ـ قراءة نقدية في ضوء القرار 2797 وتصويت اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، ورهان الذكاء الوطني والتشاركية المؤسساتية ـ
أثار تصويت اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم 15 أكتوبر 2026، على مشروع القرار المتعلق بالصحراء المغربية، مفارقة سياسية ودبلوماسية تستحق التأمل. فوفق المعطيات المتداولة، صوتت 152 دولة لصالح المشروع، من بينها المغرب، بينما عارضته الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وامتنعت سبع دول عن التصويت .
تكمن المفارقة في أن الولايات المتحدة، التي اضطلعت بدور أساسي في إعداد قرار مجلس الأمن 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، صوتت ضد مشروع قرار يستحضر القرار نفسه ضمن مرجعياته ؛ فهل يتعلق الأمر بتناقض في الموقف الأمريكي، أم باختلاف في تصور كيفية معالجة قضية الصحراء داخل الأمم المتحدة؟ وهل أصبح الخلاف يتعلق بطبيعة الحل، أم بالإطار الأممي الذي ينبغي أن تتم داخله التسوية؟
إن الإجابة تقتضي تجاوز حساب الأصوات إلى فهم مضمون القرارات وأدوار المؤسسات الأممية، مع التمييز بين الوقائع والتفسيرات السياسية المحتملة. كما تستدعي الانتقال من مجرد تتبع التحولات الدولية إلى بناء ذكاء وطني قادر على استباق آثارها، وتحويل المكتسبات الدبلوماسية إلى اقتدار سياسي ومؤسساتي وحقوقي مستدام.
أولاً: لماذا صوتت أمريكا ضد مشروع يستحضر قراراً ساهمت في صياغته؟
بالرجوع إلى مشروع قرار اللجنة الرابعة، المؤرخ في 7 أكتوبر 2026، نلاحظ أنه يستحضر القرار 2797 ضمن سلسلة قرارات مجلس الأمن السابقة، لكنه يحتفظ في الوقت نفسه بالمرجعية التقليدية لتصفية الاستعمار وتقرير المصير ؛ فالمشروع لا ينص صراحة على اعتماد الحكم الذاتي باعتباره الأساس الحصري للتسوية، بل يؤكد مواصلة المفاوضات للوصول إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، يكفل تقرير المصير.
ومن هنا يمكن تفسير الموقف الأمريكي باحتمال وجود اختلاف بين مرجعية مجلس الأمن، التي منحت المبادرة المغربية للحكم الذاتي مكانة متقدمة، ومرجعية اللجنة الرابعة التي تستمر في معالجة القضية ضمن قضايا تصفية الاستعمار.
غير أن هذا التفسير يظل فرضية قابلة للتفنيد، خاصة أن طلب الولايات المتحدة إخضاع مشاريع قرارات اللجنة الرابعة للتصويت قد يكون جزءً من توجه عام تجاه طريقة عمل اللجان الأممية، وليس موقفاً خاصاً بقضية الصحراء.
ولذلك لا ينبغي اعتبار التصويت الأمريكي تراجعاً عن دعم الحكم الذاتي، كما لا يجوز الجزم بأنه يستهدف إلغاء المرجعية التقليدية دون دليل رسمي. فالذكاء الدبلوماسي يبدأ من التمييز بين ما نعرفه وما نفترضه، وبين الموقف المعلن والدلالة التي نستنتجها منه.
ثانياً: ما جدوى تصويت الجمعية العامة ما دام مجلس الأمن يقود التسوية؟
يتولى مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، ويضطلع بالدور الأساسي في توجيه المفاوضات وتجديد ولاية بعثة المينورسو وتحديد الإطار السياسي للتسوية.
أما الجمعية العامة، فتحتفظ بدورها في مناقشة قضايا تقرير المصير وتصفية الاستعمار، والتعبير عن مواقف الدول الأعضاء.
ومن ثم، فإن مجلس الأمن لا يلغي اختصاص الجمعية العامة، كما أن تصويت الجمعية العامة لا يحسم بمفرده الوضع القانوني النهائي للإقليم.
لكن الإشكال يظهر عندما تستمر المؤسستان في معالجة القضية من زاويتين مختلفتين: مجلس الأمن يسعى إلى توجيه مباشر، للمفاوضات نحو تسوية سياسية محددة المعالم، بينما تواصل اللجنة الرابعة استحضار المرجعية التاريخية لتصفية الاستعمار.
وهنا يصبح السؤال: هل يساعد هذا التعدد المؤسسي على توسيع الشرعية الدولية للتسوية، أم يسمح باستمرار اختلاف التأويلات والمواقف، بما قد يؤخر إنهاء النزاع؟
إن القيمة المضافة للجمعية العامة ينبغي أن تتمثل في دعم التسوية النهائية وضماناتها، لا في إعادة إنتاج الخلاف حول المرجعيات ؛ ولذلك فإن الرهان ليس إلغاء أحد المسارين، بل العمل على تحقيق التقائية سياسية وقانونية بينهما، بما ييسر الانتقال من إدارة النزاع إلى إنهائه.
ثالثاً: لماذا صوت المغرب لصالح القرار بينما عارضته الولايات المتحدة؟
قد يبدو هذا الاختلاف مستغرباً، لكنه لا يعني بالضرورة وجود تعارض بين الموقفين المغربي والأمريكي ؛ فمن الممكن أن يكون المغرب قد اعتبر أن التصويت الواسع لصالح المشروع، مع إدراج القرار 2797 ضمن مرجعياته، يعزز موقعه الدبلوماسي ويحافظ على انخراطه الإيجابي في المسار الأممي.
وفي المقابل، قد تكون الولايات المتحدة قد فضلت الاعتراض على استمرار الصياغات التقليدية أو على طريقة اعتماد القرارات.
لكن هذه احتمالات تفسيرية، وليست مواقف رسمية مثبتة.
والأهم أن اختلاف التصويت يبين أن التحالف السياسي لا يقتضي دائماً التطابق في التعامل مع المؤسسات والإجراءات الدولية. فقد تتفق دولتان على الهدف العام، وتختلفان حول الوسائل ونفس المرجعيات والإيقاع المناسب لتحقيقه.
وهنا تتأكد أهمية عدم اختزال السياسة الخارجية في ثنائية التأييد والمعارضة، لأن العلاقات الدولية تقوم أيضاً على تمايز المصالح وتعدد مستويات التفاوض وتغير السياقات.
رابعاً: هل حان الوقت لإخراج ملف الصحراء من وعاء تصفية الاستعمار؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يحتل مركز النقاش ؛
فالمقصود ليس المطالبة بإلغاء مهام اللجنة الرابعة، التي تتولى النظر في قضايا دولية متعددة، وإنما مساءلة استمرار إدراج قضية الصحراء المغربية ضمن وعاء تصفية الاستعمار.
فإسبانيا هي القوة الاستعمارية التي كانت تدير الصحراء قبل نونبر 1975، وقد انتهى وجودها الإداري سنة 1976، بعد المسيرة الخضراء واتفاق مدريد.
ومن المنظور المغربي، يتعلق الأمر باستكمال الوحدة الترابية وإنهاء الاستعمار الإسباني، وليس باحتلال المغرب لإقليم أجنبي.
لكن الأمم المتحدة ما زالت تدرج الصحراء ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وتعتبر أن انتهاء الإدارة الإسبانية لم يؤد تلقائياً إلى الحسم النهائي في الوضع القانوني للإقليم أو استكمال ممارسة تقرير المصير وفق مرجعيتها.
وهنا ينبغي التمييز بين انتهاء الاستعمار الإسباني بوصفه واقعة تاريخية، واستكمال الوحدة الترابية بوصفه موقفاً سيادياً مغربياً، وإنهاء التصنيف الأممي للإقليم بوصفه مسألة قانونية وسياسية لم تُحسم بعد.
ومن ثم، فإن السؤال ليس لماذا تستمر اللجنة الرابعة في ممارسة اختصاصاتها، بل لماذا يستمر إدراج الصحراء ضمن وعاء تصفية الاستعمار، رغم التحولات التي عرفها النزاع وتطور مرجعيات التسوية؟
وهل يمكن أن يشكل القرار 2797 بداية انتقال نحو معالجة سياسية جديدة، تسمح في نهاية المطاف بمراجعة هذا التصنيف؟
إن إخراج الملف من هذا الوعاء لا يتحقق بمجرد التصويت أو تغيير العبارات، بل يحتاج إلى تسوية نهائية تتيح للأمم المتحدة إعادة تحديد الوضع القانوني والسياسي للإقليم.
خامساً: من كسب التأييد الدولي إلى بناء شروط التسوية
إن التقدم الدبلوماسي المغربي، مهما كانت أهميته، لا يعفي من التفكير في المرحلة المقبلة. فإذا أصبح الحكم الذاتي يحظى بمكانة متقدمة داخل المسار السياسي، فإن المطلوب هو الانتقال من المبادرة العامة إلى تصور مؤسساتي واضح، يحدد الصلاحيات والعلاقات بين السلطات المركزية والجهوية، ويضمن المشاركة الديمقراطية والحقوق والحريات.
كما ينبغي التفكير في كيفية الانتقال من الوضع الحالي إلى التسوية المرتقبة، وفي المؤسسات التي ستواكب هذا الانتقال، والضمانات التي تمنع العودة إلى النزاع.
وهنا تبرز أهمية بناء آليات للاستقبال والمصالحة وإعادة الإدماج، بما يشمل السكان المعنيين، مع توفير الضمانات الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية اللازمة ؛ فالحكم الذاتي لا ينبغي أن يكون مجرد صيغة قانونية لتوزيع الاختصاصات، وإنما مشروعاً للحكامة الديمقراطية والتنمية والمشاركة في تدبير الشأن العام.
وتزداد مصداقية هذا المشروع كلما تعززت داخل المغرب استقلالية المؤسسات، والجهوية الديمقراطية، واستقلال القضاء، وحماية الحقوق والحريات.
ذلك أن قوة النموذج المقترح لا تتحدد فقط بمستوى الاعتراف الدولي به، بل أيضاً بقدرته على إقناع المعنيين بجدواه وضمان استدامته.
ومن هنا تبرز جدوى التشاركية الوطنية، ليس باعتبارها مجرد آلية للتعبئة حول الاختيارات الرسمية، وإنما بوصفها وسيلة لإغناء القرار الاستراتيجي بالخبرات والمعارف والتقديرات المختلفة.
فالجامعة، والمؤسسات الدستورية، والهيئات الحقوقية، والخبرات القانونية والدبلوماسية، والقوى السياسية والمدنية، يمكن أن تسهم جميعها في بناء تصور وطني متكامل لشروط التسوية ومخاطرها وضماناتها.
فالذكاء الوطني لا يعني توحيد التفكير، بل تنظيم تعدده بما يخدم وحدة المصالح الاستراتيجية. ولا تقتضي وحدة القرار السيادي احتكار إنتاج المعرفة المتعلقة به.
سادساً: من استباق المخاطر إلى مأسسة الذكاء الوطني: الحاجة إلى تنصيب المجلس الأعلى للأمن
يفرض التفكير النقدي التوقعي عدم التعامل مع التقدم الدبلوماسي باعتباره ضمانة تلقائية لإنهاء النزاع ؛ فقد يؤدي تطور المرجعية السياسية إلى إطلاق مفاوضات جدية تنتهي بتسوية متدرجة، كما قد يستمر الجمود بسبب اختلاف الأطراف حول مضمون الحكم الذاتي وشروط تنفيذه. وقد تتحقق أيضاً تفاهمات جزئية لا تعالج جميع أسباب النزاع، فتؤدي إلى استقرار مؤقت دون تسوية مستدامة.
ولذلك ينبغي التفكير في المخاطر قبل وقوعها، وفي شروط نجاح التفاوض، وآليات بناء الثقة، وضمانات التنفيذ والمراقبة.
وهنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من الذكاء الدبلوماسي، الذي يدبر العلاقات والمواقف الدولية، إلى الذكاء الوطني الشامل، الذي يربط الأمن بالحقوق، والسيادة بالتنمية، والقرار الاستراتيجي بالمعرفة والتوقع والمشاركة.
وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة إلى تفعيل المجلس الأعلى للأمن وتنصيبه، المنصوص عليه في الفصل 54 من الدستور المغربي، أهمية مؤسساتية خاصة ؛ فالدستور أحدث هذا المجلس باعتباره هيئة للتشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات، والسهر على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة ، ولا يتعلق الأمر هنا بالمطالبة بإحداث مؤسسة جديدة، بل بتفعيل مؤسسة دستورية يمكن أن توفر إطاراً للتنسيق الاستراتيجي والتشاور والتقييم والاستباق، في حدود اختصاصاتها ؛ كما أن تركيبة المجلس الدستورية، التي تجمع مسؤولين حكوميين وبرلمانيين وقضائيين وأمنيين، مع إمكانية حضور شخصيات مؤهلة وخبراء، تتيح التفكير في تطوير وظيفة استشارية تجمع بين وحدة القرار وتعدد مصادر الخبرة.
غير أن التشاركية المقصودة لا تعني إلغاء مقتضيات السرية المرتبطة بالأمن الوطني، ولا نقل الاختصاصات الدستورية من مؤسساتها، وإنما بناء علاقة عقلانية بين حماية المعلومات السيادية وضرورة توسيع القاعدة المعرفية التي يستند إليها القرار.
وبذلك يمكن أن يشكل تفعيل المجلس الأعلى للأمن رافعة لتطوير الحكامة الاستراتيجية، شرط ألا يتحول إلى مجرد إطار إضافي للتنسيق الإداري، بل أن يسهم في إرساء ثقافة مؤسساتية تقوم على تقييم المخاطر، واستشراف التحولات، وتقاطع الخبرات، ومراجعة الاختيارات في ضوء نتائجها ؛ فالأمن الوطني في مفهومه المعاصر لا ينحصر في مواجهة التهديدات العسكرية والأمنية، بل يمتد إلى الأمن القضائي والحقوقي والاجتماعي والاقتصادي والمعلوماتي، وإلى القدرة على حماية المكتسبات والحقوق التاريخية من مخاطر التآكل أو سوء التدبير.
والأهم أن الذكاء الوطني لا ينبغي أن يختزل في الذكاء الدولتي. فالأول يستوعب المجتمع ومؤسساته وذاكرته وخبراته وحقوق أجياله المقبلة، بينما يركز الثاني على استمرارية الدولة ومصالحها الاستراتيجية. والتحدي هو تحقيق الاقتران بينهما، دون إضعاف استقلالية المؤسسات أو وحدة القرار السيادي.
ومن هذا المنظور، لا يمثل تنصيب المجلس الأعلى للأمن غاية في ذاته، بل خطوة محتملة نحو مأسسة التفكير الاستراتيجي التشاركي، والانتقال من تدبير الأزمات بعد وقوعها إلى استباقها، ومن تحصين المكتسبات القائمة إلى إنتاج شروط استدامتها.
إن الرهان المغربي بعد القرار 2797 لا يتمثل فقط في كسب التأييد الدولي، وإنما في تحويله إلى تسوية سياسية وقانونية ومؤسساتية قابلة للتنفيذ، تسمح بتجاوز التصنيف التاريخي للنزاع في إطار الشرعية الأممية.
وهذا ما يجعل من الذكاء الوطني والتشاركية المؤسساتية وتفعيل المجلس الأعلى للأمن عناصر متكاملة في بناء اقتدار استراتيجي، يحمي الحقوق التاريخية، ويستثمر المكتسبات الدبلوماسية، ويجعل من السيادة قدرة على إنتاج المستقبل، لا مجرد استحضار مشروعيتها التاريخية.
مصطفى المنوزي

مراكش تحتضن دورة تكوينية جهوية لتعزيز الكشف المبكر عن الإعاقة وترسيخ التربية الدامجة
مؤشر الجوع العالمي 2026: المغرب في المرتبة 47 عالمياً وسط تصاعد نقص التغذية
ديون الأسر المغربية المتعثرة تقفز إلى 44,7 مليار درهم وسط تصاعد مخاطر السداد
الملك العمومي ليس ملكاً خاصاً.. شكاوى متجددة من عرقلة الولوج إلى عمارة عليلي من قبل مقهى