مصطفى المنوزي: من الحكم إلى الفهم.. في الحاجة إلى أخلاقيات الحجاج وتحرير المعنى

( من وحي مؤلف “” تأويل الذات “” لميشيل فوكو )

الجزء الاول:

ليس من الصعب أن يحكم الإنسان على الأفعال؛ فالأفعال وقائع ظاهرة، قابلة للتقييم وفق معايير أخلاقية أو قانونية أو اجتماعية. غير أن هذا الحكم، حتى حين يكون مشروعًا، يظل مشروطًا بأخلاقيات التعبير، بحيث لا ينزلق إلى التجريح أو الوقاحة أو الإلغاء الرمزي للآخر. لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن هنا، بل يتجلى حين ينتقل الحكم من الأفعال إلى الأفكار، حيث يغدو الأمر أكثر تعقيدًا، وأكثر حاجة إلى البرهنة والحجاج، وأشد التزامًا باحترام صاحب الفكرة بوصفه ذاتًا مفكرة لا مجرد موضوع للتصنيف.
ذلك أن الحكم على الأفكار لا يستقيم دون معرفة بمحتواها الفعلي، ولا دون قدرة على تفكيك بنيتها ومساءلة مقدماتها. ومع ذلك، نلاحظ في الفضاء العمومي انتشار نمط من الأحكام الجاهزة التي لا تنبني على قراءة أو فهم، بل على قوالب مسبقة، غالبًا ما تكون موروثة أو مُلقّنة ضمن سرديات جماعية مغلقة. في هذا السياق، لا يعود الفرد فاعلًا في إنتاج حكمه، بل مجرد وسيط يعيد تدوير أحكام لم يُسهم في بنائها.
ويُعدّ المثال المرتبط بنظرية داروين من أبرز تجليات هذا الاختلال. فكثير من الناس يناهضون هذه النظرية دون الاطلاع على نصوصها أو استيعاب فرضياتها، مكتفين بصورة كاريكاتورية مفادها أن “الإنسان أصله قرد”. والحال أن داروين لم يقل بذلك بهذا التبسيط الشائع، بل افترض وجود سلف مشترك بين الإنسان وبعض الرئيسيات، في إطار تصور تطوري معقد لا يمكن اختزاله في صيغة شعبوية. إن ما يحدث هنا ليس مجرد خطأ معرفي، بل انزياح سيميائي، حيث تُستبدل الفكرة بنسخة مشوهة عنها، ثم يُبنى الحكم على هذا التشويه.
هذا النمط من التلقي يكشف عن خلل مزدوج: خلل في أخلاقيات الحكم، وخلل في شروط إنتاج المعرفة. فمن جهة، يتم الحكم على أفكار دون احترام مقتضيات الحجاج، ومن جهة أخرى، يتم استهلاك المعرفة عبر وسائط جاهزة تعفي الفرد من عناء التفكير. وهنا تتقاطع المسألة مع ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الكسل المعرفي”، حيث تُفضَّل الإجابات السريعة والمطمئنة على الأسئلة المقلقة والمفتوحة.
إن تجاوز هذا الوضع لا يمكن أن يتم عبر تصحيح المعلومات فقط، لأننا لا نواجه مجرد جهل، بل نواجه منظومة من التمثلات والسرديات التي تؤطر الفهم وتوجهه. لذلك، يصبح من الضروري الانتقال من منطق “الحكم” إلى منطق “الفهم”، أي من إصدار الأحكام إلى مساءلة شروطها وإعادة بناء مساراتها. وهذا ما يقتضي تبني أخلاقيات جديدة للنقاش، قوامها التمييز بين نقد الفكرة واحترام صاحبها، وبين تفكيك الخطاب وتفادي الشخصنة.
في هذا الأفق، يبرز التفكير النقدي التوقعي بوصفه أفقًا منهجيًا قادرًا على إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والحكم. فهو لا يكتفي بنقد المضامين، بل ينصرف إلى تحليل السياقات التي تُنتج فيها، واستشراف مآلاتها داخل الحقل الاجتماعي. كما أنه يُمكّن الفاعل من التحرر من القوالب الجاهزة، عبر مساءلة المسلمات، وإعادة بناء المعنى على أسس حجاجية وتشاركية.
ولعل الرهان الأساسي يتمثل في تحويل الفضاء العمومي من ساحة لتبادل الأحكام إلى مجال لإنتاج الفهم. وهذا يمر عبر إعادة الاعتبار للمعرفة الدقيقة، وتبسيطها دون تشويه، وتعزيز ثقافة السؤال بدل الاكتفاء بجاهزية الجواب. كما يمر عبر بناء سرديات بديلة تُصالح بين العلم والمجتمع، وتُبرز أن الاختلاف في الفهم لا يبرر العداء، بل يفتح إمكان الحوار.
خلاصة القول، إن الحكم على الأفعال يظل ممكنًا ضمن حدود اللياقة، أما الحكم على الأفكار فلا يكون مشروعًا إلا بقدر ما يستند إلى معرفة وحجاج. وبين هذا وذاك، تتحدد مسؤوليتنا في ترسيخ أخلاقيات للفهم، تجعل من التفكير ممارسة تحررية، لا مجرد إعادة إنتاج لأحكام الآخرين.

Exit mobile version