
كش بريس/التحرير ـ
أعلن الكاتب والمخرج والباحث في الثقافة الشعبية الأستاذ عبد الله المعاوي عن إصدار بيان مسرحي تنظيري جديد يؤسس لما سماه “نظرية مسرح الساحة”، وهي مقاربة فكرية وجمالية تدعو إلى إعادة التفكير في وظيفة المسرح وعلاقته بالمجتمع والفضاء العمومي، من خلال تجاوز النموذج التقليدي القائم على الخشبة المغلقة والقاعة المسرحية.
ويرى المعاوي في هذا البيان أن المسرح، في جوهره، فعل اجتماعي حي قبل أن يكون نصا مكتوبا أو عرضا داخل مؤسسة ثقافية، مؤكدا أن أصل التجربة المسرحية ارتبط تاريخيا بالساحات العمومية والطقوس الجماعية والأسواق الشعبية، حيث كانت الجماعة تتقاسم الحكاية والإنشاد والسخرية والاحتفال. وبناء على ذلك، يقترح الباحث استعادة الساحة بوصفها الفضاء الأول للمسرح، لا باعتبارها مجرد مكان للعرض، بل باعتبارها بنية رمزية وثقافية تتشكل فيها العلاقة بين الجسد والصوت والجماعة والذاكرة.
ويؤكد البيان أن “المسرح لا يبدأ من النص ولا من الخشبة، بل من حاجة الإنسان إلى تحويل الواقع إلى معنى”، معتبرا أن الممثل ليس مجرد ناقل لدور مكتوب، بل كائن فاعل يضع جسده وتجربته في قلب الحدث المسرحي. كما يشدد على أن الجمهور في هذا التصور ليس متلقيا سلبيا، بل شريك في إنتاج المعنى، إذ يتشكل العرض من التفاعل الحي بين الممثلين والجماعة والفضاء.
وتقترح نظرية “مسرح الساحة”، وفق صاحبها، إعادة توجيه الفعل المسرحي نحو الفضاءات العمومية المختلفة، مثل الساحات والأسواق الشعبية والجامعات والأحياء والقرى والمقاهي والأندية الثقافية، وكل فضاء يمكن أن يتحول إلى مجال للتعبير الدرامي، حيث “يجتمع جسد ينطق وجمهور يصغي”.
كما يحاول البيان وضع هذه النظرية في حوار نقدي مع عدد من الاتجاهات المسرحية العالمية والعربية، إذ يشير المعاوي إلى تقاطعات ممكنة مع مفاهيم الحوارية والكرنفالية عند الفيلسوف الروسي ميخائيل باختين، ومع النزعة النقدية في المسرح الملحمي عند برتولت بريشت، إضافة إلى الطاقة الجسدية والطقسية التي دعا إليها أنطونان أرتو. كما يقارب البيان بعض التجارب العربية والمغربية، من بينها مسرح سعد الله ونوس، ونظرية الاحتفالية لعبد الكريم برشيد، وتجربة الطيب الصديقي في توظيف الحلقة والفضاء الشعبي.
ويرى المعاوي أن هذه النظرية تسعى إلى تجاوز مركزية النموذج المسرحي الغربي القائم على القاعة المغلقة، وإلى استعادة الأشكال الأدائية المرتبطة بالثقافات الشعبية العربية والأمازيغية، حيث تشكل الساحة فضاء سياسيا واجتماعيا وثقافيا حيا.
ويختتم البيان بالإعلان عن إعداد كتاب تنظيري موسع يحمل عنوان “مسرح الساحة”، سيعمل على تفصيل الأسس الفلسفية والجمالية لهذه النظرية، مع تحليل تجارب مسرحية مغربية اشتغلت على الفضاءات التراثية والعمومية، وعلى رأسها ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش بوصفها فضاء مركزيا لتجليات الفرجة الشعبية.
كما وجه الباحث نداء إلى الكتاب والمخرجين المسرحيين الذين اشتغلوا على الأشكال الفرَجوية المرتبطة بالساحات والفضاءات الشعبية، من أجل موافاته بأعمالهم أو بعناوين مسرحياتهم وتواريخ عروضها، قصد إدراجها في الكتاب المرتقب.
ويُرتقب أن يوقَّع البيان في مرحلة ثانية من طرف عدد من الباحثين والممارسين المسرحيين، في أفق تحويله إلى أرضية فكرية لنقاش نقدي حول مستقبل المسرح وعلاقته بالمجتمع والفضاء العمومي.
تقييم نظري ونقدي
من الناحية النظرية، يقدم بيان “مسرح الساحة” محاولة لإعادة طرح سؤال العلاقة بين المسرح والفضاء الاجتماعي، وهو سؤال شغل عددا من المفكرين والسوسيولوجيين منذ القرن العشرين. وتكمن أهمية هذا الطرح في سعيه إلى إعادة مركزية الجماعة والفضاء العمومي في الفعل المسرحي، بدل الاقتصار على النص أو المؤسسة.
كما أن استحضار تجارب مثل الاحتفالية المغربية أو المسرح السياسي العربي يمنح النظرية بعدا سياقيا محليا، يجعلها محاولة لتأصيل خطاب مسرحي مرتبط بالثقافة الشعبية والذاكرة الجماعية.
غير أن القيمة الفعلية لهذه النظرية ستظل رهينة بمدى قدرتها على التحول من بيان فكري إلى ممارسة مسرحية متماسكة، قادرة على إنتاج أشكال جمالية جديدة في الفضاء العمومي، وتقديم نماذج تطبيقية تؤكد صلاحية هذا التصور في الواقع المسرحي.
وفي كل الأحوال، يفتح بيان عبد الله المعاوي نقاشا فكريا جديدا حول مستقبل المسرح في العالم العربي، وحول إمكانات استعادة الساحة بوصفها فضاء للفرجة والوعي الجماعي.





