
( من وحي عدوان أمريكا على سيادة فينزويلا المدان )
منذ سقوط بغداد، تبيَّن أن الأزمات الكبرى لا تُدار بترحيل الخسائر ولا بتقديس البدايات، بل بترتيب النهايات عبر إعادة تفكيك التناقضات وإعادة بناء سلم الأولويات على ضوء ما انكشف من حدود القوة وعقم السرديات التعبوية. لقد علّمتنا تلك اللحظة أن ما لا يُؤخذ بالقوة قد يُؤخذ بالمصلحة، غير أن المصلحة نفسها تظل هشة وقابلة للانقلاب ما لم تُؤسَّس على معنى مشترك يمنح الفعل السياسي شرعيته وقابليته للاستمرار.
ومن هذا المنطلق، لا يُفهم دعم الحلفاء بوصفه اصطفافًا غير مشروط أو تفويضًا مفتوحًا، بل باعتباره التزامًا أخلاقيًا وسياسيًا يقتضي تضامنًا نقديًا واعيًا، يساند الحق دون أن يُعطِّل العقل، ويواكب القضية دون أن يُصادِر حق المساءلة. فكم من قضايا وُصفت بالمصيرية لم تُنقذ حلفاءها، بل ورّطتهم حين فُصل التضامن عن النقد، والموقف عن المعنى، وتحولت القضايا من أفق للتحرر إلى كلفة بلا أفق.
وفي هذا السياق، يفرض الواقع إزاحة السؤال من مستواه الهوياتي إلى مستواه العملي؛ فلم يعد السؤال المجدي هو: من نحن؟ بما يحمله من نزوع إلى الانغلاق وتنازع السرديات، بل: كيف نحن؟ وكم نحن؟ كيف نُدير تناقضاتنا، وكيف نمارس تضامننا، وكم نمتلك من قدرة فعلية على تحويل المواقف إلى أثر، والقيم إلى سياسات، والمعاني إلى وقائع قابلة للاستدامة.
إن الانتقال من سؤال الهوية إلى سؤال الكيف والكم هو انتقال من منطق التعريف إلى منطق المسؤولية، ومن سردية الذات إلى اختبار الفعل. وهو ما يجعل من التضامن النقدي شرطًا لحماية القضايا نفسها من الاستهلاك الرمزي، ويجعل من ترتيب النهايات فعلًا عقلانيًا ومسؤولًا، لا هروبًا من الواجب ولا تبريرًا للعجز، بل مدخلًا لإعادة بناء الأفق على أسس أكثر إنسانية، وأكثر قابلية للإنجاز.





