مشروع قرار مجلس الأمن بشأن الصحراء المغربية: الحكم الذاتي بين تثبيت المرجعية التفاوضية وإعادة ترتيب المسار الأممي

ـ قراءة في التحولات الدبلوماسية والقانونية والسياسية لمشروع القرار الأمريكي: من تدبير النزاع إلى البحث عن تسوية سياسية واقعية، ومن مركزية الأطراف المتفاوضة إلى توسيع دائرة التمثيل الصحراوي.

كش بريس/خاص ـ

يحمل مشروع القرار الأمريكي الجديد بشأن الصحراء المغربية مؤشرات سياسية ودبلوماسية تتجاوز مسألة تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة، لتلامس طبيعة المقاربة التي يتجه مجلس الأمن إلى اعتمادها في تدبير هذا الملف. فالتعديلات التي أُدخلت على المسودة الأولى، قبل وضع النص في صيغته الزرقاء، تكشف عن عملية تفاوضية دقيقة سعت إلى تحقيق توازن بين تثبيت موقع المبادرة المغربية للحكم الذاتي داخل المسار السياسي، والمحافظة على المرجعيات الأممية التقليدية، وفي مقدمتها مبدأ تقرير المصير، بما يتيح تمرير القرار وتفادي اعتراضات داخل مجلس الأمن.

وتكمن أهمية هذه الصياغة في أنها تعيد ترتيب العلاقة بين ثلاثة مستويات متداخلة: المرجعية القانونية الدولية، والواقعية السياسية التي تحكم إمكانات التسوية، وآليات التفاوض التي يفترض أن تنقل الملف من حالة الجمود إلى أفق الحل. وهي مستويات تجعل من القرار المرتقب محطة تستحق القراءة المتأنية، بعيداً عن الاكتفاء بتوصيفه انتصاراً دبلوماسياً أو اختزاله في مجرد تسوية لغوية بين مواقف متعارضة.

أولاً: الحكم الذاتي من المبادرة الوطنية إلى مرجعية التفاوض الأممية

تتجلى إحدى أهم دلالات المشروع في الصيغة التي اعتمدها بشأن المقترح المغربي للحكم الذاتي. فقد احتفظ النص بفكرة أن المبادرة المغربية الموسعة والمحدثة تمثل الأساس الوحيد لمواصلة المناقشات، مع وصف منح حكم ذاتي حقيقي في إطار السيادة المغربية بأنه الحل الأكثر واقعية لقضية الصحراء الغربية.

وتكتسب هذه الصياغة أهميتها من كونها تنقل المبادرة المغربية إلى موقع مركزي داخل هندسة التفاوض الأممي. فالمقترح لم يعد حاضراً باعتباره وثيقة قدمها أحد أطراف النزاع فحسب، وإنما أصبح مرجعية عملية تنطلق منها المناقشات التي يرعاها المبعوث الشخصي للأمين العام، بمشاركة الولايات المتحدة والأمم المتحدة في جهود التيسير.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين اعتبار الحكم الذاتي أساساً لمواصلة المفاوضات، وبين إقرار تسوية نهائية للنزاع. فالنص، وفق الصيغة المعروضة، لا يعلن حسم الوضع القانوني والسياسي للمنطقة، وإنما يحدد الإطار الذي يرى أنه الأكثر قابلية لإنتاج حل سياسي. وهذه التفرقة ضرورية لفهم القيمة الدبلوماسية للقرار وحدودها في الوقت نفسه.

ثانياً: تقرير المصير واستمرار المرجعية الأممية

إعادة إدراج مبدأ تقرير المصير ضمن الفقرة الثامنة تكشف عن طبيعة التوازن الذي حكم المفاوضات حول النص. فالمشروع يؤكد التزام مجلس الأمن بالتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، وفق مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، بما فيها تقرير المصير، ثم يربط ذلك باعتبار الحكم الذاتي الحقيقي في إطار السيادة المغربية الحل الأكثر واقعية.

وتحمل هذه المجاورة بين المبدأ الأممي والخيار السياسي دلالة تتجاوز التوفيق الاصطلاحي. فهي تعكس محاولة لإدراج تقرير المصير ضمن تصور تفاوضي يستحضر إمكانات التسوية الواقعية، عوض التعامل معه باعتباره صيغة إجرائية منفصلة عن التحولات التي عرفها الملف طوال العقود الماضية.

ومن الناحية السياسية، تتيح هذه الصياغة الحفاظ على مرجعية الأمم المتحدة ومقتضياتها، دون التخلي عن الاتجاه الذي يمنح المبادرة المغربية موقعاً متقدماً في البحث عن الحل. كما أنها تؤكد أن التفاوض سيظل محكوماً بضرورة الوصول إلى تسوية مقبولة، وهو ما يجعل طبيعة المشاركة والضمانات السياسية والعملية المرتبطة بالحكم الذاتي عناصر أساسية في المرحلة المقبلة.

ثالثاً: إعادة تعريف مهمة المينورسو وتحول وظيفة الحضور الأممي

من أبرز التحولات التي يقترحها المشروع تغيير تسمية بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية»، ابتداءً من فاتح نونبر 2026. ويكتسي هذا التعديل دلالة سياسية ومؤسساتية واضحة، لأنه يزيل الإحالة المباشرة إلى الاستفتاء من الاسم الرسمي للبعثة، ويعكس انتقالاً في تصور وظيفتها نحو دعم المسار السياسي ومواكبة التسوية التفاوضية.

وتتجاوز المسألة هنا التعديل الاصطلاحي؛ إذ يرتبط الاسم بتاريخ تأسيس البعثة سنة 1991، وبالمرجعية التي حددت مهمتها الأصلية في إطار مخطط التسوية الأممي. وحين يقترح النص تغيير هذه التسمية، فإنه يفتح الباب أمام إعادة النظر في طبيعة الحضور الأممي وأدوات اشتغاله، خصوصاً أن الفقرة الثانية تطلب من الأمين العام تقديم مقترحات مفصلة بشأن هيكل البعثة وقوام موظفيها، وإمكان تقليص الأفراد النظاميين وإغلاق بعض مواقع الفرق أو دمجها.

وتزداد أهمية هذا التوجه مع احتفاظ مجلس الأمن لنفسه بحق اتخاذ قرار بشأن مستقبل البعثة، بما في ذلك تحويل ولايتها، وفقاً للمقترحات التي سيقدمها الأمين العام ومدى التقدم المحرز في العملية السياسية.

وهنا تبرز نقطة استراتيجية ينبغي الانتباه إليها: المشروع لا يقرر بصورة نهائية إنهاء مهمة البعثة أو سحبها، وإنما يؤسس لمسار مراجعة مؤسساتية قد يفضي إلى إعادة تشكيلها. والتمييز بين الأمرين ضروري، لأن مستقبل المينورسو سيظل مرتبطاً بموازين التفاوض، وبطبيعة الضمانات الدولية المطلوبة لمراقبة وقف إطلاق النار ومواكبة التسوية.

رابعاً: توسيع دائرة التشاور وإعادة الاعتبار للتعددية الصحراوية

تتضمن الفقرة السادسة من المشروع مقتضى يستحق اهتماماً خاصاً، يتمثل في مطالبة المبعوث الشخصي للأمين العام بالتشاور مع طيف واسع من المكونات والأطراف الصحراوية المعنية، بمن فيهم الأشخاص والهيئات الموجودة خارج دائرة الأطراف المتفاوضة، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين أو في الشتات.

وتفتح هذه الإضافة نقاشاً مهماً حول حدود التمثيل السياسي في المفاوضات. فالمشروع يتجه إلى تجاوز الحصر التقليدي للمشاركة في الأطراف التي ظلت تحتكر المسار التفاوضي، نحو الاستماع إلى تعبيرات اجتماعية وسياسية ومدنية أخرى، قد تحمل تصورات ومواقف مختلفة بشأن مستقبل المنطقة.

وتكمن أهمية هذا التوجه في أن أي تسوية سياسية مستدامة تحتاج إلى قاعدة اجتماعية أوسع من دائرة التفاوض الدبلوماسي. فالمجتمعات المعنية بمستقبل الصحراء لا تختزل في المؤسسات والوفود التي تتحدث باسمها، كما أن تعدد الانتماءات والتجارب والانتظارات الاجتماعية يفرض استحضار أصوات الفئات التي ظلت خارج آليات التفاوض المباشر.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة المقتضى باعتباره محاولة لتوسيع الشرعية التمثيلية للعملية السياسية، وإدخال البعد المجتمعي في حسابات التسوية. غير أن القيمة الفعلية لهذا التوجه ستتحدد بمدى استقلالية المشاورات، وتنوع المشاركين فيها، وكيفية إدماج نتائجها في التقارير التي يرفعها الأمين العام إلى مجلس الأمن.

خامساً: ملف تندوف والتسجيل الإحصائي للاجئين

ومن المستجدات اللافتة أيضاً مطالبة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين باستكمال تسجيل اللاجئين في منطقة تندوف خلال ستة أشهر، وفقاً للقانون الدولي للاجئين والمعايير المعتمدة لدى المفوضية، مع التأكيد على عدم تدخل أي جهة في العملية، وضمان حرية الوصول والتنقل.

وتكتسب هذه الفقرة أهمية إنسانية وسياسية في آن واحد؛ فهي تضع مسألة التسجيل ضمن الالتزامات العملية المرتبطة بتدبير الملف، وتعيد طرح الحاجة إلى معطيات دقيقة بشأن الفئات المعنية، بما يساعد على تحسين الاستجابة الإنسانية وتقييم الحلول المستدامة.

كما أن اشتراط عدم التدخل وضمان حرية الحركة يضع العملية في إطار المعايير الدولية التي يفترض أن تحكم عمل المفوضية. وتبقى دقة التسجيل وشفافية إجراءاته من الشروط الضرورية لتوفير قاعدة معلومات موثوقة بشأن الاحتياجات الإنسانية، بعيداً عن التوظيف السياسي أو الإحصائي للمعطيات.

ومن المهم هنا عدم تحميل هذا المقتضى نتائج قانونية لا ينص عليها المشروع؛ فتسجيل اللاجئين إجراء إنساني وإداري، ولا يشكل في ذاته حكماً بشأن الوضع النهائي للإقليم أو تحديداً مسبقاً لمآل المفاوضات.

سادساً: الولايات المتحدة وإعادة هندسة الوساطة الدولية

يمنح المشروع الولايات المتحدة موقعاً بارزاً في هندسة المسار التفاوضي، من خلال الإشادة بدورها في تيسير جولات المناقشات، إلى جانب الأمين العام ومبعوثه الشخصي، مع تأكيد استمرار القيادة الأممية للعملية السياسية.

وهذا الترتيب يعكس تحوّلاً في توزيع الأدوار الدبلوماسية، حيث لم تعد واشنطن تكتفي بموقع الدولة الراعية لصياغة مشروع القرار داخل مجلس الأمن، وإنما تظهر في النص طرفاً مسهلاً للمفاوضات ومشاركاً في توجيه مساراتها.

وتتجلى أهمية ذلك في ارتباط المشروع بسياق دولي أوسع، تتداخل فيه حسابات القوى الكبرى ومصالحها الاستراتيجية مع البحث عن تسوية لنزاع طال أمده. فالولايات المتحدة تسعى إلى تحويل الثقل الذي راكمته المبادرة المغربية للحكم الذاتي إلى أرضية تفاوضية عملية، مع الإبقاء على المظلة الأممية التي تمنح العملية السياسية شرعيتها الدولية.

لكن هذه المعادلة تطرح بدورها سؤالاً حول حدود الوساطة الأمريكية وعلاقتها بالدور الأممي. فنجاح أي مسار تفاوضي يقتضي الحفاظ على التوازن بين فاعلية التيسير السياسي ومصداقية الإطار متعدد الأطراف، حتى لا تتحول العملية إلى تفاوض تحكمه اعتبارات القوة وحدها.

سابعاً: بين تثبيت المكتسبات الدبلوماسية واختبار القدرة على إنتاج التسوية

إذا كان المشروع يعكس تقدماً في تثبيت المبادرة المغربية للحكم الذاتي داخل المرجعية التفاوضية لمجلس الأمن، فإن قراءته السياسية تقتضي الانتباه إلى أن الانتقال من الاعتراف بواقعية المقترح إلى إنتاج تسوية نهائية يظل مشروطاً بتوفر إرادة تفاوضية حقيقية، وبناء ضمانات سياسية ومؤسساتية قابلة للتنفيذ.

فالمشروع يطلب من الأطراف التعاون مع الميسّرين والمشاركة بصورة بناءة، مع اعتماد المقترح المغربي أساساً وحيداً للتفاوض وتقديم ردود تستند إليه. وهذه الصياغة تحمل ثقلاً سياسياً واضحاً، لأنها تجعل النقاش منصباً على مضمون الحكم الذاتي وإمكاناته المؤسسية، بدلاً من إبقاء العملية السياسية معلقة عند نقطة الاختلاف حول المرجعيات الأولية.

وفي المقابل، فإن استمرار الإحالة إلى الحل المقبول من الطرفين، ومبدأ تقرير المصير، يؤكد أن مجلس الأمن لم يعلن نهاية المسار التفاوضي، ولم يحسم بصورة نهائية جميع العناصر المرتبطة بالوضع السياسي للإقليم.

ومن ثم، فإن الرهان المغربي في المرحلة المقبلة لن يقتصر على تثبيت موقع المبادرة داخل القرارات الأممية، وإنما سيمتد إلى توضيح هندستها الدستورية والمؤسساتية، وآليات تدبير الاختصاصات، وضمانات المشاركة السياسية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يجعل الحكم الذاتي تصوراً متكاملاً قابلاً للنقاش والتنفيذ والتقييم.

ثامناً: ما الذي يعنيه القرار بالنسبة إلى مستقبل النزاع؟

يمكن استخلاص أربع نتائج استراتيجية من الصيغة المعروضة للمشروع:

1. تقدم المرجعية المغربية: اعتماد المبادرة المغربية أساساً وحيداً لمواصلة المناقشات يمثل تطوراً سياسياً مهماً في موقع المقترح داخل المسار الأممي.

2. تغيير طبيعة المهمة الأممية: حذف الإشارة إلى الاستفتاء من تسمية البعثة، وفتح النقاش حول إعادة هيكلتها وولايتها، يعكسان توجهاً نحو إعادة تعريف وظائف الحضور الأممي.

3. توسيع قاعدة المشاركة: التشاور مع المكونات الصحراوية الموجودة داخل الإقليم ومخيمات تندوف والشتات يفتح المجال أمام مقاربة أكثر اتساعاً للتمثيل السياسي والاجتماعي.

4. إدخال البعد الإنساني في التسوية: استكمال تسجيل اللاجئين في تندوف خلال ستة أشهر يضيف مقتضى عملياً إلى مسار ظل طويلاً محكوماً بالاعتبارات الدبلوماسية والسياسية.

ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين هذه التحولات وبين تحقق التسوية النهائية. فالمشروع يضع تصورات جديدة للتفاوض وتدبير البعثة، لكنه يترك عدداً من القضايا الجوهرية رهيناً بالمفاوضات المقبلة وبالقرارات التي سيعتمدها مجلس الأمن تبعاً لتطوراتها.

خلاصة: من شرعية المبادرة إلى تحدي بناء الحل

تبدو الصيغة الزرقاء لمشروع القرار الأمريكي محطة ذات أهمية في تطور التعاطي الأممي مع قضية الصحراء المغربية. فهي تجمع بين تكريس المبادرة المغربية باعتبارها الأساس الوحيد لمواصلة المفاوضات، ووصف الحكم الذاتي الحقيقي في إطار السيادة المغربية بأنه الحل الأكثر واقعية، وبين الاحتفاظ بمبدأ تقرير المصير والمرجعية الأممية للحل السياسي.

إن الدلالة الأعمق لهذا التحول تكمن في انتقال مركز الثقل من الجدل حول صيغ التسوية المتنافسة إلى البحث في الشروط السياسية والمؤسساتية التي يمكن أن تجعل الحكم الذاتي إطاراً عملياً لإنهاء النزاع. وهذا تحول يستحق القراءة باعتباره تطوراً في هندسة التفاوض، وليس إعلاناً مسبقاً عن نهاية الخلاف.

كما أن إعادة النظر في وظيفة المينورسو، وتوسيع دائرة المشاورات، وإدراج ملف التسجيل الإنساني للاجئين، تكشف عن رغبة في معالجة جوانب ظلت معلقة داخل البنية التقليدية للنزاع.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن أهمية هذه اللحظة تكمن في ضرورة تحويل الرصيد الدبلوماسي إلى مشروع سياسي ومؤسساتي متكامل، يستوعب تطلعات الساكنة، ويعزز التنمية والتمثيل والمشاركة، ويمنح الحكم الذاتي مضموناً ديمقراطياً وحقوقياً قادراً على استيعاب التعددية المجتمعية والثقافية للمنطقة.

فالتحدي الذي تطرحه المرحلة المقبلة هو الانتقال من تثبيت مرجعية الحل إلى بناء شروط استدامته، ومن إدارة النزاع داخل المؤسسات الدولية إلى إنتاج تسوية سياسية تضع حداً لاستنزاف الزمن والموارد والإمكانات الإنسانية.

↑
Exit mobile version