الأسرة خلال عرضه لحصيلة عمل الحكومة، رغم الطابع الاستراتيجي والحساس الذي يكتسيه هذا الورش داخل المجتمع المغربي، وما رافقه من نقاشات واسعة وتوجيهات رسمية منذ انطلاقه.
وفي رسالة مفتوحة وجهتها إلى رئيس الحكومة، عبّرت التنسيقية عن استغرابها مما وصفته بـ”الصمت غير المفهوم” الذي يلف مصير مشروع تعديل المدونة، مؤكدة أن الحركة النسائية والحقوقية كانت تنتظر تقديم توضيحات بخصوص مآل هذا الورش التشريعي، بدل تجاهله في لحظة سياسية كان يُفترض أن تشكل مناسبة لتقييم حصيلة الإصلاحات الاجتماعية الكبرى.
ورأت الهيئات النسائية أن التأخر في إحالة مشروع القانون على المؤسسة التشريعية لا يعكس مجرد تعثر تقني أو إجرائي، بل يكشف، بحسب تعبيرها، غياب إرادة سياسية حقيقية لجعل قضايا المساواة والعدالة الأسرية ضمن أولويات العمل الحكومي. كما اعتبرت أن استمرار العمل بالنصوص الحالية يكرس أوضاعًا اجتماعية وقانونية تضر بالنساء والأطفال وتعمّق مظاهر الهشاشة داخل الأسرة المغربية.
وطالبت التنسيقية الحكومة بالإسراع في عرض مشروع تعديل مدونة الأسرة قبل انتهاء الولاية التشريعية الحالية، بما يواكب التحولات الاجتماعية والديمغرافية التي يعرفها المغرب، ويؤسس لمقاربة قانونية أكثر إنصافًا وعدالة داخل العلاقات الأسرية، بعيدًا عن كل أشكال التمييز والتراتبية التقليدية في توزيع الحقوق والمسؤوليات.
كما أعادت الرسالة التذكير بالبلاغ الصادر عن الديوان الملكي في دجنبر 2024، والذي دعا إلى مواصلة التواصل مع الرأي العام بشأن مستجدات مراجعة مدونة الأسرة، معتبرة أن غياب أي معطيات رسمية منذ انتهاء أشغال اللجنة المكلفة بالمراجعة يطرح علامات استفهام حول المسار الذي سلكه المشروع داخل دواليب الحكومة، ويعكس، وفق تعبيرها، إخلالًا بالمنهجية التشاركية التي رافقت انطلاق هذا الورش.
وسجلت الهيئات النسائية أن تعطّل إخراج المشروع إلى حيز النقاش البرلماني يتناقض مع الأهداف المعلنة من مراجعة المدونة، والمتمثلة في ملاءمة التشريع الأسري مع التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة في ظل تنامي الأسر النووية، وارتفاع عدد الأسر المعالة من طرف النساء، وتراجع أنماط التضامن التقليدية داخل البنيات العائلية.
واستندت التنسيقية في مرافعتها إلى خلاصات تقارير وطنية حديثة، من بينها نتائج البحث الوطني حول الأسرة لسنة 2025 الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط، والذي كشف عن تحولات بنيوية مست القيم التضامنية ووظائف الأسرة التقليدية، في ظل تصاعد مؤشرات الهشاشة الاجتماعية وتغير أنماط العيش والعلاقات داخل المجتمع المغربي.
وأكدت الجمعيات الموقعة على الرسالة أن هذه التحولات تفرض مراجعة شاملة للترسانة القانونية المؤطرة للأسرة، بما يضمن حماية جميع أفرادها على أساس المساواة والإنصاف، ويستجيب للتحولات السوسيواقتصادية والثقافية التي يعرفها المغرب، بعيدًا عن المقاربات التقليدية القائمة على القوامة والتراتبية بين الجنسين.
ويأتي هذا الجدل في سياق نقاش مجتمعي متواصل حول مراجعة مدونة الأسرة، منذ أن أعطى الملك محمد السادس، أواخر سنة 2023، تعليماته بإطلاق ورش التعديل من خلال هيئة ضمت وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، وفتحت مشاورات واسعة مع مختلف الفاعلين الحقوقيين والسياسيين والمدنيين، قبل أن ترفع مقترحاتها النهائية إلى الملك خلال سنة 2024.
وبينما لا يزال مشروع التعديل يراوح مكانه داخل المسار التشريعي، يتواصل الانقسام بين التيارات المحافظة والحداثية بشأن طبيعة الإصلاحات المطلوبة وحدودها، في واحدة من أكثر القضايا المجتمعية حساسية داخل المغرب، بالنظر إلى ارتباطها بأسئلة الدين والهوية والتحولات الاجتماعية وحقوق النساء.

الداخلية تكشف تفاصيل الاستعدادات لانتخابات 23 شتنبر
دورة تكوينية لتعزيز حكامة التخطيط التربوي ضمن خارطة الطريق 2022-2026
مهرجان السينما والتاريخ بمراكش: حين تتحول المدينة إلى بطل سردي